أطفال غزة يعودون إلى مقاعد الدراسة من بين الركام
في غزة، لم يشكل جرس المدرسة وحده إيذاناً ببدء العام الدراسي الجديد، فقد كان أيضاً إعلاناً عن عودة شيء من الحياة التي غيّبتها الحرب. وبينما حمل الأطفال حقائبهم واتجهوا إلى فصولهم بفرح، لم يجد كثير منهم المدارس التي تركوها قبل سنوات، بل خياماً ومباني مؤقتة وأرضاً رملية تحولت إلى فصول، فيما بقيت مبانيهم الأصلية إما مدمرة أو متضررة بشدة.
هكذا، جاءت العودة إلى مقاعد الدراسة محمّلة بمفارقة قاسية: أطفال يحتفلون ببداية عام جديد، فيما يحيط بهم ركام يذكّرهم بأن آثار الحرب لا تزال حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية.
فقد عاد مئات الآلاف من الأطفال في غزة يوم السبت الماضي إلى الدراسة الحضورية للمرة الأولى منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، مع بدء العام الدراسي 2026-2027، وسط أضرار واسعة لحقت بالبنية التعليمية ونقص في المستلزمات الأساسية وارتفاع حاد في أسعارها.
مدارس من الخيام.. وذكريات من الركام
وفي محاولة لإعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة، بدأت وزارة التعليم، بدعم من منظمات دولية ومحلية، تشغيل عشرات المواقع التعليمية المؤقتة، بينها خيام ومبانٍ معدنية وخشبية. بعض هذه المواقع لا تتجاوز تجهيزات الفصل الدراسي مراتب يجلس عليها التلاميذ وسبورة، بينما لا تزال مدارس أخرى تستخدم مراكز إيواء لعائلات نازحة.
وفي هذا السياق، قال إبراهيم رمضان، مدير التربية والتعليم في شرق خان يونس، إن إعادة فتح المدارس تمثل محطة فارقة، بعدما أودى الصراع بحياة نحو 22 ألف طالب وطالبة، وأكثر من 770 من العاملين في قطاع التعليم، بينهم 532 معلماً ومعلمة، وفق “رويترز”.
في أول صباح دراسي بين الخيمة والركام.. نحو نصف مليون طالب يعودون إلى الدراسة في غزة pic.twitter.com/qXB38CY37O
— العربية (@AlArabiya) September 20, 2026
فيما قال مؤيد أبو مصطفى من خان يونس: “آخر فترة مرقت فيها بالمدرسة منذ ثلاث سنوات. والآن بدأ العام الدراسي الجديد. عام من الفرح، عام من السرور، عام من النجاح”.
لكن فرحته سرعان ما اصطدمت بواقع المكان، إذ أردف: “رغم أن إحنا نقرأ في خيم، ولا تهوية ولا أي شيء ولا مقاعد، على الفرش بنقعد… مفيش ولا دفاتر ولا أقلام.. رغم هيك هنقرأ، وهنقرأ في خيمة”.
بدورها، عادت الطالبة النازحة سمر أبو سلمي، البالغة 15 عاماً، إلى الدراسة بعد فترة كانت تتابع خلالها دروسها عبر الهاتف. وقالت: “قبل الحرب كنا ندرس والحين بدنا نحقق حلمنا”، مضيفة أن أسرتها لم تعد قادرة على تحمل تكاليف الدفاتر والأقلام والملابس وغيرها من الاحتياجات التي كانت متاحة قبل الحرب.
فرحة الأطفال تصطدم بواقع الحرب
من جهته قال يامن أبو سمرة، البالغ 14 عاماً: “قبل (الحرب) كنا نصحى مبسوطين نروح على المدرسة… الحين نيجي على المدرسة نكون خايفين من الطلق الطايش، من الصاروخ، من القذائف”.

ولا يتوقف الأمر عند الخوف، إذ أضاف أن الفصل الذي يدرس فيه يفتقر إلى الكهرباء ومولدات الطاقة والألواح الشمسية. وقال: “مفيش فيها ولا إشي، مفيش فيها غير الشمس والشوب”.
في الوقت نفسه، زادت الأنقاض من صعوبة الوصول إلى التعليم، إذ تشير اليونيسف إلى وجود نحو 60 مليون طن من الركام في غزة، مع احتمال احتواء بعض المناطق على مخلفات متفجرة، ما يجعل الطريق إلى المدرسة نفسه جزءاً من المخاطر التي يواجهها الأطفال.
دفتر بـ15 شيقل بدلاً من 3
وإلى جانب الدمار والخوف، تواجه الأسر مشكلة أخرى لا تقل قسوة، تتمثل في ارتفاع تكلفة المستلزمات الدراسية. فقد أصبحت العودة إلى المدرسة عبئاً مالياً إضافياً على عائلات أنهكتها الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل.
وقال خالد عليان، وهو تاجر أدوات مكتبية يبلغ 30 عاماً، إن القيود المفروضة على الاستيراد أدت إلى نقص الإمدادات وارتفاع أسعار القرطاسية، موضحاً: “الدفتر هذا حقه ثلاثة شيقل، اليوم أصبح 15 شيقل. جميع أصناف القرطاسية غالية”.

رغم ذلك، من المتوقع أن يلتحق ما لا يقل عن 540 ألف طالب هذا العام بالتعليم الحضوري في المدارس والمراكز والمواقع المؤقتة، بينما يستمر التعليم عبر الإنترنت للأطفال الذين يتعذر عليهم الوصول إلى الفصول أو الذين غادروا غزة خلال الحرب.
وكانت اليونيسف أعلنت أن نحو 98 بالمائة من مباني المدارس في القطاع تضررت، فيما حُرم نحو 660 ألف طالب من التعليم الحضوري المنتظم خلال فترة الحرب.
وفي النهاية، لا تبدو العودة إلى المدرسة في غزة عودة عادية إلى مقاعد الدراسة، فالأطفال يدخلون عاماً جديداً حاملين ذكريات النزوح والخوف وفقدان الأصدقاء والمعلمين، فيما يقفون أمام مدارس لم تعد تشبه تلك التي عرفوها.
ومع ذلك، تبدو هذه العودة محاولة لانتزاع لحظة طبيعية من قلب واقع غير طبيعي: حقائب ودفاتر وسبورة، لكن خلفها مبانٍ مهدمة وخيام وركام. وبينما يفرح الأطفال ببدء عامهم الدراسي، يحاولون استعادة حقهم في التعلم، وكأن كل حصة دراسية جديدة تقول إن الحرب، مهما تركت من خراب، لم تستطع أن تنتزع منهم حلم المدرسة.
المصدر: العربية – العرب والعالم



