الإعلام الخليجي !
في الصراعات العسكرية الكبرى، تتراجع الشعارات النظرية حول حرية التعبير والحياد الإعلامي أمام سؤال وجودي كبير: أين تنتهي حرية الإعلام، وأين يبدأ الأمن القومي؟ وعندما تتحول المنصات الإعلامية العربية والخليجية إلى أدوات في حرب المعلومات تستهدف الدول والمجتمعات، يجب أن نبدأ بالقلق، لأن المسؤولية أكبر من مجرد التمسك بشعار الرأي والرأي الآخر.
رغم أن روسيا لم تستهدف أوروبا عسكرياً كما تفعل إيران ضد الدول الخليجية والعربية، إلا أن أوروبا أدركت مبكراً خطورة الدعاية الروسية مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022. فالاتحاد الأوروبي لم يكتفِ بالعقوبات الاقتصادية والدبلوماسية على موسكو، لكنه اتخذ قراراً غير مسبوق بحظر وسائل الإعلام الروسية الممولة من الدولة، وعلى رأسها شبكتا RT وسبوتنيك. انطلق القرار من قناعة بأن تلك المنصات أصبحت جزءاً من منظومة الحرب، تمارس التضليل المنهجي وتستهدف استقرار المجتمعات الأوروبية، وليس قراراً ضد التعددية الإعلامية.
ولم تكن بروكسل وحدها من تبنت هذا النهج. ففي المملكة المتحدة، ألغت هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (Ofcom) رخصة بث القنوات الروسية، معتبرة أن الاستقلالية الإعلامية لا يمكن أن تتحقق تحت مظلة جهاز دعائي تابع لدولة تخوض حرباً ضد أوروبا. كما سبقت دول البلطيق، وفي مقدمتها لاتفيا وليتوانيا، إلى حظر وسائل الإعلام الروسية إدراكاً منها أن حرب المعلومات قد تكون أكثر خطورة من كثير من الأسلحة التقليدية.
إذاً، لماذا يصبح الحزم مشروعاً عندما يتعلق الأمر بالدعاية الروسية، بينما يتراجع مستوى الحساسية تجاه أدوات الدعاية الإيرانية التي تستهدف المنطقة العربية، ودول الخليج على وجه الخصوص؟
المشهد لا يقتصر على دعم الميليشيات أو تهديد الملاحة البحرية أو استهداف المنشآت الحيوية، ولكنه يمتد إلى حرب إعلامية ونفسية متواصلة. وتشير التقديرات إلى أن طهران تخصص أكثر من 480 مليون دولار أمريكي لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية بهدف تعزيز نشاطها الخارجي، فيما تدير منظومة إعلامية تبث بأكثر من 32 لغة، إلى جانب دعم عشرات القنوات والمنصات التابعة لحلفائها في العراق ولبنان واليمن. وفي الفضاء الرقمي، أسقطت منصات التواصل الاجتماعي عشرات الآلاف من الحسابات الوهمية المرتبطة بشبكات إيرانية كانت تعمل على إعادة إنتاج الدعاية وتقديمها للرأي العام كمحتوى محلي مستقل.
غير أن الأخطر في نظري من هذه المنظومة الدعائية هو وجود منابر عربية وخليجية تمنحها مساحة مجانية للانتشار تحت لافتة الحياد المهني. المشكلة ليست في استضافة رأي مخالف، وإنما في الخلط بين التعددية الإعلامية ومنح منصات مجانية لخطاب يحرض على العنف أو يبرر استهداف الدول الخليجية. الحياد المهني لا يعني المساواة بين الدولة ومن يهدد أمنها، ولا بين الحقيقة والدعاية.
وعندما يُقدَّم خطاب أو حوار يبرر إطلاق الصواريخ على الدول الخليجية والعربية باعتباره “وجهة نظر”، فإن مفهوم الموضوعية يتحول إلى حصان طروادة تعبر من خلاله حملات التضليل إلى داخل المجتمعات.
لم يتردد القادة الأوروبيون في التعبير عن غضبهم من الدعاية الروسية، وتحدثوا بوضوح وصراحة تامة حول هذا الأمر. فقد أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بلهجة حازمة: “سنحظر الآلة الإعلامية للكرملين في الاتحاد الأوروبي.. لن يتمكنوا بعد الآن من نشر أكاذيبهم لتبرير حرب بوتين وزرع الانقسام في اتحادنا”. ولتأكيد أن هذا الحظر لا يتعارض مع القيم الديمقراطية، صرّح الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، قائلاً إن حظر عمل وسائل الإعلام الروسية “ليس هجوماً على حرية التعبير، إنما حماية لها”، واصفاً هذه القنوات بأنها جزء من حملة دولية منهجية للتلاعب بالحقائق، وتشكل “تهديداً كبيراً ومباشراً للنظام العام والأمن” في دول الاتحاد.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الديمقراطيات التي تؤمن بحرية الإعلام لا تتردد في حماية فضائها المعلوماتي عندما تتعرض لحملات دعائية منظمة. ومن هنا، فإن الحاجة تبدو ملحة إلى رؤية خليجية أكثر تماسكاً في التعامل مع هذا النوع من التهديدات. والبداية يجب أن تكون بإقرار ميثاق إعلامي يميز بوضوح بين الرأي السياسي المشروع والدعاية المرتبطة بكيانات تمارس العنف أو تدعمه، مروراً بتطوير أطر قانونية تضمن مساءلة المؤسسات التي تمنح تلك الخطابات شرعية إعلامية، وصولاً إلى إنشاء مرصد خليجي متخصص يرصد حملات التضليل، ويفككها بالبيانات والحقائق، ويكشف آلياتها للرأي العام.
ولأكون صريحاً، لم يعد مقنعاً لي، ولا لأي عاقل يدرك حجم التحديات، أن تُمرر كلمات التحريض تحت غطاء حرية التعبير أو الرأي والرأي الآخر. حماية وعينا الجمعي في هذا التوقيت هي الأهم، وهي ليست تكميماً للأفواه، وإنما هي الجدار الأخير الذي نستند إليه لحماية وجودنا.
المصدر: العربية – سياسة





