أصوات من داخل النخبة الإيرانية تدعو لاستفتاء ومراجعة بنية الحكم
رجوع
ملخص الخبر
- دعا ثلاثة سياسيين إيرانيين إلى إجراء استفتاء ومراجعة بنية الحكم والدستور لمواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية.
- طالب علي جنتي ومصطفى كواكبيان بإجراء استفتاء عاجل لإصلاح بنية النظام وإعادة الاعتبار لحقوق المواطنين.
- ركز غلامحسين كرباسجي على ضرورة تقييم تكلفة الحرب والتحول نحو التفاوض لضمان استقرار المجتمع والقدرة الاقتصادية.
- تعكس هذه التصريحات تباين الآراء حول إدارة الأزمات الحالية ومحاولة إصلاح النظام من الداخل قبل تفاقم أزماته.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً عسكرية واقتصادية وسياسية متزايدة، برزت خلال الأيام الأخيرة تصريحات لافتة لثلاث شخصيات سياسية إيرانية، هي علي جنتي ومصطفى كواكبيان وغلامحسين كرباسجي، تدعو إلى مراجعة طريقة إدارة الدولة، وإعادة الاعتبار لإرادة المواطنين، وتجنب استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة من دون حساب دقيق لتكاليفها.
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من تزامنها مع تصاعد النقاش حول مستقبل النظام السياسي الإيراني، ولا سيما أن المطالب المطروحة لا تقتصر على تغيير السياسات الحكومية، بل تمتد إلى الدعوة لإجراء استفتاء بشأن التغييرات في بنية النظام، ومراجعة الدستور، وإعادة النظر في العلاقة بين السلطة والمجتمع.
وتثير هذه المواقف تساؤلات بشأن ما إذا كانت تعكس اتساع الخلاف داخل النخبة السياسية الإيرانية حول إدارة المرحلة الراهنة، أم أنها تمثل محاولات لإصلاح النظام من الداخل قبل تفاقم أزماته.
علي جنتي: الاستفتاء مدخل لكسر الجمود وإصلاح بنية الحكم

ففي مقابلة نشرتها صحيفة “اعتماد” الإيرانية، وأعاد موقع “عصر إيران” نشر مضمونها، دعا علي جنتي، وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي الأسبق والدبلوماسي السابق، إلى مراجعة أسس إدارة الدولة، مؤكداً أن نقطة البداية يجب أن تكون العودة إلى روح الدستور ونصوصه.
وشدد جنتي على ضرورة إعادة الاعتبار إلى الحقوق الأساسية للمواطنين والحريات الفردية والاجتماعية والرقابة الشعبية، معتبراً أن أجزاء مهمة من الدستور تعرضت للتهميش خلال العقود الماضية.
كما دعا إلى مراجعة الدستور نفسه، والاستفادة من آليات الاستفتاء المنصوص عليها في المادة 59، خصوصاً في القضايا السياسية والاقتصادية والدولية الكبرى التي تؤثر في مستقبل البلاد.
وأكد أن السلطة مطالبة بالاستماع إلى المجتمع والاستناد إلى آراء المواطنين والخبراء المستقلين في صياغة السياسات، بدلاً من اتخاذ قرارات استراتيجية من دون مراعاة مطالب الأغلبية.
ولم تقتصر مواقف جنتي على الإصلاح الدستوري، بل تناولت أيضاً تداعيات الحرب والحصار البحري والتحديات الاقتصادية، محذراً من أن استمرار الاستنزاف قد يدفع إيران إلى مواجهة ضغوط داخلية وإقليمية أشد، ويقلص قدرتها على حماية مصالحها.
وتكتسب هذه التصريحات دلالة سياسية إضافية بالنظر إلى أن جنتي هو نجل أحمد جنتي، الشخصية المحافظة البارزة التي ارتبط اسمها بمجلس صيانة الدستور. غير أن القرابة العائلية لا تكفي، بحد ذاتها، للاستنتاج بأن موقف علي جنتي يعكس انقساماً داخل المؤسسات التي يمثلها والده.
كما انتقد بشدة المجازر التي ارتكبت في الاحتجاجات، قائلاً إن 80% من الذين قتلوا كانت أعمارهم دون 18 سنة، وهذا يعتبر أول اعتراف بأن القتلى كانوا من الشباب الإيرانيين الطموحين للحياة والمستقبل، وليس كما روج له بعض المتشددين أنه كانت خطة انقلاب علي الحكم أو ما شابه ذلك.
كواكبيان: استفتاء عاجل بشأن التغييرات في بنية النظام قبل فوات الأوان

من جانبه، طالب مصطفى كواكبيان، النائب السابق في مجلس الشورى الإسلامي، بإجراء استفتاء في أسرع وقت ممكن بشأن التغييرات في بنية النظام.
