أعمق نقطة في المحيط مازالت لغزاً.. لماذا يعجز العلماء عن تحديدها بدقة؟
أظهرت دراسة علمية جديدة أن العلماء ما زالوا غير قادرين على الاتفاق على العمق الدقيق لأعمق نقطة معروفة على كوكب الأرض، رغم عقود من القياسات والبعثات الاستكشافية التي استهدفت تشالنجر ديب (Challenger Deep) في خندق ماريانا بالمحيط الهادئ.
ويقع تشالنجر ديب في الطرف الجنوبي من خندق ماريانا، الذي يُوصف غالباً بأنه “جراند كانيون” أعماق المحيطات، ويضم أعمق نقطة معروفة في قاع البحار على سطح الأرض، وفقاً لما ذكره موقع “iflscience”، واطلعت عليه “العربية Business”.
ورغم أن العديد من المصادر تشير إلى أن عمقه يبلغ نحو 10,935 متراً تحت سطح البحر، فإن العلماء يؤكدون أن الرقم ليس نهائياً، وأن التقديرات الحديثة لا تزال تتباين بشكل ملحوظ.
المهمة الأصعب
لا يشير اسم تشالنجر ديب إلى نقطة واحدة محددة، بل إلى ثلاثة أحواض مترابطة، يتكون أعمقها من الحوض الشرقي، بينما يأتي الحوض الغربي في المرتبة الثانية، ويُعد الحوض المركزي الأقل عمقاً بينها.
واعتمد العلماء منذ خمسينيات القرن الماضي على طريقتين رئيسيتين لقياس الأعماق. تمثلت الأولى في قياس الضغط المائي عبر إرسال أجهزة استشعار إلى القاع، بينما استندت الثانية إلى تقنية المسح الصوتي التي تعتمد على إرسال موجات صوتية نحو قاع البحر وقياس الزمن الذي تستغرقه للارتداد.
وشكلت التقنية الصوتية الوسيلة الأكثر انتشاراً بسبب صعوبة إرسال معدات أو غواصات مأهولة إلى أعماق تتجاوز 10 كيلومترات تحت سطح المحيط.
اختلافات في النتائج
كشفت الدراسة الجديدة، التي أجراها باحثون يابانيون، أن سرعة انتقال الموجات الصوتية داخل الماء تتأثر بعوامل عديدة مثل درجة الحرارة والملوحة والضغط، ما قد يؤدي إلى فروقات ملموسة في تقديرات العمق.
واختبر الباحثون خمسة نماذج مختلفة لظروف المحيط باستخدام بيانات جمعتها سفينة الأبحاث “هاكوهو مارو” عام 2023.
وأظهرت النتائج أن تقدير عمق الحوض الشرقي لتشالنجر ديب تراوح بين 10,914 متراً و10,932 متراً، أي بفارق يصل إلى 18 متراً، وهو فرق كبير نسبياً عند الحديث عن قياسات يفترض أنها عالية الدقة.
التقدير الأقرب
طوّر الباحثون نموذجاً اعتبروه الأكثر واقعية، إذ جمع بين بيانات القياسات الصوتية المسجلة عام 2023 وبيانات حديثة عن درجات الحرارة والملوحة في الطبقات العليا للمحيط، إضافة إلى بيانات تفصيلية للأعماق جمعتها السفينة نفسها عام 1992.
وأدى هذا الدمج إلى الوصول إلى تقدير يبلغ 10,927 متراً للحوض الشرقي من تشالنجر ديب، ما يجعله أحد أكثر التقديرات دقة حتى الآن.
لكن الباحثين شددوا على أن هذا الرقم لا يمثل الكلمة الأخيرة بشأن العمق الحقيقي لأعمق نقطة على الأرض، بل يعد أفضل تقدير يمكن التوصل إليه بالاعتماد على البيانات المتاحة حالياً.
ما الذي تكشفه الدراسة؟
سلطت الدراسة الضوء على حقيقة أن قياس قاع المحيط لا يعتمد فقط على معرفة موقع القاع نفسه، بل يتطلب فهماً دقيقاً للخصائص الفيزيائية لآلاف الأمتار من المياه التي تعلوه.
وأشارت إلى أن أي تغيرات طفيفة في درجات الحرارة أو الملوحة أو الضغط عبر طبقات المحيط يمكن أن تنعكس مباشرة على نتائج القياس، ما يفسر استمرار الجدل العلمي بشأن العمق الفعلي لأعمق نقطة معروفة على كوكب الأرض.
ونُشرت نتائج الدراسة حديثاً في دورية Scientific Data، لتضيف فصلاً جديداً إلى أحد أكثر الألغاز الجيولوجية إثارة في العالم، رغم مرور أكثر من ستة عقود على أول وصول بشري إلى قاع تشالنجر ديب.
المصدر: العربية – اقتصاد