أوليغارشية أميركا الجديدة.. نفوذ المليارديرات يتمدد داخل إدارة ترامب
أثار تنامي نفوذ المليارديرات داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب جدلاً واسعاً بشأن العلاقة المتزايدة بين الثروة والسلطة في الولايات المتحدة، مع وصول عدد من كبار رجال الأعمال مباشرة إلى مواقع صنع القرار بدل الاكتفاء بالتأثير من خارج الحكومة.
وضمت إدارة ترامب أغنى فريق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة، إذ تقدر الثروة الصافية لأعضاء الحكومة بنحو 7.5 مليار دولار، ترتفع إلى نحو 14 مليار دولار عند احتساب ثروة ترامب نفسه، وفق تقديرات متداولة على نطاق واسع، وحسابات صحيفة “فاينانشال تايمز”.
ورأى منتقدون أن النظام السياسي الأميركي أصبح أكثر خضوعاً لنفوذ النخبة الاقتصادية القادرة على تحويل ثرواتها الضخمة إلى تأثير سياسي مباشر. وقال النائب الديمقراطي رو خانا إن السلطة السياسية في الولايات المتحدة باتت “أسيرة للثروة المفرطة”، مع انتقال كبار رجال الأعمال إلى ممارسة الحكم بأنفسهم.
وتمتع المليارديرات المقربون من ترامب بنفوذ يتجاوز السياسة إلى الإعلام والتكنولوجيا، بينما دافع أنصار الإدارة عن هذا الواقع باعتباره انعكاساً لنهج مؤيد للأعمال يهدف إلى توثيق التعاون بين الحكومة وقطاع الأعمال لتحقيق النمو الاقتصادي.
وشبه أكاديميون هذا الواقع بما عرفته الولايات المتحدة خلال “العصر المذهب” أواخر القرن التاسع عشر، عندما هيمنت مجموعة محدودة من الصناعيين وأباطرة المال على الاقتصاد والسياسة معاً. ويرى أستاذ العلوم السياسية جيفري وينترز أن أصحاب الثروات الضخمة لم يحظوا بمثل هذا الحضور السياسي العلني منذ تلك الحقبة.
وامتد تأثير النخبة الاقتصادية إلى المشهد الحضري الأميركي. فالمقر الجديد لبنك “جي بي مورغان” في نيويورك، وهو برج مكون من 60 طابقاً كلف نحو 3 مليارات دولار، بات رمزاً لحضور المؤسسات المالية العملاقة في الاقتصاد الأميركي.
لكن التأثير الأكبر يظهر في واشنطن، حيث زاد انخراط أثرياء وادي السيليكون بشكل مباشر في العمل الحكومي عبر مناصب استشارية وعلاقات وثيقة مع الكونغرس ومساهمات في رسم السياسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والصناعة والتكنولوجيا.
وشارك هؤلاء في فعاليات وجمع تبرعات بملايين الدولارات لصالح البيت الأبيض، كما ظهروا إلى جانب ترامب عند الإعلان عن استثمارات ضخمة داخل الولايات المتحدة، فيما استفادت شركات عديدة من تخفيف القيود التنظيمية والحصول على عقود حكومية بمليارات الدولارات.
وتزامن تعاظم النفوذ المالي مع التوسع الكبير في الإنفاق السياسي منذ حكم المحكمة العليا الأميركية عام 2010 في قضية “سيتيزنز يونايتد”، والذي اعتبر الإنفاق السياسي المستقل للشركات شكلاً من أشكال حرية التعبير المكفولة دستورياً.
وأدى القرار إلى تدفق الأموال على الحملات الانتخابية. فبعدما أنفق الأثرياء نحو 31 مليون دولار في انتخابات 2010، ارتفعت مساهمات أكبر 100 عائلة من المليارديرات إلى نحو 2.6 مليار دولار خلال دورة انتخابات 2024.
