«أميركا أولاً».. بين النفوذ والعُزلة
عندما عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، لم يتوقع سوى قلةٍ من المراقبين عودةَ النهج الدولي الذي ميز السياسةَ الخارجية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فشعار «أميركا أولاً»، الذي شكل ركيزةَ إدارته الأولى، كان يوحي بنهج نفعي تجاه الحلفاء، مع التشكيك في المؤسسات الدولية، واستعداد لتفضيل المصالح الأميركية الضيقة على الشراكات التقليدية.
ويحمل الشعار تاريخاً عريقاً، فقد استخدمه الرئيس وودرو ويلسون خلال حملته الانتخابية عام 1916 للدعوة إلى الحياد، وأعادت لجنة «أميركا أولاً» إحياءَه عام 1940 لمعارضة دخول الولايات المتحدة الحربَ العالمية الثانية. واستعاد ترامب الشعارَ خلال حملته الانتخابية عام 2016، وبحلول بداية ولايته الثانية، أصبح المبدأ الأساسي لسياسته الخارجية.
وكانت الدلائل واضحة، فقد أدت إجراءاتُ التعريفات الجمركية الشاملة إلى توتر العلاقات مع الحلفاء القدامى. كما أن تصريحاته المتكررة بشأن ضم غرينلاند أرسلت إشاراتٍ تحذيريةً في جميع أنحاء أوروبا. وأدى الاجتماع المتوتر مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في المكتب البيضاوي مطلع عام 2025، إلى تفاقم المخاوف من تخلي واشنطن عن العديد من الافتراضات التي قام عليها التحالف الأطلسي لأجيال.
ومع ذلك، جاء إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل، في فبراير 2026، بدءَ عمليات عسكرية ضد إيران من دون مشاورات واسعة مع الكونغرس أو المعارضة «الديمقراطية» أو عدد من الحلفاء التقليديين، مفاجئاً للكثيرين. وبغض النظر عن وجهة النظر حول أهداف الحملة، فإنها مثلت خروجاً لافتاً عن نهج بناء التحالفات الذي ميز التدخلات العسكرية الأميركية السابقة.
ولا تزال النتيجة النهائية للصراع غير محسومة، لكن ما يبدو واضحاً هو أن التوقعات بتحقيق نصر سريع وحاسم كانت مفرطةً في التفاؤل. كما كان حجم التداعيات السياسية التي أعقبت الأزمةَ لافتاً. فقد وجّه منتقدون داخل الولايات المتحدة وخارجها انتقاداتٍ حادةً لطريقة إدارة ترامب للأزمة، في حين اشتكت أصوات إسرائيلية من أن واشنطن لم تقدم مستوى الدعم الذي كانت تتوقعه. وفي سعيها للحفاظ على أكبر قدر من حرية الحركة، أهملت الإدارةُ العملَ الدبلوماسي الشاق اللازم لكسب دعم الآخرين وإشراكهم في تحمل الأعباء.
ويجادل مؤيدو العملية العسكرية بأن مواجهة طهران حققت هدفاً يستحق العناء. لكن حتى الأهداف الجديرة تتطلب شركاء. فالتحالفات لا تُبنى بين عشية وضحاها، ولا يمكن اعتبار عقود من التعاون أمراً مضموناً. فقد أمضت الولايات المتحدة أجيالا في بناء شبكات ثقة ضاعفت من قوتها ومنحت شرعيةً لأفعالها. وبمجرد تضرر هذه العلاقات، يصعب إصلاحها.
ويبدو أن المشاعر المعادية لأميركا قد ازدادت في مناطق كثيرة من العالم. وسواء أكان ذلك عادلا أم لا، فإن جانباً كبيراً من هذا الاستياء لا يرتبط بالحرب نفسها فحسب، بل بسنوات من العلاقات المتوترة مع الحلفاء وتزايد الشكوك حول مصداقية أميركا كشريك. وقد تمتد العواقب لأبعد من الشرق الأوسط. فالتعاون في مواجهة التحديات العالمية، من الأوبئة إلى تغير المناخ، يعتمد على الثقة والتوقعات المشتركة. ويعمل الحلفاء التقليديون، بهدوء ولكن بمنهجية، على إقامة علاقات في مجالَي التجارة والأمن أقل اعتماداً على الولايات المتحدة. وبينما لا يشك أحد في استمرار قوة واشنطن ونفوذها وضرورة الإبقاء على شراكتها، فإن تجربة النزاعات الجمركية والأزمة الحالية مع إيران تشير إلى عالم جديد ناشئ حيث يكون الدور الأميركي أقل هيمنة.ويشير التاريخ إلى أن المزاج الدولي قابل للتغير، وأن حالات التباعد القائمة اليوم ليست بالضرورة دائمة. غير أن استعادة ثقة الحلفاء، كباراً كانوا أم صغاراً، ستتطلب قدراً كبيراً من الصبر والعمل الدبلوماسي. وربما وعد شعار «أميركا أولاً» بالاستقلالية وحرية الحركة. لكن يبقى التساؤل الأهم في عصرنا حول ما إذا كان الشعار سيجعل الولايات المتحدة أكثر قوةً في نهاية المطاف، أم سيقودها إلى مزيد من العزلة؟
نقلاً عن الاتحاد
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)