أما آنَ لعقلية الفصيل أن تنتهي؟
رجوعملخص الخبر
- تعد عقلية الفصيل والنزعة الميليشياوية من أكبر العوائق التي تعطل نمو الدولة وتستنزف كيانها وتُفقدها شرعيتها.
- يؤدي اختراق الفصائل لمؤسسات الدولة إلى تحويلها من إطار جامع للمواطنين إلى غنيمة تُدار وفق الولاءات الضيقة.
- يتطلب تفكيك هذه العقلية نزع أدوات بقائها المتمثلة في السلاح الموازي والتمويل الخارجي والسيطرة على القرار الوطني.
- تستوجب استعادة الدولة بناء الإدارة العامة على أساس الكفاءة والمواطنة بدلاً من المحاصصة والولاءات الحزبية أو الطائفية.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
يبدأ الخراب الحقيقي في مسيرة الدول الحديثة حين تُختطف شرعيتها، فتتحول الدولة من كيان جامع يحمي المصلحة العليا ويضبط المجال العام إلى أداة تديرها عقلية فصائلية جامحة، ذات نزعة ميليشياوية تتحدى مدنية الدولة وتعطّل نموها. وأمام هذه الحقيقة المرّة، كما هو الحال عربيًا، لا يعود الخلاف سياسيًا عاديًا، وإنما يصبح صراعًا على معنى الدولة نفسها: هل هي إطار جامع للمواطنين، أم غنيمة تستولي عليها جماعة بعينها وتعيد توزيعها وفق مصالحها وولاءاتها الضيقة؟
من هنا يصبح القضاء على منطق الفصيل شرطًا لاستعادة معنى الدولة، وفتح الطريق أمام إدماج سياسي يحتكم إلى القانون، لا إلى منطق الغوغاء وقوانين الغاب. فمهمة استعادة الدولة تبدأ من إلغاء ثقافة الفصيل وفكره المنفلت، الذي يستهدف مؤسسات الدولة ويصادر القرار الوطني.
وتكمن خطورة هذا الاختراق في أنه لا يبقى عند حدود المنافسة الحزبية أو الخلاف على السلطة؛ فهو ينتقل من الضغط على الدولة إلى التحكم بها من الداخل بهدف إعادة تشكيل مؤسساتها وفق معيار الولاء والتبعية. ويتعمّق هذا الإشكال حين يجد الفصيل امتدادًا له ضمن طبقة سياسية تتصدر مشهد الشرعية، وتلتقي معه على قاعدة المصلحة المشتركة، فتجعل من سلطاتها الدستورية واجهة صورية تعمل باسم الدولة وترعى استمراره.
كما يتزايد تعقيد هذه الظاهرة السياسية حين تُسخَّر الفصائل لخدمة مراكز الدعم والتوجيه الخارجي؛ عندها يصبح الاختراق مضاعفًا: داخليًا باسم التنظيم، وخارجيًا باسم الراعي والممول. فالفصيل الذي يتمدد داخل الدولة يحتاج غالبًا إلى قوة تحرس نفوذه من خارج قواعدها، عندها يبدأ الخلل الأعمق؛ إذ تتراجع الدولة أمام فائض القوة، ويتحول السلاح إلى أداة ضغط داخلية وورقة تفاوض خارجية. ومع تعدد مراكز النفوذ، يفقد المجتمع ثقته بحياد الدولة، فيعود إلى هوياته الفرعية ويتمسك بها، ويتحول الاختلاف السياسي من تنافس مشروع إلى اصطفاف مغلق ونزاع مزمن.
ولتفكيك هذه العقلية التي تُنتج الاختراق وتغذّي النزاع، يجب التعامل معها بوصفها مصدرًا للإرهاب المنظّم الذي تمارسه الفصائل ضد المجتمع، بل أحيانًا ضد بعضها بعضًا حين تختل موازين السيطرة وتوزيع الغنائم. وفي مثل هذه الحالة، لا يكفي نقدها أو التحذير منها ما لم تُنزع عنها أدوات البقاء نزعًا، والمتمثلة في السلاح الموازي، والتمويل الخارجي، والنفوذ داخل المؤسسات، والسيطرة على القرار الوطني. فكل تأجيل لهذه المواجهة يمنحها وقتًا إضافيًا لترتيب مواقعها، وإعادة إنتاج نفسها بوجوه جديدة.
وأولُ متطلبات هذا التفكيك مسار سياسي ومؤسسي واضح، يبدأ بردّ القرار الوطني إلى مؤسساته، لا إلى غرف التفاوض بين الفصائل المسلحة أو القوى المتنفّذة. وثانيها إرادة سياسية حاسمة تجعل السلاح وإنفاذ القانون بيد الدولة وحدها، بحيث لا تبقى أي جماعة قادرة على فرض الأمر الواقع أو المقايضة على السيادة. وثالثها إعادة بناء الإدارة العامة على أساس الكفاءة والمواطنة، لا على الولاء الحزبي أو الطائفي، لأن الدولة التي تُدار بالمحاصصة تفتح بابها طوعًا لفوضى غير محسوبة.
ولا يستقيم هذا المسار إلا بقوى سياسية تقود ثورتها الإصلاحية من الداخل، وتؤمن بقيام الدولة واستقرارها، وتملك شجاعة التعلّم من الدروس القاسية التي دفعت ثمنها شعوب المنطقة. فكلما تمددت هذه التكوينات خارج سلطة الدولة، اتسع الباب أمام التدخل الخارجي، وتحولت الهوية الوطنية والمقدرات العامة وتاريخ الشعوب إلى ساحات مفتوحة للتشويه والاستنزاف.
ولأن آخر الدواء الكي، فإن التخلص من عقلية الفصائل ومنطقها، ومن الأشباح التي تظل تطاردنا بسببها، يقتضي استعادة عاجلة لمرجعية الدولة باعتبارها إطارًا جامعًا للمواطنين، لا غنيمة تتقاسمها الجماعات، مع بذل جهد أكبر لترسيخ المواطنة بوصفها رابطة أعلى من الحزب والطائفة والجماعة. ومن دون ذلك، ستبقى المنطقة تُطحن تحت رحى الميليشيات، حتى تستنزف آخر رمق في كيان الدولة، وتجعل فكرتها نسيًا منسيًا.
نقلاً عن “الأيام”
المصدر: العربية – سياسة