اتفاق النقاط الـ 15.. هل يمثل فرصة لتغيير واقع غزة؟
ضمن سلسلة «أوراق السياسات» نشر المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية (ميتفيم) ورقة بحثية، أعدها المحلل الفلسطيني محمد دراغمة، وهو صحفي ومحلل يمتد عمله في الملف إلى 30 عاما، ولديه شبكة واسعة من الاتصالات والمعرفة بالقوى السياسية الفلسطينية، عن اتفاق النقاط الـ 15 بين مجلس السلام وحماس معتبرا إياه يمثل فرصة لتغيير واقع غزة، باسطا الأسباب والحيثيات التي تدعم رؤيته، دون أن يُغفل احتمال التعقيد وعدم النجاح.

يرى دراغمة أن الاتفاق الذي وقع في يوليو 2026 تحقق بمساعدة وثيقة من مصر والقيادي الفلسطيني محمد دحلان، حيث مارس الطرفان ضغوطًا على قيادة حماس وأقنعاها بقبول الاتفاق، مستفيدين من وصول الحركة إلى أقتناع بأنه لا توجد وسيلة دولية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لغزة ما دامت ترفض نزع سلاحها.
ورغم أن الاتفاق لا يلبي المطالب القصوى للحكومة الإسرائيلية، فإنه يمثل تغييرا في غزة، ويؤدي إلى إنهاء حكم حماس السياسي وبدء عملية لنزع السلاح والتسريح للمقاتلين.
وفي إطار يقوده مجلس السلام الذي أسسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تستطيع اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة تدمير الأسلحة والسيطرة على الموارد البشرية داخل الجهاز المؤسسي. ويتوقف انتقال حماس إلى النشاط السياسي الخالص على مواقف إسرائيل والإدارة الأمريكية، بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية؛ فإذا قُبل لحماس بدور سياسي، يمكن أن تتحول إلى حزب سياسي، أما إغلاق الأبواب أمامها فسيدفعها إلى الاحتفاظ بقوتها والتمسك بالكفاح المسلح.
الخلفية
بعد ثمانية أشهر من المفاوضات في القاهرة وتركيا وقطر، وافقت حماس على «خريطة الطريق» التي قدمها نيكولاي ملادينوف ممثل «مجلس العالم» والذي أعلن عنه أيضا الرئيس ترامب. وُقعت الخطة في 31 يوليو 2026، وتتكون من 15 نقطة، بينها تسليم الأسلحة الثقيلة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
وجاء قبول حماس بعد تعديل المادتين الخامسة والثامنة المتعلقتين بحقوق الموظفين والأسلحة.
وقد وفرت التعديلات ثمنًا مقبولًا للحركة مقابل التخلي عن أسلحتها: انسحاب إسرائيلي من غزة، وبدء التعافي، وتخفيف المعاناة الشديدة التي عاشها سكان القطاع ثلاث سنوات.
جوهر الاتفاق
يقوم الاتفاق على معادلة نزع سلاح حماس ونزع عسكرة غزة مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية.
وتتولى اللجنة الوطنية، التي يختارها مجلس السلام، الإدارة المدنية والأمنية المؤقتة للقطاع بديلًا عن حكم حماس.
وتوضع الأسلحة الثقيلة حصريًا تحت سيطرة اللجنة، فيما يقر مسؤولون من الجانبين، بأن ذلك يعني عمليًا إخراجها من غزة.
واتفق الطرفان على نزع السلاح تدريجيًا بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي خلال فترة تصل إلى 208 أيام.
وتشمل الأسلحة التي ستسلمها حماس والفصائل الأخرى الصواريخ ومنصات الإطلاق وورش التصنيع والأنفاق ومخازن الأسلحة.
ويتم التسليم بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي ودخول قوات شرطة محلية تابعة للجنة.
وفي كل منطقة، تنسحب القوات الإسرائيلية أولًا، ثم تسلم الفصائل أسلحتها ومنشآتها، وتصل قوة مستقلة من قوات الاستقرار الدولية ومجلس السلام للتحقق من اكتمال العملية.