وجاء جزء كبير من هذا التمويل من ثلاثة مليارديرات فقط هم إيلون ماسك وميريام أديلسون وتيموثي ميلون، الذين ساهموا بأكثر من ثلث نحو 1.5 مليار دولار أنفقت لدعم انتخاب ترامب.
وترافقت هذه التطورات مع اتساع فجوة الثروة في الولايات المتحدة. فبحسب وينترز، ارتفعت حصة أغنى 400 أميركي من إجمالي ثروة البلاد بنحو 146% خلال العقود الثلاثة الماضية، بينما تراجعت حصة النصف الأدنى من السكان بنسبة 25%.
ويرى منتقدون أن ذلك أعاد إنتاج نموذج “الدفع مقابل النفوذ”، حيث تتيح التبرعات السياسية والشبكات المالية الواسعة وصولاً أسهل إلى مراكز القرار. واستشهدوا بتصريحات المستثمر في وادي السيليكون تشاماث باليهابيتيا الذي قال إن الوصول إلى مسؤولي إدارة ترامب أسهل كثيراً مقارنة بإدارة جو بايدن.
في المقابل، رفض البيت الأبيض توصيف المشهد بأنه “أوليغارشية” جديدة، مؤكداً أن ترامب واجه جماعات ضغط ومصالح راسخة، وسعى إلى خفض أسعار الأدوية وتعزيز مصالح الأميركيين العاديين.
كما أشاد عدد من كبار التنفيذيين بسياسات ترامب الاقتصادية. واعتبر ديفيد سولومون الرئيس التنفيذي لبنك “غولدمان ساكس” أن التواصل مع مجتمع الأعمال أصبح أفضل، فيما أثنى قادة شركات التكنولوجيا على النهج الأقل تدخلاً في تنظيم الذكاء الاصطناعي، معتبرين أنه ساهم في تعزيز ريادة الولايات المتحدة في القطاع.
رغم ذلك، حذر الرئيس السابق جو بايدن قبل مغادرته المنصب من تشكل “أوليغارشية” أميركية جديدة تمثل تركيزاً خطيراً للسلطة والثروة في أيدي عدد محدود من الأثرياء، معتبراً أن ما وصفه بـ”المجمع التكنولوجي الصناعي” قد يشكل خطراً على البلاد.
ولم تقتصر علاقة المال بالسياسة على الجمهوريين، إذ يحظى الحزب الديمقراطي أيضاً بدعم مليارديرات نافذين، بينهم ريد هوفمان وجورج سوروس ومايكل بلومبرغ وداستن موسكوفيتز ولورين باول جوبز. كما يعد جي بي بريتزكر، وريث ثروة فنادق “حياة” وحاكم ولاية إلينوي، أحد أبرز الأمثلة على تداخل الثروة والنفوذ السياسي داخل الحزب الديمقراطي.
وأثار مشروع قانون الموازنة المعروف باسم “One Big Beautiful Bill” انتقادات جديدة بعدما منح، وفق دراسات بحثية، تخفيضات ضريبية أكبر بكثير للأثرياء مقارنة بذوي الدخل المنخفض، بالتزامن مع تقليص بعض برامج الدعم الاجتماعي والصحي.
ورغم هذا النفوذ المتزايد، أظهرت الانتخابات المحلية أن تأثير المليارديرات ليس مطلقاً. فقد تمكن مرشحون تبنوا خطاباً معارضاً لهيمنة الأثرياء من تحقيق انتصارات انتخابية رغم الإنفاق الكبير من جانب رجال الأعمال.
ويرى النائب الديمقراطي رو خانا أن الولايات المتحدة تمتلك تاريخاً من “التصحيح الذاتي”، مستشهداً بما أعقب العصر المذهب من إصلاحات مكافحة الاحتكار وتوسيع المشاركة السياسية، معتبراً أن مرحلة ما بعد ترامب قد تفتح الباب أمام توازن جديد بين المال والسلطة.
المصدر: العربية – اقتصاد