آليات صناعة «التفاهة»
من بنات عمرو دياب، إلى زوجات حسام، وجاموسة محمد رمضان، وقتلة سوهاج وحلوان، والحماة المفترسة، تنشغل الملايين بمتابعة تفاصيل تافهة، وتتجاهل قضايا مصيرية تمس اقتصاد وطنها أو مستقبله.. إنها معركة هزيمة الفكر والوعى.
ويبدأ الطريق إلى «تسطيح الوعى» بإغراق الناس بسيل من التفاهات والمعلومات التى تنهك قدرتهم على التحليل، وعندما يتعب العقل، يرفع راية الاستسلام، ويبحث عن حلول سهلة، وتنشط «سياسة القطيع»، فيردد الفرد ما يقوله الآخرون دون تفكير، وينساق وراء موجات الغضب، لمجرد الشعور بالانتماء إلى الجموع، حتى إن كانت تسير نحو الهاوية.
وتمنح وسائل التواصل الاجتماعى الأولوية للمحتوى «الأكثر إثارة»، لا «الأكثر صدقًا»، وتخلق بيئة خصبة لنمو حروب الجيل الخامس والسيطرة على العقول، ويصبح المواطن المغيب هو الأداة التى تهدم استقرار بلده بيده، ونشر اليأس والتشكيك فى كل إنجاز أو قيمة، وفى النهاية فقدان البوصلة الوطنية والوقوع فى فخ التبعية الفكرية.
وفى ظل التحولات الرقمية الراهنة، بات كل مواطن شريكًا أساسيًا فى حماية الأمن المعلوماتى لوطنه، إذ إن تداول شائعة واحدة كفيل بإرباك الاستقرار الاقتصادى والسلم المجتمعى، ومن هنا يبرز «الوعى الفردى»، كحائط الصد الأول والركيزة الأساسية للأمن القومى.
معركة الوعى هى معركة وجودية، تتطلب «فلترة» كل ما نستقبله من الشاشات، وكسر سياسة القطيع، يبدأ باستعادة الفرد حقه فى التفكير والسؤال، والتمييز بين الحقيقة والمعلومات المضللة، فالوعى هو الحصن الأخير، وإذا سقط العقل فى فخ التغييب، سقط معه كل شىء.
وصناعة «تغييب العقول» أقوى من أسلحة الدمار الشامل، وتحوّل الإشاعة إلى حقيقة، وتجعل من المشاكل الصغيرة أزمات كبرى، والنتيجة هى نسيج مجتمعى ممزق، وعقول مخدرة بالتبعية والتقليد، وعقلية قطيع مسلحة ب«تسطيح الوعى».
وبين الوعى الزائف وسياسة القطيع، تحولت المنصات من مساحات للتواصل إلى أدوات فعالة لإعادة صياغة الوعى الجمعى، وتوجيه الحشود بعيدًا عن المنطق، ويصبح المجتمع عرضة للشكوك، عند كل «ترند» مستفز، أو خبر كاذب يتم تسويقه بذكاء.
ولا يتوقف الأمر عند مجرد الجهل، بل يمتد إلى «صناعة الأزمات الممنهجة» من خلال تضخيم صغائر الأمور وتحويل الهوامش إلى قضايا مصيرية، واستنزاف طاقة المجتمع فى صراعات جانبية، تخلق حالة من العداء بين أبناء الوطن الواحد.
وهذه الأزمات المصنوعة، تعمل كدخان يحجب الرؤية عن القضايا الحقيقية، وتجعل النسيج المجتمعى هشًا، يسهل تمزيقه بإشاعة واحدة، تُبث فى توقيت مدروس.
فى الختام.. حماية العقول ليست ترفًا فكريًا، بل واجب وطنى وإنسانى ملح، وحين نحصّن عقولنا بالمعرفة والنقد البناء، ونتحرر من أسر التبعية والانسياق الأعمى، ونضع لبنة صلبة فى بناء مستقبل أكثر وعيًا واستقرارًا، لتبقى الأوطان منيعة، فى وجه كل عاصفة تهب من خلف الشاشات.
نقلاً عن “أخبار اليوم”
المصدر: العربية – سياسة

