آلاف الأميركيين ينسحبون من سوق العمل ويتوقفون عن البحث
كشف تباطؤ التوظيف في الولايات المتحدة عن ظاهرة مقلقة تتمثل في خروج أعداد متزايدة من سوق العمل والتوقف عن البحث عن وظائف جديدة، بعدما دفعت المنافسة الشديدة والضغوط النفسية كثيرين إلى فقدان الأمل في العثور على فرصة مناسبة.
وجاء ذلك في وقت سجلت إعلانات تسريح العمالة خلال يناير أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2009، وفق بيانات شركة “تشالنجر غراي آند كريسماس”. وأدى ذلك إلى تدفق آلاف الباحثين عن عمل إلى السوق في وقت واحد، ما جعل المنافسة أكثر صعوبة وأضعف فرص الحصول على وظائف جديدة.
وسجل معدل المشاركة في القوى العاملة الأميركية اتجاهاً هبوطياً منذ مطلع الألفية الحالية بفعل شيخوخة السكان وتراجع أعداد الشباب المنضمين إلى سوق العمل. وشهد يونيو أكبر انخفاض شهري في مشاركة الفئة العمرية بين 25 و54 عاماً خارج فترة جائحة كورونا منذ عام 1976، بعدما توقف نحو 720 ألف شخص عن العمل أو عن البحث عن وظائف بين مايو ويونيو، بحسب بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس.
كما استمرت معدلات البطالة طويلة الأجل عند مستويات مرتفعة، إذ تجاوز عدد الأميركيين العاطلين عن العمل لأكثر من ستة أشهر نحو 1.9 مليون شخص في يونيو، ما يعادل ربع إجمالي العاطلين تقريباً. ويرى اقتصاديون أن استمرار بيئة “التوظيف الضعيف والتسريحات المحدودة” يزيد من صعوبة الانتقال بين الوظائف ويدفع المزيد من الأشخاص إلى مغادرة سوق العمل بالكامل، وفقاً لما ذكرته شبكة “CNBC”، واطلعت عليه “العربية Business”.
ورغم توقعات بمراجعة بعض البيانات الرسمية خلال الأشهر المقبلة، فإن تراجع المشاركة في سوق العمل يعكس حالة من الاختلال في الاقتصاد الأميركي، وسط غياب حلول واضحة لمعالجة المشكلة وتداعياتها طويلة المدى على الدخل والادخار التقاعدي والمسار المهني للأفراد.
الضغوط النفسية تتحول إلى عامل رئيسي
أشار اقتصاديون إلى أن مجموعة من العوامل المتداخلة تقف وراء الظاهرة، من بينها موجات التقاعد، وتراجع الهجرة، وصعوبة العثور على وظائف مرنة أو عن بُعد، خاصة للآباء والأمهات والأشخاص ذوي الإعاقة.
ولعبت الضغوط النفسية دوراً متزايداً في انسحاب البعض من البحث عن عمل. فبحسب استطلاع أجرته Resume Genius خلال أبريل، أكد نحو نصف الباحثين عن وظائف أن عملية البحث أثرت سلبياً على صحتهم النفسية بسبب الرفض المتكرر، وضعف الاستجابة من الشركات، والضغوط المالية، وتراجع الدافعية.
كما زادت فترات الانقطاع الطويلة عن العمل من صعوبة العودة إلى الوظائف، إذ ينظر كثير من أصحاب العمل بحذر إلى الفجوات الزمنية في السيرة الذاتية، ما يخلق دائرة مفرغة من الإحباط والاستبعاد.
وتجسد قصة “هاينا”، البالغة من العمر 33 عاماً، هذه المعاناة. فبعد تسريحها من وظيفة في مجال تحليلات التسويق بنيويورك أواخر 2025، أمضت عدة أشهر في إجراء مقابلات والحصول على عروض عمل، لكن صعوبات نقل تأشيرة العمل الأميركية دفعتها في النهاية إلى العودة إلى منغوليا الداخلية والإقامة مع أسرتها.
وقالت إن رحلة البحث عن وظيفة كانت أشبه ب”قطار أفعوانية مليء بالصعود والهبوط”، مؤكدة أن استعادتها لوقتها مع العائلة ساعدتها على استعادة توازنها النفسي والتفكير مجدداً في مستقبلها المهني.
العودة إلى الدراسة كخطة بديلة
دفع ركود سوق العمل عدداً من الباحثين عن وظائف إلى العودة لمقاعد الدراسة أملاً في تحسين فرصهم المهنية أو الانتقال إلى قطاعات أكثر استقراراً. ويعيد هذا الاتجاه إلى الأذهان ما حدث خلال الأزمة المالية العالمية عندما ارتفعت معدلات الالتحاق بالتعليم بشكل ملحوظ بين العاملين السابقين.
وسلكت سيلين وانغ، البالغة من العمر 26 عاماً، هذا المسار بعدما أمضت سنوات في العمل كمصممة رقمية. فبعد استقالتها في 2024 واجهت سوقاً أكثر تنافسية مما توقعت، وقضت أشهراً طويلة في البحث دون جدوى.
ودفعها الإحباط بعد سلسلة من المقابلات الوظيفية إلى التفكير في تغيير مسارها المهني بالكامل، لتلتحق ببرنامج متخصص في صحة الأسنان بمدينة نيويورك. وتتوقع الحصول على درجتها العلمية بحلول نهاية 2027، مع الإبقاء على شغفها بالتصميم والعمل فيه بشكل جزئي مستقبلاً.
استراحة مهنية أم انسحاب مؤقت؟
نظر بعض العاطلين عن العمل إلى فترة التوقف باعتبارها فرصة لإعادة تقييم أولوياتهم المهنية والشخصية، خاصة لمن يملكون مدخرات أو دعماً عائلياً يسمح لهم بتحمل التوقف المؤقت.
واستغل كثيرون هذه الفترة لإعادة التفكير في خياراتهم المهنية أو العودة إلى التعليم، بينما فضل آخرون التفرغ للعائلة وتحسين جودة حياتهم. ويخطط “كودا”، أحد الباحثين السابقين عن عمل، لمنح نفسه إجازة مهنية قد تمتد إلى عام كامل، مؤكداً أن هذه الخطوة منحته وقتاً أكبر لرعاية طفله البالغ ثلاث سنوات.
ورغم القلق المصاحب للابتعاد عن سوق العمل، يرى كثير من هؤلاء أن التوقف المؤقت كان الخيار الأنسب في ظل سوق توظيف مرهقة ومتخمة بالمنافسة، حتى وإن بقيت العودة إلى العمل هدفاً قائماً في المستقبل.
المصدر: العربية – اقتصاد