إمبراطورية مارك والتر تحت التدقيق.. هل تهتز وول ستريت؟
وجد مارك والتر، أحد أكثر المستثمرين نفوذاً وغموضاً في أميركا، نفسه في قلب تدقيق تنظيمي وقضائي قد يمتد أثره إلى صناعة الائتمان الخاص بأكملها، بعدما تحولت الاستراتيجية التي صنعت ثروته إلى مصدر قلق متزايد للهيئات الرقابية والمستثمرين.
بدأ والتر مسيرته بعيداً عن الأضواء في سوق متخصصة داخل وول ستريت، قبل أن يبني إمبراطورية استثمارية ورياضية ضخمة تمتد من الخدمات المالية إلى الرياضة والإعلام. غير أن شركاته أصبحت اليوم محور تحقيق يجريه مدعون أميركيون بشأن مزاعم إقراض شركات تأمين خاضعة لسيطرته جهات أخرى ضمن إمبراطوريته الاستثمارية من دون الإفصاح عن الروابط بين تلك القروض.
ونشأ والتر في مزرعة بولاية أيوا، قبل أن يدرس المحاسبة في جامعة كريتون بولاية نبراسكا، ثم أمضى سنوات في إدارة شركة “ليبرتي هامبشاير” المتخصصة في تجميع الأوراق المالية بسوق الأوراق التجارية قصيرة الأجل التي تعتمد عليها الشركات لتوفير السيولة.
واكتسب خلال تلك الفترة خبرة واسعة في إدارة محافظ ضخمة من أدوات الدين القصيرة الأجل وتعظيم العوائد منها، وهي المهارات التي مهدت لصعوده في وول ستريت. وقال مسؤول سابق في إحدى شركاته لصحيفة فاينانشال تايمز إن والتر كان “يبحث دائماً عن فرص المراجحة واستغلال مواطن عدم الكفاءة في الأسواق”، كما امتلك قدرة مميزة على مواءمة الأصول والالتزامات وإدارة مخاطر أسعار الفائدة.
وشهدت مسيرته نقطة تحول في أواخر التسعينيات عندما تعرف إلى أحد ورثة عائلة غوغنهايم، ليشارك مع جيه تود مورلي وبيتر لوسون جونستون في تأسيس شركة غوغنهايم بارتنرز عام 1999. وسرعان ما تحولت الشركة إلى قوة مؤثرة في وول ستريت تدير أصولاً تتجاوز قيمتها 300 مليار دولار.
وازداد نفوذ والتر خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 عندما توجه إلى قطاع التأمين مستفيداً من انهيار تقييمات الشركات عقب سقوط مجموعة AIG. واستحوذت غوغنهايم على شركات تأمين متعددة في ولايات أميركية مختلفة، مستغلة ما اعتبرته فرصة لتوجيه مليارات الدولارات من التزامات حملة الوثائق إلى أصول غير متداولة ذات عوائد مرتفعة.
ومثلت شركات التأمين جوهرة استثمارية بالنسبة له، إذ وفرت التزامات طويلة الأجل تمتد لسنوات أو حتى عقود، بعكس أسواق التمويل قصيرة الأجل التي اعتاد العمل فيها سابقاً. ومن هنا نشأت الاستراتيجية التي ستصبح لاحقاً نموذجاً مقلداً على نطاق واسع في صناعة الاستثمار البديل.
وقفز والتر وشريكه تود بولي إلى دائرة الضوء عام 2012 عبر الاستحواذ على فريق لوس أنجلوس دودجرز مقابل 2.15 مليار دولار، في صفقة كانت الأكبر رياضياً آنذاك. وساعدت إعادة التفاوض على حقوق البث التلفزيوني للفريق بعد إفلاس المالك السابق في مضاعفة قيمة الاستثمار بصورة كبيرة.
وعزز الثنائي مكاسبهما عبر تحويل عقد البث الجديد إلى ورقة مالية مدعومة بالديون بقيمة مليارات الدولارات وبيعها لمصارف وشركات تأمين، من بينها مؤسسات داخل منظومة غوغنهايم. ووفقاً لمصادر مطلعة، حققت العملية أرباحاً تجاوزت قيمة شراء الفريق نفسها، كما وفرت سيولة جديدة لتمويل استحواذات إضافية في قطاع التأمين.