وإذا أخل أحد الطرفين بالتزاماته، يتوقف الطرف الآخر عن تنفيذ التزاماته.
الأسلحة الشخصية
يسمح الاتفاق لعناصر حماس بالاحتفاظ بأسلحة شخصية للحماية، شرط إبقاء الأسلحة في المنازل وعدم حملها في الأماكن العامة.
وسيتم التعامل مع أي سلاح يظهر في المجال العام وفق القانون الفلسطيني، بما في ذلك توقيف حامله والتحقيق معه ومصادرة السلاح عند الضرورة. كما يجب تسجيل الأسلحة والحصول على تراخيص لها من السلطة الجديدة في غزة.
تدمير الأسلحة
ستكون للجنة الوطنية الكلمة الأخيرة بشأن الأسلحة التي تُسلّم إليها. والتفاهمات مع الوسطاء، بما في ذلك الجانب الأمريكي، تتمحور حول التخلص من الأسلحة وتدميرها، إلى جانب ورش التصنيع والمخازن والأنفاق والصواريخ ومنصات الإطلاق.
وستعمل اللجنة الوطنية تحت قيادة المجلس الذي اختار أعضاءها ويمول رواتبهم وميزانياتهم، ستكون له في النهاية الكلمة الحاسمة في مصير هذه الأسلحة.
أسباب تغير موقف حماس

السبب الحقيقي لقبول حماس تسليم أسلحتها، بحسب الورقة، هو غياب أي أمل متبقٍ في أن تؤدي العوامل الخارجية إلى إنهاء الحرب والاحتلال وتخفيف معاناة سكان غزة.
فوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في شرم الشيخ في أكتوبر 2025 لم يؤدِّ إلى إنهاء حقيقي للحرب أو الاحتلال.
واستمرت العمليات الإسرائيلية، ما أدى إلى مقتل أكثر من 1,250 شخصًا وإصابة آلاف آخرين، بينما توسعت السيطرة الإسرائيلية على طول «الخط الأصفر» من 52% إلى 70% من مساحة غزة.
وفي المقابل، تقلصت سيطرة حماس إلى أقل من 10% من القطاع، فيما أصبحت نسبة 20% المتبقية مناطق مدمرة وغير صالحة للسكن.
رمزية الأسلحة
بعد ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد لدى حماس الكثير من الأسلحة، ولذلك فإن تسليمها يحمل أهمية رمزية أكثر منها عملية.
وتقول الحركة إن قبولها تسليم السلاح للجنة فلسطينية يحميها من المسؤولية السياسية والتاريخية، لأنها لم تسلمه لإسرائيل أو مجلس السلام أو القوات الدولية.
عمليًا، تسيطر إسرائيل على 70% من القطاع، وتقع معظم الأنفاق والورش والمخازن في المناطق التي تسيطر عليها، وقد دُمر كثير منها بالفعل.

تقلص مساحة المناورة
يتضمن الاتفاق التزام حماس بوقف جميع الأنشطة العسكرية، بما فيها التسلح والتدريب والتصنيع وحفر الأنفاق.
وقد تلقت الحركة رسالة واضحة من الجانب الأمريكي، بأن أي انتهاك سيؤدي إلى انهيار الاتفاق واستئناف العمليات العسكرية الإسرائيلية.
اعتمدت حماس طوال السنوات الثلاث الماضية على عوامل خارجية لإنهاء الحرب وإجبار إسرائيل على الانسحاب، بدءًا من «محور المقاومة»، ثم الضغط الشعبي الإسرائيلي، والاحتجاجات في العواصم والجامعات الغربية، وصولًا إلى اعتقادها بأن الرئيس ترامب يفضل الصفقات والحلول على الحروب.
لكن بعد استنفاد هذه الخيارات، خلصت الحركة إلى أن الانسحاب الإسرائيلي وإعادة إعمار غزة لا يمكن تحقيقهما من دون آلية لتسليم الأسلحة.
