أصوات من جبل عامل وصوت نعيم قاسم
بينما كان جنوب لبنان يشهد مزيداً من الدمار والترميد، اجتمعت ثلة من الصحافيين والنشطاء من أبنائه، وقررت أن ترفع صوتها مرتين: مرة لدعوة أبناء جبل عامل إلى التصالح مع فكرة الدولة، ومرة أخرى لدعوة الدولة إلى العودة إلى جبلهم بعد حروب دموية.
فمن خارج السائد الحزبي أو الطائفي أو الجنوبي أو العاملي، نسبةً إلى جبل عامل، اجتمعت أصوات عاملية جنوبية على إظهار اعتراض آخر، مختلف نسبياً عن الاعتراض التقليدي على «الثنائي الشيعي» الحاكم (حركة أمل وحزب الله)، لكنه لا يختلف معه.
وتحت شعار «دورنا نحكي»، تكلمت مجموعة من الجنوبيين العامليين عن حالتهم وحالة جبل عامل، ليس فقط بعد حربَي الإسناد: السابقة واللاحقة، بل عن الجنوب منذ أن صادره «الثنائي» وحجز عليه، ليس سياسياً وأمنياً فحسب، بل ثقافياً واجتماعياً وخدماتياً وإنسانياً أيضاً. وقد ارتُكب هذا الاحتكار للجنوب بمشاركة الدولة ومؤسساتها وإمكاناتها وقدراتها، التي أُعطيت لطرف واحد، فأوغل في استئثاره وفرض خياراته، إلى أن وصلت مغامراته إلى حد الانتحار بالجميع. وحتى لا يُنحر جبل عامل مرات أخرى، كان لا بد لهذه الأصوات من أن ترتفع.
من الجنوب وإليه، ومن جبل عامل وإليه، ارتفعت هذه الأصوات على حدود الدولة، حاملةً تمنيات وُضعت في شكل توصيات تدعو الدولة، بسلطاتها التنفيذية والقضائية، وبمؤسساتها الأمنية والصحية والتعليمية، إلى رفع قيود قوى الأمر الواقع عن الواقع الجنوبي؛ بدءاً من إعادة تفعيل دور المؤسسات وتحريرها تدريجياً من وصاية «الثنائي» الحاكم، وصولاً إلى اعتماد الشفافية في إعادة الإعمار، خصوصاً أن هناك من يريد أن يمنّ على الجنوبيين بالتعويضات، وكأنها من ماله الخاص، فيما يعلم الجميع أنها من أموال دولتهم.
مبادرة «أصوات من جبل عامل» هي أقرب إلى نداء للمصالحة بين الجنوبيين، الخارجين من طائفتهم وليس الخارجين عليها، والدولة. وهي فعل وطني يدفع، أو يساعد، على تحقيق مصالحة أكبر وفهم أعمق من الجنوبيين للدولة ومهامها، فيما الأخيرة ملزمة، ومن واجبها، أن تفهم هذه الأصوات وتتفاعل معها، باعتبارها جزءاً، ولو بسيطاً، من التمثيل الجنوبي الجديد، وأن تكون على مسافة واحدة من جميع الجنوبيين، بصرف النظر عن حجمهم التمثيلي، الذي لم يعد كافياً وحده لمصادرة القرار الجنوبي.
من مسرح مونو في بيروت، وبرعاية شجاعة من وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة، أطلقت مبادرة «أصوات من جبل عامل» ورقة المناصرة، في محاولة لإنتاج رؤية بديلة لعلاقة البيئة الجنوبية بالدولة اللبنانية. فهي تنتقل من خطاب الاحتجاج على السائد ومعارضة «حزب الله» إلى خطاب السياسات العامة، عبر توصيات موجهة إلى الوزارات المختلفة في مجالات التربية والاقتصاد والإعمار والثقافة والبيئة والإعلام والإدارة المحلية. وهذا يمنحها طابعاً إصلاحياً يتجاوز السجال السياسي اليومي الذي تمارسه معارضة البيئة الجنوبية التقليدية.
أما في بُعدها السياسي، فهي لا تصدر عن وجوه تقليدية من اعتراض البيئة الجنوبية، على الرغم من مشاركة المجلس الثقافي للبنان الجنوبي ومبادرة هاني فحص، بل إن أهميتها وخصوصيتها تكمنان في أنها تصدر من داخل البيئة العاملية نفسها، غير المسيّسة، أو ممن يطلّون على السياسة من باب الثقافة والاجتماع. وهذا يعزز الاعتقاد بأن المجتمع العاملي ليس كتلة سياسية أو فكرية واحدة، وأن في داخله تيارات ترى مستقبل البيئة الجنوبية في إطار الدولة اللبنانية، لا في إطار مشروع حزبي عقائدي أو إقليمي، وأن فضاء البيئة الجنوبية العام بات أوسع من قبضة «الثنائي».
توصيات العامليين هي توصيات كل أهل الجنوب الذين لم تتح لهم الظروف بعد أن يرفعوا أصواتهم: أولويتنا الدولة والمواطنة والالتزام بالعقد الاجتماعي، ومستقبلنا ومستقبل الجنوب وجبل عامل والبيئة الجنوبية مع مؤسسات الشرعية، وإعادة بناء العلاقة الطبيعية مع الدولة.
وعليه، فإن بين «أصوات من جبل عامل» وأصوات «الثنائي الشيعي»، وخصوصاً صوت الأمين العام ل«حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، فاصلاً بين معنيين للدولة والجنوب والمقاومة.
أما إذا قورنت هذه الأصوات بصوت نعيم قاسم، فإن الفارق واسع؛ فبينما تنطلق «أصوات من جبل عامل» من هموم الناس اليومية، ومن الحاجة إلى عودة الدولة بوصفها حلاً عادلاً لأبنائها، يبدو صوت الأمين العام للحزب ما زال بعيداً ومنشغلاً بحسابات إقليمية تتجاوز واقع الناس ومعاناتهم اليومية.
*نقلاً عن “الشرق الأوسط“
المصدر: العربية – سياسة