وجاءت الدعوة، التي نشرها موقع “بيتوته” نقلاً عن تصريحات أدلى بها كواكبيان لموقع “إيران 24″، مترافقة مع انتقادات لعدم وضوح وضع رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، ودعوات إلى إتاحة مساحة أوسع للآراء السياسية المختلفة في الإعلام الرسمي.
وأكد كواكبيان أهمية الحوار بين الإصلاحيين والمحافظين، والاستفادة من الشخصيات السياسية ذات التوجهات المتباينة في مناقشة القضايا الوطنية.
وتتجاوز أهمية هذه الدعوة المطالبة بإصلاح أداء مؤسسة بعينها؛ فطرح الاستفتاء بشأن بنية النظام يفتح، من حيث المبدأ، باب النقاش حول طبيعة التغييرات المؤسسية المطلوبة، وحدود الصلاحيات، وآليات اتخاذ القرارات الكبرى.
ومع ذلك، لم يحدد كواكبيان في التصريحات المنشورة بصورة تفصيلية ماهية التغييرات التي ينبغي طرحها للاستفتاء، وهو ما يجعل من الضروري التمييز بين المطالبة بإجراء الاستفتاء وبين وجود مشروع متكامل لتغيير النظام السياسي.
كرباسجي: لا يمكن إدارة البلاد بالشعارات وحدها

أما غلامحسين كرباسجي، الأمين العام السابق لحزب كوادر البناء ورئيس بلدية طهران الأسبق، فقد ركز في تصريحاته على الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لاستمرار الحرب، منتقداً الخطاب الذي يبالغ في تقدير الأضرار التي لحقت بالولايات المتحدة، مقارنة بالخسائر التي تتحملها إيران.
وقال، خلال مشاركته في البرنامج التلفزيوني “به وقت إيران” على هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، إن الأضرار التي لحقت بأميركا لا يمكن مقارنتها بالخسائر التي تكبدتها إيران وشعبها، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم واقعي لموازين القوة.
كما دعا إلى استعادة ثقة المواطنين، وانتقد استمرار الضغوط الداخلية والاعتقالات، معتبراً أن الحكومة لا تستطيع ضمان تماسك المجتمع إذا تجاهلت مطالبه.
وحذر كرباسجي كذلك من توسيع دائرة المواجهة الإقليمية، داعياً إلى عدم توجيه الصواريخ نحو الكويت والبحرين والإمارات، حتى لا تتحول دول المنطقة إلى أطراف مصطفة ضد إيران.
وفي السياق نفسه، شدد على ضرورة إنهاء حالة الحرب وعدم اليقين من خلال التفاوض والتوصل إلى اتفاق، بدلاً من استمرار الاستنزاف.
وتكشف هذه المواقف عن مقاربة تركز على العلاقة بين الأمن الوطني والرضا الشعبي والقدرة الاقتصادية، وترى أن استمرار المواجهة من دون تسوية سياسية قد يضعف قدرة الدولة على احتواء الأزمات الداخلية.

تقاطع المواقف الثلاثة: من إصلاح السياسات إلى مراجعة قواعد الحكم
وعلى الرغم من اختلاف الخلفيات السياسية للشخصيات الثلاث، فإن تصريحاتها تتقاطع عند ثلاث قضايا رئيسية.
أولاً، ضرورة إعادة الاعتبار إلى الرضا الشعبي بوصفه أحد شروط الاستقرار الوطني، وعدم الاكتفاء بالقدرات العسكرية أو الخطاب الأيديولوجي لضمان تماسك المجتمع.
ثانياً، مراجعة طريقة اتخاذ القرارات الاستراتيجية، سواء عبر الاستفتاء أو تعديل القوانين والدستور أو توسيع مساحة الحوار السياسي.
ثالثاً، إعادة تقييم كلفة المواجهة الخارجية، في ظل المخاطر الاقتصادية والأعباء الاجتماعية واحتمال تضرر علاقات إيران مع دول المنطقة.
ويشير هذا التقاطع إلى اتساع مساحة النقاش بشأن جدوى النهج القائم، لكنه لا يعني بالضرورة أن هذه الشخصيات تشكل جناحاً سياسياً موحداً أو أنها تتبنى هدفاً مشتركاً لتغيير النظام.
