الإعلام الجديد ونصائح رجال العصر القديم
على عكس كثيرين لم يعجبهم ظهور بعض السياسيين والمسؤولين من عهد نظام مبارك، وجدت نفسى ممتنًا لهذه الموجة من البودكاستات التى كشفت لى الكثير مما كنت لا أعرفه، بل إننى فى لحظات كدت أقتنع أننى لم أكن أعلم معلومات كثيرة مفصلية عن الفترة المباركية. كما أكدت متابعتى لهذه الحوارات عديدًا من القناعات السابقة، منها استمرار الرؤية الاقتصادية العامة للسنوات الأخيرة من عهد مبارك إلى يومنا هذا، بعد أن كشف لنا الدكتور يوسف بطرس مدى تأثيره على صناع السياسات المالية والنقدية فى مصر اليوم. ومنها القدر الكبير من الانفتاح السياسى الذى شهدته السنوات الأخيرة من نفس العهد، القدر الذى يصل إلى حرية حركة كبيرة لأطراف سياسية من منطلقات معارضة سياسيًا بوضوح. وأكدت أيضًا الدور الكبير الذى لعبه عدد من السياسيين والإعلاميين فى تشكيل رؤية الرئيس الأسبق فى عديد من الملفات والقضايا، وكذلك مدى اهتمام النظام السياسى بصورة المعارضة داخله وهندسة تكويناتها بالصورة الملائمة وبالأدوات المتاحة حينها، وغيرها من القناعات التى تتأكد كلما اتسعت مساحة الحديث.
هذا الانفتاح الحوارى مع رموز النظام القديم يقدره جيدًا السائل والباحث الشغوف، لأنه يكشف له الماضى القريب الذى سيساعده حتمًا فى تفسير الحاضر. وعلاوة على ذلك، تضيف هذه الحوارات بُعدًا جديدًا يتيح لنا أن نختبر كيف تختلف القناعات بعد أن يترك الناس دولاب العمل السياسى فى السلطة. فكثير منهم قدم نقدًا للذات كان، فى بعض الأحيان، نقدًا غير مقصود، سواء لشخصه أو للسياسات التى قام بتنفيذها. وبالطبع لم تتغير الانحيازات والولاءات القديمة، ولا التفسيرات والتحليلات التآمرية للاحتجاج والثورة.
ربما يعترض البعض على عودة ظهور رجال العهد القديم بكثافة، اعتقادًا منهم أن هذه المساحة التى تُفرد إليهم ربما تساهم فى شرعنة ما ثار عليه المصريون من سياسات وأشخاص وسلوكيات سياسية، لكن هناك شيئًا ما أثمن من هذه الشرعنة التى قد تحدث، ولو بشكل عرضى، وهذا الشيء هو ما تقدمه من دروس غير مقصودة أيضًا. فعندما يتحدث رجال السلطة بعد خروجهم منها، فإنهم يتركون بين السطور نصائح ثمينة لمن يريد أن يفهم طبيعة الحكم والسياسة، حتى وإن لم يقصدوا تقديمها.
قدم الكاتب الصحفى الكبير أسامة سرايا، فى حواره مع الإعلامى الكبير أيضًا عبد اللطيف المناوى، درسًا ورسالة ربما تكون غير مقصودة. سأله محاوره: كيف لا يتحول التطلع إلى الأفضل لدى عموم الناس إلى تمرد «سلبي»، فى معرض حديثه عن الرغبة السلبية الدائمة فى التمرد؟ فأجاب سرايا بضرورة وجود انتقال سياسى طبيعى للسلطة، يتسم بوضوح الرؤية فيما يتعلق بالانتقال من حكم رئيس إلى آخر. هذا، بالطبع، درس ثمين يقوله رجل ارتبط بسلطتى السادات ومبارك ارتباطًا وثيقًا، ويمثل نوعًا من أنواع النقد الذاتى لرجل رأس مؤسسة الأهرام حتى عام ٢٠١١.
وبالعودة إلى الدكتور يوسف بطرس، فقد قدم لنا الوزير السابق كثيرًا من المعطيات المهمة. وربما أكثر ما لفت نظرى فى حديثه رأيه فيمن يتحدثون عن الوقت الذى يشعر فيه المواطن بالتحسن الاقتصادى، فقال إن لا أحد يمكنه أن يعرف متى يحدث ذلك، ببساطة لأن هذا التحسن يأخذ وقته مع المستهدفات الاقتصادية العامة. وربما يناقض ذلك كثيرًا من تصورات المسؤولين عن التحسن الاقتصادى ومدى قربنا من تحقيقه.
لا أريد أن أعدد مزيدًا من الفوائد لهذه المحاورات مع رجال العهد القديم، لكن يهمنى هنا أن أحدد تحولين مهمين حدثا بالفعل، ولا سبيل إلى الرجعة عنهما: الأول هو أن أهمية المؤسسة الإعلامية التى يُبث من خلالها اللقاء، ومدى احترافيتها، لم تعد قضية تحمل أهمية كبيرة فى جذب المشاهد المهتم بالمحتوى المرئى والمسموع، مما يجعل الحوار نفسه مع شخص بعينه هو الأمر الجاذب، بالإضافة إلى أن طبيعة هذا الحوار قد تبدلت وأصبحت أكثر توغلًا فى التجارب الشخصية للأفراد مما مضى.
أما التحول الثانى، فهو تراجع الدور التقليدى لما يسميه باحثو الإعلام ب«حراس البوابة» (Gatekeepers)، وهم المؤسسات الإعلامية التى كانت تحدد، لعقود، من الذى يتحدث، ومتى، وكيف. ظهر هذا المفهوم فى دراسات عالم الاجتماع كورت لوين فى أربعينيات القرن الماضى، قبل أن ينقله ديفيد مانينغ وايت إلى دراسات الصحافة عام ١٩٥٠، ليصف عملية انتقاء الأخبار قبل وصولها إلى الجمهور.
كتب كلاى شيركى، الباحث الأمريكى، فى عام ٢٠٠٨ كتابًا بعنوان Here Comes Everybody، أو بالعربية «ها قد جاء الجميع»، معلقًا على الإنترنت فى علاقته بالإعلام وقدرات الناس على تنظيم أنفسهم فى العصر الجديد. وبالفعل، قد أتى الجميع، حتى رجال النظام القديم. وهذا قدر من الانفتاح للجميع على الجميع، كان مسبوقًا فى الغرب بالطبع، وأثر تأثيراته الكبيرة على السياسة فيه، ولا أتصور إمكانية لعرقلته أو تحجيمه. الأفق يتسع وسوف يستمر فى الاتساع، وربما يولد قدرًا من الانفتاح السياسى المطلوب، بشكل غير مقصود.
*نقلاً عن “المصري اليوم“
المصدر: العربية – سياسة





