اقتصادي حائز على نوبل يكشف خارطة الذكاء الاصطناعي نحو الفقاعة
حذر الاقتصادي الحائز على نوبل جوزيف ستيغليتز من أن الذكاء الاصطناعي قد يفشل في تحقيق الوعود التي يروج لها مؤيدوه، سواء للمستثمرين أو للمجتمع، إذا لم ترافقه سياسات فاعلة للمنافسة والتنظيم وإعادة توزيع مكاسب الإنتاجية.
ويرى ستيغليتز أن الحماس الاستثماري الحالي تجاه الذكاء الاصطناعي يستند إلى توقعات بارتفاع مستدام في الإنتاجية وخفض واسع للتكاليف وزيادة الأرباح، لكنه اعتبر أن أنصار التكنولوجيا لم يقدموا حتى الآن تصوراً واضحاً لكيفية انتقال الاقتصاد إلى هذا المستقبل.
وأشار إلى أن الثورات التكنولوجية السابقة أزالت وظائف في قطاعات معينة لكنها خلقت وظائف جديدة في قطاعات أخرى، كما حدث خلال الانتقال من الزراعة إلى الصناعة. إلا أن الوضع الحالي يختلف، بحسب قوله، لأن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على وظائف بوتيرة أسرع من قدرته على خلق بدائل كافية وذات دخل مجزٍ، وفقاً لما ذكرته صحيفة “فاينانشال تايمز”، واطلعت عليه “العربية Business”.
وأضاف أن مقترح “الدخل الأساسي الشامل” الذي يروج له بعض العاملين في التكنولوجيا لا يمثل حلاً جذاباً، إذ يحول الأفراد إلى متلقين لإعانات حكومية ويقوض قيمة العمل، خاصة في ظل مقاومة القطاع التكنولوجي لزيادة الضرائب اللازمة لتمويل تلك البرامج.
مخاطر اقتصادية وفقاعة محتملة
ورجح ستيغليتز وجود مؤشرات على فقاعة استثمارية في قطاع الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن تحقيق العوائد التي يتوقعها المستثمرون يتطلب توافر ثلاثة شروط متزامنة: منافسة محدودة، وانتشاراً سريعاً للتكنولوجيا، وإدارة اقتصادية كلية فعالة.
ولفت إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل صدمة اقتصادية كبيرة قد تضعف الطلب الكلي وتزيد البطالة وعدم المساواة، ما يهدد الأرباح التي تراهن عليها الشركات والمستثمرون. كما شكك في قدرة صناع السياسات على إدارة هذه التحولات، مستشهداً بإخفاقات سابقة خلال انفجار فقاعة التكنولوجيا عام 2000 والأزمة المالية العالمية في 2007.
وأوضح أن أرباح شركات الذكاء الاصطناعي تعتمد في النهاية على قوة الطلب الاستهلاكي، وهو ما قد يتراجع في اقتصاد يشهد بطالة مرتفعة وتفاوتاً أكبر في توزيع الثروة.
معضلة المنافسة
ورأى أن انخفاض حواجز الدخول إلى قطاع الذكاء الاصطناعي، واحتدام المنافسة بين الشركات الأميركية والصينية، بدأ بالفعل في الضغط على الأسعار وتقليص الأرباح المحتملة، رغم الاستثمارات الضخمة المطلوبة في مراكز البيانات والبنية التحتية.
في المقابل، حذر من أن تحقق الأرباح الاحتكارية عبر تقييد المنافسة سيؤدي إلى تركز الثروة في أيدي عدد محدود من الشركات والمليارديرات، ما سيحد من المنافع الاقتصادية الأوسع للتكنولوجيا ويعمق عدم المساواة.
وأضاف أن تبني الذكاء الاصطناعي يواجه معضلة أخرى؛ فالتطبيق السريع قد يؤدي إلى فقدان واسع للوظائف، بينما يهدد التطبيق البطيء بخيبة أمل المستثمرين وانفجار الفقاعة الحالية.
تهديد منظومة المعلومات
وحذر ستيغليتز من أن أداء الذكاء الاصطناعي سيظل معتمداً على جودة البيانات التي يتدرب عليها. إلا أن استحواذ المنصات الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي على القيمة الاقتصادية للمحتوى قد يضعف قدرة وسائل الإعلام والجهات المنتجة للمعلومات على تمويل إنتاج محتوى عالي الجودة.
وأضاف أن التكنولوجيا قد تخفض تكلفة إنتاج المحتوى المزيف والمضلل، فيما قد تتقدم قدرة أنظمة التزييف العميق على سرعة تطوير أدوات كشفها، الأمر الذي يهدد الثقة العامة، وهي عنصر أساسي لعمل الاقتصاد والمجتمع.
وأكد أن غياب أطر تنظيمية مناسبة وقوانين ملكية فكرية محدثة سيؤدي إلى تفاقم هذه المشكلات، خصوصاً مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات تتجاوز مفهوم “الاستخدام العادل” التقليدي.
أجندة الذكاء الاصطناعي التقدمية
ودعا ستيغليتز إلى تبني ما سماه “أجندة الذكاء الاصطناعي التقدمية” والتي ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية.
ويتمثل المحور الأول في تعزيز سياسات المنافسة ومنع الاحتكار، لضمان وصول مكاسب الابتكار إلى المستهلكين والاقتصاد ككل بدلاً من تركزها لدى عدد محدود من الشركات العملاقة.
أما المحور الثاني فيقوم على تنظيم القطاع وإخضاع شركات الذكاء الاصطناعي للمساءلة القانونية عن الأضرار التي قد تنجم عن منتجاتها، محذراً من تكرار الأخطاء التي صاحبت النمو غير المنضبط لمنصات التواصل الاجتماعي خلال العقود الماضية.
ويرتكز المحور الثالث، والأهم بحسب ستيغليتز، على توظيف مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي لبناء مجتمع أكثر عدالة، من خلال تحسين أجور المعلمين والممرضين ومقدمي الرعاية وغيرهم من العاملين في القطاعات ذات القيمة الاجتماعية المرتفعة.
ضرائب أعلى ومكاسب أوسع
ورأى أن تحقيق هذه الرؤية سيتطلب زيادة الضرائب، خصوصاً على المستفيدين الرئيسيين من طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنه شدد على أن حتى في ظل منافسة أكبر وضرائب أعلى ستظل شركات التكنولوجيا قادرة على تحقيق مكاسب كبيرة.
واعتبر أن على قادة القطاع التكنولوجي دعم هذا المسار، لأن تصاعد السخط الشعبي تجاه الذكاء الاصطناعي قد يهدد استدامة نجاحه الاقتصادي والسياسي.
وأشار إلى أن المعارضة المتزايدة لمراكز البيانات تعكس مخاوف أعمق من تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف والمساواة والنفوذ السياسي لشركات التكنولوجيا، أكثر مما تعكس مجرد مخاوف بيئية.
واختتم ستيغليتز بالقول إن القلق الحالي تجاه الذكاء الاصطناعي مبرر، وإن إدارة المرحلة الانتقالية ستكون شديدة الصعوبة، لكنه أكد أن التكنولوجيا قادرة، إذا أُديرت بشكل صحيح، على إطلاق عصر جديد من الوفرة الاقتصادية وتحسين مستويات الرفاه الاجتماعي على نطاق غير مسبوق.
المصدر: العربية – اقتصاد