التصريحات تعكس تصدعاً داخل بنية الحكم الإيراني
يرى بعض المحللين في الشأن الايراني مثل الباحث والكاتب عارف نصر، أنه يمكن قراءة هذه المواقف بوصفها مؤشرات إلى وجود خلافات بشأن إدارة الدولة، لكن إثبات وجود تصدع في دائرة الحكم الحالية يتطلب أدلة إضافية، مثل ظهور خلافات معلنة بين المؤسسات الأمنية والقيادة السياسية، أو تحول الدعوات الإصلاحية إلى قرارات رسمية، أو حدوث انشقاقات بين شخصيات تمتلك نفوذاً تنفيذياً فعلياً، ربما تحصل هذه التصدعات إذا استمر الحصار البحري والبري والجوي وانفجرت الاوضاع الداخلية الإيرانية.
هذه الدعوات محاولة لإنقاذ النظام من خلال تعديل بعض سياساته، لا تمهيداً لإنهائه
وأضاف عارف نصر لـ”العربية.نت” و”الحدث.نت” أن “أهمية تصريحات علي جنتي وكواكبيان تكمن في انتقال النقاش إلى مسائل تتعلق بالدستور والاستفتاء وبنية النظام، بدلاً من الاقتصار على انتقاد أداء الحكومة. أما تصريحات كرباسجي فتبرز الجانب الاقتصادي والاجتماعي للأزمة، وتطرح تساؤلات بشأن قدرة الدولة على مواصلة المواجهة من دون تسوية سياسية”.
وأكد عارف نصر أن ثمة احتمالاً آخر لا يقل أهمية، “وهو أن تكون هذه الدعوات محاولة لإنقاذ النظام من خلال تعديل بعض سياساته، لا تمهيداً لإنهائه. فالمطالبة بالإصلاح من داخل المؤسسات لا تعني بالضرورة تبني تغيير جذري لطبيعة النظام”.
الطريق المسدود ومآلات المرحلة المقبلة
ويرى الكثير من المتابعين للشأن الايراني بأن استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية، وتعذر التوصل إلى تسوية خارجية، قد يؤدي إلى تزايد المطالب داخل النخبة بإعادة النظر في الاستراتيجية المتبعة. وقد يقود ذلك إلى تفاوض أوسع، أو إصلاحات سياسية محدودة، أو نقاش دستوري أكثر جدية.
وفي المقابل، قد تختار السلطة تشديد قبضتها الأمنية إذا اعتبرت أن التنازلات السياسية تهدد تماسكها. كما أن استمرار الخلافات لا يعني تلقائياً أن المؤسسات التي تمتلك أدوات القوة والتنفيذ ستقبل بإعادة توزيع الصلاحيات.
ومن ثم، فإن المؤشر الأهم ليس عدد الشخصيات التي تطالب بالإصلاح، بل مدى استعداد مراكز القرار لتحويل هذه المطالب إلى إجراءات فعلية، ومدى قدرة المجتمع على فرض قضاياه ضمن المجال السياسي. لذا تكشف تصريحات علي جنتي ومصطفى كواكبيان وغلامحسين كرباسجي عن نقاش متزايد داخل الساحة السياسية الإيرانية بشأن العلاقة بين بقاء النظام واستمرار السياسات الحالية.
فدعوة جنتي إلى مراجعة دستورية ومؤسسية تستعيد دور المواطنين في صنع القرار، ومطالبة كواكبيان باستفتاء بشأن التغييرات في بنية النظام، وتركيز كرباسجي على ضرورة وقف الاستنزاف واستعادة رضا الشعب وتجنب توسيع المواجهة الإقليمية، إن دلّت على شيء فهي تدّل على بروز قناعة لدى مجموعات كبيرة من داخل النخبة السياسية بأنه لا يمكن الاستمرار بهذا النمط من الحكم والخطاب المؤدلج الذي لم يتماش مع المتغيرات العالمية والاقليمية في المرحلة الراهنة خاصة بعد أحداث الحرب الأربعين يوماً وتأثيراتها علي الداخل الايراني.
وتكمن أهمية صدور مثل هذه المواقف في أنها لم تأت من الاصلاحيين مثل السيد محمد خاتمي او المنظر الاصلاحي مصطفي تاج زاده أو قيادات الحركة الخضراء مثل ميرحسين موسوي، الذين سبق وأن دعوا للتغيير عبر الاستفتاء علي الدستور والنظام بشكل سلس، لكنها جاءت من شخصيات كانوا ومازالوا محسوبين علي النظام السياسي الحالي.
ويبقي السؤال الأبرز والجوهري الذي يطرح نفسه: هل أدت الضغوط الأميركية إلى هذا التغيير في المواقف التي قد تتحول إلى ضغط سياسي ومؤسسي يفرض مراجعة أوسع لتغيير قواعد الحكم في إيران من الداخل ايراني؟ أم أن هذه الدعوات ستبقى أصواتاً تطالب بتصحيح المسار نظرياً دون ترجمة عملية؟
المصدر: العربية