وتوفر خريطة الطريق مخرجًا أقل ألمًا عبر تسليمها إلى جهة فلسطينية، أي لجنة إدارة غزة.
الدور المصري
رفضت حماس الشرط الإسرائيلي بتسليم جميع الأسلحة قبل الانسحاب، معتبرة أن ذلك يعني «انتحارًا»؛ إذ تخشى أن تدخل إسرائيل المناطق المأهولة بعد تسليم السلاح وتعتقل أو تقتل قادة الحركة وأعضائها.
قدمت مصر المخرج المقبول لحماس، نتيجة استمرارها في البحث عن حل طوال سنوات الحرب.
ويعود اهتمامها الأساسي إلى موقع غزة على حدودها، وإلى مخاوفها من تهجير سكان القطاع إلى أراضيها وتحولهم إلى لاجئين.
طرحت مصر صيغًا متعددة لقضية السلاح، وصولًا إلى الصيغة الحالية: وضع الأسلحة تحت سيطرة لجنة إدارة غزة، التي ستتولى لاحقًا تدميرها.
الموظفون
بعد الاتفاق على الأسلحة، تم التوصل إلى اتفاق بشأن حقوق الموظفين. وتتعهد اللجنة بحماية الحقوق المالية للموظفين الذين سيواصلون العمل، وكذلك الذين سيُفصلون بسبب ارتباطهم بحماس.
كما تتحمل اللجنة ديون إدارة حماس للقطاع الخاص، البالغة 400 مليون دولار، على أن تُدفع مباشرة إلى الشركات.
ويبلغ عدد موظفي الحكومة في غزة أكثر من 50 ألفًا.
ويتقاضون حاليًا مبلغًا ثابتًا قدره 1,000 شيكل كل ثلاثة أشهر، مقارنة بما قبل الحرب حين كانوا يحصلون على 60% من رواتبهم الشهرية، أي 126 مليون شيكل شهريًا، إضافة إلى 14 مليون شيكل نفقات تشغيلية.
محمد دحلان: الوسيط الخفي
لعب محمد دحلان، المسؤول السابق في السلطة الفلسطينية والمقرب من رئيس الإمارات، دورًا مهمًا عبر لقاءات مع مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين وقيادات حماس.
وقبل الاتفاق بفترة قصيرة التقى رئيس الشاباك الإسرائيلي دافيد زيني لبحث سيناريوهات الحل في غزة.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، عقد دحلان لقاءات متكررة مع قادة حماس بداية من اجتماع في قطر مع الراحل إسماعيل هنية في العام 2024 مرورا باجتماعات في القاهرة مع قيادات الحركة.
وقد ركزت مباحثاته على إنهاء الحرب، مؤكدًا أن حل قضيتي الأسرى والأسلحة هو المدخل الوحيد لإنهائها.
وفي النهاية، نجح دحلان ورئيس المخابرات المصرية حسن رشاد في تأمين موافقة حماس مبدئيًا على نزع السلاح بطريقة تحفظ «الكرامة الوطنية» للحركة، عبر تسليم الأسلحة إلى جهة فلسطينية تقوم لاحقًا بتدميرها.
إسرائيل تستطيع تحقيق هدفين
إذا نُفذ الاتفاق، فسيمنح إسرائيل مكسبين رئيسيين: نزع سلاح حماس وإخراجها من الحكم، إضافة إلى هدف طويل المدى يتمثل في منعها من إعادة بناء كيان عسكري مسلح في غزة.
وتقر حماس، في نقاشاتها الداخلية، بأن الكفاح المسلح في غزة وصل في هذه المرحلة إلى نهايته.
لكن مستقبل ذلك سيعتمد على التطورات، بما فيها احتمال التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الصراع، أو استمرار الاحتلال بما قد يدفع أجيالًا وقوى سياسية مستقبلية إلى العودة إلى الكفاح المسلح.
