أميركا لم تعد رخيصة.. أزمة القدرة الشرائية تضرب سوق السيارات المستعملة
كشفت سوق السيارات المستعملة في الولايات المتحدة جانباً جديداً من أزمة القدرة الشرائية التي تضغط على الأسر الأميركية، بعدما بات المشترون يدفعون مبالغ قياسية مقابل سيارات أقدم وأكثر استهلاكاً، في ظل ارتفاع أسعار السيارات الجديدة وتراجع المعروض من المركبات المستعملة، وفقاً لما ذكرته “بلومبرغ”، واطلعت عليه “العربية Business”.
دفع بنجامين يونغ، وهو مهندس عمليات يقيم قرب جاكسونفيل بولاية فلوريدا، 30 ألف دولار لشراء سيارة تويوتا 4Runner عمرها 12 عاماً وقطعت نحو 90 ألف ميل، رغم أن المبلغ نفسه كان كفيلاً قبل سنوات قليلة بالحصول على سيارة أحدث بكثير.
وقال يونغ إنه اشترى في عام 2023 سيارة تويوتا فينزا بعدد أميال مشابه تقريباً مقابل نصف هذا السعر، مضيفاً: “أحصل اليوم على قيمة أقل مقابل المال الذي أدفعه”.
وأظهرت بيانات موقع Edmunds المتخصص بأبحاث السيارات أن السيارات المستعملة التي يتراوح سعرها بين 10 آلاف و15 ألف دولار يبلغ متوسط عمرها حالياً نحو 9 سنوات مع مسافة تشغيل تقارب 98 ألف ميل. أما في عام 2019، فكان المبلغ نفسه يكفي لشراء سيارة يقل عمرها عن 5 سنوات وبمتوسط 58 ألف ميل فقط.
أسعار السيارات الجديدة تدفع الأزمة
بدأت الضغوط من سوق السيارات الجديدة، حيث ارتفعت الأسعار إلى مستويات قياسية انعكست لاحقاً على سوق المستعمل.
وبلغ متوسط سعر السيارة الجديدة في الولايات المتحدة نحو 50 ألف دولار، بينما تباع سيارات مستعملة بمتوسط يتجاوز 30 ألف دولار بعد سنوات قليلة من استخدامها، مقارنة بحوالي 20 ألف دولار فقط في عام 2019.
وارتفع سعر الجيل الجديد من تويوتا 4Runner إلى نحو ضعف ما دفعه يونغ مقابل سيارته الحالية، فيما تبدأ أسعار الطرازات الأساسية من هوندا سيفيك عند نحو 25 ألف دولار.
ودفعت هذه القفزة أصحاب الميزانيات المحدودة إلى قبول سيارات أقدم وأكثر عرضة للأعطال والصيانة المكلفة.
تحولات هيكلية في صناعة السيارات
غيّرت جائحة كورونا قواعد اللعبة في قطاع السيارات الأميركي، بعدما أظهرت اضطرابات سلاسل الإمداد لشركات التصنيع أن إنتاج عدد أقل من السيارات الأعلى سعراً يمكن أن يحقق أرباحاً أكبر.
واستفادت شركات مثل جنرال موتورز وفورد من قوة التسعير خلال الأعوام الأخيرة، حيث رفعت هوامش الربحية واستفادت من استمرار الطلب على الطرازات الأعلى قيمة.
وأكد مسؤولون في الشركتين خلال نتائج الأعمال الأخيرة أن ارتفاع متوسط أسعار البيع ساهم بشكل مباشر في تعزيز الأرباح، ما يعكس تحولاً استراتيجياً بعيداً عن سياسة العروض التمويلية السخية التي كانت شائعة قبل الجائحة.
في المقابل، قالت كبيرة الاقتصاديين لدى KPMG ديان سوانك إن جزءاً من ارتفاع الأسعار يعود أيضاً إلى عوامل قسرية تشمل الرسوم الجمركية وتكاليف الطاقة المرتفعة، خاصة في عمليات النقل والشحن.
تراجع التأجير يقلص المعروض
فاقم تراجع التأجير طويل الأجل أزمة سوق المستعمل، بعدما انخفض عدد السيارات المؤجرة سنوياً من نحو 4 ملايين مركبة قبل الجائحة إلى ما يقارب 2.5 مليون مركبة حالياً.
وأدى هذا الانخفاض إلى تراجع تدفق السيارات منخفضة الاستخدام إلى سوق المستعمل، وهو ما حد من المعروض ورفع الأسعار.
وأوضح إيفان دروري، مدير الرؤى في Edmunds، أن شركات السيارات لم تعد تقدم عروض التأجير منخفضة الفائدة كما في السابق بسبب ارتفاع تكاليف التمويل، مفضلة بيع السيارات مباشرة.
وقالت سوانك إن السوق ببساطة لم تعد تشهد الدورة السريعة نفسها لتجديد السيارات التي كانت تغذي قطاع المستعمل لسنوات طويلة.
سيارات بأقل من 20 ألف دولار أصبحت نادرة
أصبحت السيارات المستعملة التي يقل سعرها عن 20 ألف دولار هدفاً نادراً للتجار والمشترين على حد سواء.
وقال ريت ريكارت، مالك مجموعة من معارض السيارات في ولاية أوهايو، إن هذه السيارات “أصبحت مثل الذهب”، مشيراً إلى أن الوكلاء يضطرون إلى دفع أسعار قياسية للحصول عليها.
وامتدت المنافسة إلى المشترين أنفسهم. فالمعالجة الأسرية إيمي هايكن أمضت أشهراً في البحث عن سيارة Lexus NX 250 مستعملة يقل استخدامها عن 50 ألف ميل قبل أن تجد واحدة في فلوريدا بسعر 35 ألف دولار.
واضطرت هايكن إلى إنفاق 800 دولار إضافية لشحن السيارة إلى منزلها قرب كنساس سيتي، ثم انتظرت شهرين لتسلمها.
وقالت: “السوق أصبح أضيق بكثير مما كان عليه سابقاً. أدفع أكثر والعثور على السيارة المناسبة بات أصعب.”
مخاطر إضافية للمشترين
أدت الشيخوخة المتزايدة للسيارات المعروضة للبيع إلى ارتفاع احتمالات الأعطال بعد الشراء.
ورغم رضاه عن سيارته الجديدة، يواجه يونغ حالياً مشكلة تسرب في نظام التعليق الخاص بسيارته 4Runner، بينما تقدر ورش الصيانة تكلفة الإصلاح بآلاف الدولارات.
ودخل في نزاع مع البائع لتحمل جزء من التكاليف، معتبراً أن هذا الواقع أصبح جزءاً من المشهد الحالي لسوق السيارات الأميركية.
وأضاف: “أصبح هذا ببساطة هو واقع الأمور اليوم”.
المصدر: العربية – اقتصاد