إيران: عندما تصبح الحرب بديلا عن السياسة
أزمة إيران الحالية انها جعلت من نفسها في مواجهه عسكرية مفتوحة مع أمريكا، وهذا ما يراه الأمريكان بدورهم تحدياً كبيراً يكسر مفهوم القطبية الواحدة التي تمتعت فيها أمريكا بعد رحيل الاتحاد السوفييتي، فإذا ذهب الأمريكان الى الدبلوماسية فالجدلية السياسية يمكن أن تحدث فيها مساحة ممكنة من المراوغة، لكن الأمر سينتهي قطعاً على رصيف التوافق والذي يمكن أن تنجز فيه إيران اتفاقاً مقابل التزامها بمتطلبات القانون الدولي المعمول فيه في عالم البحار، غير أن اختيار إيران لفكرة الحرب انطلاقاً من اعتداءاتها على دول الجوار وصولاً إلى محاولة تحكمها بالممرات المائية، كل ذلك يتركها أمام مستقبل مضطرب، فما تأتي به نتائج الحروب ليس كما تأتي به السياسة.
الأساس في المشكلة الإيرانية أن الثورة انطلقت من حيث بدأ السوفييت، غير أن السوفييت كانوا عالماً مختلفاً وسط اختلال في مساحة التوازن الإقليمي بين دول ناشئة وبواقي إمبراطوريات تحاول إعادة تشكيل نفسها، في ميقات زمني لم تكن فيه القوانين قد استقرت في معادلة السياسة، بالتالي إن استنساخ فكرة إعادة تشكيل الإقليم
عبر تصدير الثورة من الباب والنافذة هو مُتخيل يناسب حقبة الحرب العالمية، وكل ما كان يلزم قوة بشرية كبيرة وسلاحاً وخطاباً شعبوياً يشترط أرضاً تستوعبه، وهذا لا يتم على بيئة مستقرة متجانسة، لها امتدادها الحضاري والتاريخي.
فالسوفييت في زمانهم استغلوا الظروف السياسية للحرب العالمية الثانية نحو تحويل الزحف على الأرض الى مشهد سياسي عبر ضم دول البلطيق استونيا وليتوانيا ولاتفيا، إضافة إلى بولندا والمجر …وغيرها من دول أوروبا الشرقية، وصولاً الى المتغير الأخطر عبر الانقلاب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا في فبراير 1948 والذي يعتبر من أبرز الأحداث التي غيرت مسار الأحداث ونتج عنها تأسيس حلف شمال الأطلسي في إبريل1949 بهدف ردع تهديدات السوفييت، وهو ما جعل الحرب الباردة تأخذ مسارات جديدة، كلفت السوفييت أولاً قبل غيرهم هدراً كبيراً من الوقت والجهد، بسبب العسكرة التي جاءت على حساب المتطلبات الإنسانية ليجد السوفييت أنفسهم في العقد الخامس يملكون السلاح أمام ندرة الرغيف.
وعلى شاكلته تماماً يأتي المشهد الإيراني الداخلي اليوم في عقده الخامس، فقد شنت إيران “حرباً باردة” ضد دول الجوار عبر المليشيا التي خلقت بواسطتها اضطراباً بنيوياً داخل بنيتها المجتمعية التي تشكلت فيها، وجعلت منها ملحقة في سلطتها المركزية على شاكلة التوسع السوفييتي في أوروبا الشرقية، غير أن السوفييت ذهبوا بين مسألة الضم وبين تأسيس دولة بوليسية موالية بغية صناعة تجانس مجتمعي يسمح باستمرار المعادلة السياسية، فيما إيران ذهبت خلاف ذلك عبر تدمير منطق الدولة وخلق بنية مجتمعية مضطربة وهذا يعكس الفارق بين الأيديولوجيا القائمة على الاستقطاب وتلك المغلقة التي لا تريد حليفاً بقدر ما تريد بنية مدمرة في الجوار، لذلك لم تبن إيران حجراً واحداً حيث تمددت، ولا نجحت على مستوى رغيف الخبز في الداخل، ما أوصلها الى مرحلة الجلوس على جدار الحرب ومحاولة اختطاف مصالح العالم أجمع عبر الممرات المائية والمقايضة فيها والرهان على عامل الوقت بهدف تغيير قوانين البشرية لتكون في خدمة إيران، وبالتالي إن محاولة إيران تفصيل المصالح الاقتصادية للعالم على مقاسها يعني أن إيران أغلقت بوابة المستقبل ووضعت شعبها في صلب المعاناة، فقد كان للدبلوماسية التي أسهم فيها العرب أن تحصد فك الحصار، إذا ما تموضعت إيران على قاعدة سلوك الدولة، خصوصاً وأن إيران غادرت سوريا خلال أيام معدودة ومعها جيوش المليشيات الرديفة، ما يعني أن التراشق بالصواريخ معادلة مؤقتة لا تعني قدرة ميدانية مطلقة.
فما أراده السوفييت في زمانهم كان جغرافيا سياسية أنتجت سباقاً للتسلح ومعادلات سياسية وعسكرية كادت أن تصل حد الكارثة النووية كما في أزمة صواريخ كوبا سنة 1962، بينما ترتكز المعادلة الإيرانية فوق تلك الأزمات عبر ممارسة سلوك شاذ في عالم السياسة، لا يمكنه تحقيق معادلات استراتيجية ولا حلولاً مستدامة قادرة على التحول على المدى المنظور أو البعيد الى ثوابت مطلقة، بالتالي هي مغامرة في غاية الخطورة تريد إيران من خلالها إحداث اهتزاز لصورة أمريكا عبر اخضاعها للمعادلة السياسية والاقتصادية الإيرانية ما يجعلها مواجهة مفتوحة على خيارات واسعة اكثر منها مغامرة محدودة، وتريد أيضاً ابتزاز دول العالم عبر فرض معادلات غير مسبوقة، ما قد يُبقي لغة الحرب فوق السياسة.
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)