إسرائيل ترفض الاتفاق
رفضت الحكومة الإسرائيلية الاتفاق، وأعلنت أنها لن تنسحب من أي منطقة قبل نزع السلاح الكامل.
لكن مفاوضات تجري خلف الكواليس لإقناع إسرائيل بالصيغة التي قبلها الجانب الأمريكي، أي تنفيذ نزع السلاح تدريجيًا مع وجود لجنة تحقق مستقلة.
وتشير تقديرات إلى أن بنيامين نتنياهو لا يريد صورًا لانسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة خلال الفترة الحاسمة للانتخابات، ولذلك يرى الوسطاء أن فرص تنفيذ الاتفاق قبل الانتخابات ضعيفة، لكنها قد ترتفع بعد الانتخابات وتشكيل الحكومة المقبلة.
الجانب الأمريكي
تعتبر الإدارة الأمريكية الاتفاق إنجازًا تاريخيًا، وترى في إنشاء حكومة جديدة لغزة تحت إشرافها تجربة تستحق اهتمامًا واستثمارًا كبيرين.
وفي النهاية، تعتقد أن العملية يمكن أن تنهي الوجود العسكري لحماس والفصائل الأخرى، وتؤسس نظامًا عمرانيًا واقتصاديًا وأمنيًا وتعليميًا يمكن أن يصبح نموذجًا لتجارب مماثلة في لبنان واليمن ومناطق أخرى.
التحديات والسيناريوهات
تشمل التحديات إصرار إسرائيل على إبقاء قواتها في غزة، واحتمال تمرد مجموعات داخل حماس والفصائل، وخلافات الفصائل مع لجنة إدارة غزة حول صلاحيات الشرطة، واحتمال الصدام بين السلطة الفلسطينية واللجنة، إضافة إلى الخلاف حول موعد الانتخابات التشريعية وخطة إعادة الإعمار.
كما يمثل مخطط جاريد كوشنر لإعادة تشكيل البيئة العمرانية والمعيشية في غزة مصدر خلاف، إذ ترفضه الفصائل خشية أن يؤدي إلى إعادة هندسة الوجود الفلسطيني تعليميًا واقتصاديًا وثقافيًا.
وتصورت ورقة الباحث محمد درغام 3 سيناريوهات لسير الأحداث:
أولًا، تنفيذ ناجح للاتفاق مع دخول اللجنة وقوات الاستقرار وتسليم الأسلحة وانسحاب إسرائيل.
ثانيًا، تنفيذ جزئي ينتهي عند نزع السلاح والانسحاب، ثم يتعطل الإعمار بسبب نقص التمويل.
وثالثًا، محاولة حماس تكرار تجربة حزب الله في لبنان عبر تشكيل قوة ضغط على اللجنة للتأثير في الحكم وإعادة الإعمار والسياسات الأمنية.
وفي النهاية، يعتمد مصير الاتفاق على تعاون إسرائيل وحماس والإدارة الأمريكية، إلى جانب مجلس السلام واللجنة التكنوقراطية.
وترى الورقة أن لحماس مصلحة في التنفيذ رغم أثر نزع السلاح على قوتها، لأن أهدافها الأساسية تتمثل في إنهاء الحرب، وتمكين سكان غزة من التعافي، وإعداد الحركة لدور سياسي مستقبلي يقوم على إرث كبير من التضحيات.
كما قد يكون تنفيذ الاتفاق في مصلحة الأطراف الأخرى لأنه ينقل غزة وحماس إلى مرحلة جديدة تقوم على النشاط السياسي والقطيعة الكاملة مع الكفاح المسلح، خشية عودة الحرب والقتل والدمار إلى قطاع فقد أكثر من 73 ألفًا من سكانه وعاش سكانه حربًا طويلة حُرموا خلالها من الحماية الشخصية والأمن الغذائي.
<p>The post اتفاق النقاط الـ 15.. هل يمثل فرصة لتغيير واقع غزة؟ first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360