ودفع النجاح الاستثنائي للاستراتيجية كلاً من والتر وبولي إلى توسيع استثماراتهما في أصول بديلة، شملت الحقوق الرياضية وحقوق توزيع الأفلام والبرامج التلفزيونية. وأصبح بولي لاحقاً مالكاً لنادي تشيلسي الإنجليزي واستوديو الإنتاج السينمائي A24، بينما واصل والتر بناء إمبراطورية بمليارات الدولارات انتهت بشرائه فريق لوس أنجلوس ليكرز مقابل 10 مليارات دولار، كما شارك هذا العام في احتفال بالبيت الأبيض بعد فوز دودجرز ببطولة “وورلد سيريز”.
ورغم نفوذه الواسع، ظل والتر من أكثر رجال المال تحفظاً وابتعاداً عن الإعلام مقارنة بشريكه السابق بولي الذي أصبح وجهاً معروفاً في عالم الأعمال الأميركي.
وانتشرت استراتيجيته سريعاً بين أكبر شركات الاستثمار البديل، إذ سارعت مجموعات مثل أبولو وKKR وبروكفيلد إلى شراء شركات تأمين على الحياة وتوجيه أموالها نحو القروض الخاصة والأصول الأقل سيولة. وأصبحت تلك الشركات تدير مجتمعة أكثر من تريليون دولار من أصول التأمين، ما عزز النمو الهائل لصناعة الائتمان الخاص خلال العقد الماضي.
لكن نجاح النموذج جذب أيضاً مزيداً من التدقيق. فمع توسع شبكات الشركات القابضة التابعة لإمبراطورية والتر، واجهت غوغنهايم على مدى سنوات اتهامات من مبلّغين داخليين ودعاوى قضائية تتعلق بتضارب المصالح وملاءة شركات التأمين التابعة لها.
ودخلت الأزمة مرحلة أكثر حساسية في يونيو الماضي عندما كشفت شركتا تأمين مملوكتان لوالتر عبر مظلة TWG عن عدم تصنيف أصول مرتبطة بأطراف ذات صلة تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار. وبدأت الشركتان إعادة هيكلة أو بيع أجزاء كبيرة من تلك الاستثمارات المرتبطة بكيانات أخرى داخل إمبراطوريته الاستثمارية لتجنب خفض التصنيفات الائتمانية.
وأشار مستشارون سابقون لغوغنهايم إلى أن هذه المخاطر لم تكن مفاجئة، مؤكدين أن التعقيد الكبير الناتج عن تشابك الشركات التابعة كان واضحاً منذ دخول المجموعة قطاع التأمين.
وأثار الملف مخاوف أوسع داخل صناعة الاستثمار الخاص، إذ يخشى بعض العاملين في القطاع أن يؤدي أي تعثر أو فضيحة مرتبطة بشركات والتر إلى إثارة تساؤلات حول كيفية إدارة تريليونات الدولارات من مدخرات التقاعد الأميركية عبر شركات رأس المال الخاص.
وحذر أحد كبار مستشاري التأمين من أن الإفصاحات الأخيرة قد تطرح تحديات طويلة الأجل تتعلق برأسمال شركات التأمين التابعة لوالتر، بينما لخص محامٍ مطلع المخاوف السائدة بالقول: “إذا سحبت خيطاً واحداً فقد يتفكك كل شيء”.
وفي المقابل، أكدت متحدثة باسم TWG Global أن مجموعتي TWG وغوغنهايم نجحتا في خلق قيمة كبيرة للعملاء والمساهمين طوال أكثر من 30 عاماً، ضمن أطر تنظيمية تعد من الأكثر صرامة في الولايات المتحدة.
وفي خضم هذه الضغوط، وافق والتر هذا الأسبوع على بيع فريق لوس أنجلوس ليكرز مقابل 12.5 مليار دولار بعد أقل من عام على الاستحواذ عليه، في خطوة فاجأت الأوساط الرياضية وقد توفر دعماً إضافياً لوضعه المالي وسط تزايد التدقيق على إمبراطوريته الاستثمارية.
المصدر: العربية – اقتصاد