«اتفاقية مكة».. دروب الردع وفاعليته
وقعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تجسّد شراكة طويلة الأمد، تقوم على مبدأ الردع والتنسيق والتكامل الدفاعي بين الدول الثلاث، المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، وبما يؤدي إلى ترسيخ أعمدة الاستقرار، وتعميق آليات الأمن في المنطقة، وينهي مواقع الارتباك والاضطراب، وتم ذلك بحضور قادة الدول الثلاث في مدينة مكة المكرمة منبع الإسلام وموطن الرسول ﷺ.
والحقيقة أن هذا التحالف الثلاثي، الذي ولد في عاصمة الإسلام، يضيء للجميع طريق المستقبل المملوء بالأنوار، التي تسطع من نبل الدعوة. يتحمل الفريق الثلاثي الذي وقّع على الوثيقة، بشعور من الرضا والارتياح، معمقاً مسؤولية صلابة الاستقرار ودوام الانتعاش، ليس فقط في إطار الدول الثلاث، وإنما في جميع البقاع التي تعالت فيها أضواء الإسلام، فلا يمكن تجاهل أصحاب المبادرة لمتطلبات الأمن والاستقرار في بقاع الإسلام الممتدة، وعابرة الحدود نحو آسيا وأفريقيا ومناطق أخرى، ويمكن اعتبار هذا الإنجاز، الذي سعدنا بولادته، دعوة من المبادرين الثلاثة لجميع دول الإسلام للالتحاق بهذا التنظيم، الذي سيعظم خيوط الترابط والتداخل للجميع مهما تباعدت المواقع.
ومن أهم المؤشرات، التي رافقت إعلان الاتفاق، تلك التي تناولها الرئيس التركي بكل وضوح، مشيراً إلى انه مفتوح لمشاركة جميع الدول الشقيقة، التي تسعى إلى تحقيق السلام والازدهار والاستقرار في المنطقة. ويضيف الرئيس التركي في تعليقاته متطرقاً الى أن الاتفاق يؤكد حق الدفاع، كما تنطق به المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، كما تكثف الدعوة لحل المنازعات عبر الحوار والدبلوماسية، وانسجاماً مع القانون الدولي، كما أكد رئيس وزراء باكستان شهباز شريف أن الاتفاق تولّد من الثقة المتبادلة ووحدة المصير والإيمان بأهمية ترسيخ الأمن والاستقرار وصون السلم الإقليمي، ويضيف رئيس الوزراء الباكستاني: «توقيع الاتفاق في مكة المكرمة، وبجوار الحرمين الشريفين، يضفي عليه بعداً تاريخياً ورمزياً، يعكس عمق المسؤولية المشتركة تجاه أمن الدول الموقعة، وحرمة مصالح شعبها، والإسهام في تعزيز الاستقرار في العالم الاسلامي».
ويعلّق الدكتور رائد قرملي، وكيل الخارجية السعودية، بالقول إن الاتفاقية لا تأتي على حساب علاقات المملكة العربية السعودية الاستراتيجية والقوية خليجياً وعربياً ودولياً، وليست تهديداً لأمن أي دولة في المنطقة، ولا تصعيداً في التوتر بين أي دولتين، وإنها لا تلغي أو تحل محل أي اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف بين هذه الدول أو مع الأطراف الأخرى من الدول والمنظمات، كما حصلت الاتفافية على ثناء وترحيب من مختلف مواقع الفكر والتحليل السياسي، واعتبرتها المواقع الفكرية مكسباً للعالم، ولأنها تعمّق قواعد الاستقرار في منطقة حساسة، حيث مصدر الطاقة وممرات الملاحة الرئيسية بين الشرق والغرب، وهي تعزّز فرص الأمن والاستقرار والسلام الإقليمي، وإضافة إلى ذلك تتتابع التحليلات والملاحظات حول المسؤولية، التي تتحملها الدول الثلاث، مع تأكيدات بحقها السيادي، وأنها لا تشكل محاور، وإنما فقط تنشد الحفاظ على أمنها واستقرارها.
وهنا أتذكّر الجلسة الأولى لقيام مجلس التعاون في مايو 1981 في مدينة أبوظبي، حيث التقى الزعماء للتوقيع على اتفاقية قيام مجلس التعاون، ومن خلال تأكيد موقف كل دولة برزت المؤشرات إلى اتساع مسؤولية المجلس نحو تأمين الأمن والاستقرار في دول الخليج، واتسعت مسؤوليات المجلس بإضافة التعاون العسكري إلى النظام الأساسي للمجلس، فلا ضمان لاستمرار الازدهار دون ضمان القدرة على الحفاظ على أمن الدول الأعضاء، واتسعت وثيقة المجلس لادخال الأمن والتعاون العسكري والأمني. ويبرز في هذه المرحلة موقف مجلس التعاون من هذا التطور، الذي ولد في مكة المكرمة، بترتيبات تولتها المملكة العربية السعودية، المقر البارز لدول مجلس التعاون، والتي تتمتع بعلاقات عميقة وتاريخية مع كل من تركيا وباكستان، ولا أتصور أنها ستبقى مكتفية بالترابط الدبلوماسي الثنائي، وستزداد التساؤلات عن غياب دول المجلس عن الاتفاق، الذي جاء من جهد ومبادرة سعودية، وهي مقر مجلس التعاون، وحريصة على سلامة مسيرته وتأمين نجاحاته، ولا أعتقد أن دول المجلس ستكتفي بالمتابعة، وفي حدود التحالف فقط، بينما تظل المملكة العربية السعودية القاعدة الموثرة في كل من مسيرة مجلس التعاون ومسيرة التحالف الثلاثي الجديد، دون مشاركة من الأعضاء الآخرين في مجلس التعاون.
والحقيقة أن من يقرأ الاتفاق سيتعرّف على الجوانب المهمة في مساهمته في تأمين السلام والاستقرار في منطقة الخليج، وهي القطعة النادرة في سلامة الأمن العالمي الجماعي.
وأعتقد أن الأعضاء في مجلس التعاون سيتابعون مشاوراتهم للوصول إلى كيفية التعامل مع الاتفاق الثلاثي الاستراتيجي، الذي مطلوب منه تأكيد أمن المنطقة، وتطويق المخاطر التي قد تهددها. ولا أستبعد عقد لقاءات ومشاورات داخل مجلس التعاون، تأتي من مبادرات خاصة من المملكة، لشرح ما دار خلال لقاء قمة مكة، وما قد يكسبه مجلس التعاون من خلال التنسيق مع الأطراف الثلاثة الموقِّعة على وثيقة مكة المكرمة، ولا أستبعد بروز خطوات تصب في مسار التقارب والتعاون مع ما حدث في مكة المكرمة، ولا سيما أن جميع دول المجلس تتمتع بعلاقات إيجابية مع كل من تركيا وباكستان.
من المؤكد سنتابع التواصلات بين مجلس التعاون والخارجية السعودية حول الوقائع التاريخية، التي تولدت من التحالف الأمني الثلاثي، وتأثيراتها في فضاء دول المجلس، مع الدور التاريخي الذي تملؤه المملكة العربية السعودية في واقع التجمع الأمني الثلاثي، الذي ولدته الاتفاقية الأمنية الثلاثية، فلا مجال لتجاهل حتمية الترابط الذي ستفرضه وقائع المستقبل، وربما نقرأ حول رغبة البعض من دول المجلس للالتحاق بالاتفاق الثلاثي، والأيام ستكشف حقائق المستقبل.
نقلاً عن القبس
المصدر: العربية – سياسة





