أمن الطاقة وحادث دمياط
ثمة اختبارات حقيقية تتعرض لها الدول فى لحظات تفرض فيها الأحداث المفاجئة قرارات سريعة ومسئولة، وفى هذه المواقف، لا يقتصر السؤال على أسباب الحادث، وإنما يمتد إلى: ما إذا كان يكشف عن تحديات جديدة تفرض مراجعة أولويات الحماية والتأمين؟ ما جرى فى ميناء دمياط لا يمكن النظر إليه باعتباره حادث حريق أصاب سفينتين؛ فإعلان الحكومة أن الواقعة نتجت عن هجوم بطائرة مسيّرة، يضعنا أمام تطور مختلف، فالمستهدف هذه المرة إحدى وحدات «التغويز» التى تمثل ركيزة أساسية فى منظومة أمن الطاقة المصرية.
فخلال السنوات الأخيرة، تغيرت خريطة الطاقة فى مصر، ومع اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلى والاستهلاك، أصبحت البلاد تعتمد بصورة أكبر على استيراد الغاز المسال، ثم إعادة تغويزه وضخه فى الشبكة القومية لتلبية احتياجات الكهرباء والصناعة والمنازل، ومن هنا برزت أهمية سفن التغويز، التى أضحت جزءاً مهما من البنية الاستراتيجية للدولة.
لذلك، فإن أى استهداف لهذه الوحدات يتجاوز خسائره المباشرة؛ لأنه يمس أحد مفاتيح استقرار سوق الطاقة، لاسيما فى ذروة فصل الصيف حيث يرتفع الطلب على الكهرباء والغاز، ومن هذا المنطلق، فإن حماية هذه المنشآت أصبحت جزءاً من مفهوم الأمن القومى.
وفى المقابل، كشفت الأزمة عن أهمية سرعة الاستجابة؛ إذ تعاملت أجهزة الدولة مع الحادث وآثاره باحترافية، مع استمرار التحقيقات وإعلان المعلومات الأولية، بما عزز الثقة فى مؤسسات الدولة، كما أكدت الواقعة امتلاك مصر منظومة بدائل فعالة لإدارة الطوارئ فى قطاع الطاقة، تضمن استمرار الإمدادات رغم أى ظروف استثنائية.
أما الدرس الأهم، فهو أن التحديات التى تواجه الدول لم تعد تقليدية؛ فالحروب الحديثة لا تستهدف الحدود العسكرية، بل تمتد إلى الاقتصاد، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والبنية التحتية، ومن ثم، فإن حماية مسار التنمية لا تقتصر على تنفيذ المشروعات فقط، بل تشمل تأمينها، وتطوير منظومات الإنذار والاستجابة، والاستعداد الدائم لمواجهة تهديدات تتغير أدواتها باستمرار.
لقد كشف حادث دمياط أن الطاقة لم تعد ملفاً اقتصادياً بحتاً، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومى، وكلما ازدادت أهمية هذه المرافق فى دعم الاقتصاد وتوفير احتياجات المواطنين، ازدادت ضرورة حمايتها من أى تهديد لاستقرار الدولة أو قدرتها على مواصلة مسيرة التنمية.
نقلاً عن “الأهرام”
المصدر: العربية – سياسة





