الإمبراطورية ستضرب من جديد
Backما يعرفه ريفو عن الخبر
- أعلن ترامب تأييده الصريح لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية مؤكداً حاجته إليه لإكمال المهمة في إيران.
- أكد ترامب أنه لا يرغب في قيام أمريكا بمواجهة إيران بمفردها دون شريك إسرائيلي.
- تعد استطلاعات الرأي الإسرائيلية نتائج الانتخابات غير مضمونة حيث تظهر تقارباً في النتائج بين نتنياهو ومعارضيه.
- يواجه كلا الطرفين قيوداً حقيقية تتعلق بالانتخابات الأمريكية القادمة والقدرات العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية.
لم يحدث في تاريخ العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية أن أعلن رئيس أمريكي تأييده لمرشح في انتخابات إسرائيلية، إلى أن فعل ذلك ترامب يوم الأحد الماضي، قبل تسعة أيام من انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر. وكان إعلانه صريحاً لا يحتمل التأويل، فقد كتب أن إسرائيل إذا وضعت على رأس حكومتها أي شخص غير نتنياهو فسيكون على أمريكا أن تقوم بالمهمة في إيران بنفسها، وأنه غير راغب في ذلك. وفي اليوم التالي عاد فعلّق علناً بأنه يحتاج إلى نتنياهو لإكمال المهمة في إيران، وأنه لا يحب أن تقوم أمريكا بها وحدها.
ولعل القارئ يسأل عن العنوان. لقد استعرته من الفيلم الثاني في سلسلة «حرب النجوم»، حيث تعود الإمبراطورية، بعد أن ظنها خصومها في تراجع، لتضرب من جديد. والإمبراطورية هنا هي أمريكا. فقد قيل لنا في الآونة الأخيرة إنها تنسحب من المنطقة وتعيد حساب أعبائها، وها هو رئيسها يعلن علناً حاجته إلى شريك يعيد معه فتح الملف الإيراني.
كنت قد كتبت قبل أسابيع أن واشنطن تستطيع أن تؤثر ولكنها لا تستطيع أن تختار، وأن الشواهد كلها كانت تدل على أن نتنياهو لم يعد الاختيار الأول لترامب. فقد امتنع شهوراً عن تأييده، ودفع نحو وقف إطلاق النار مع إيران ومع حزب الله في لبنان رغم اعتراض إسرائيل، واعترف بأنه وصف نتنياهو في حديث خاص بالمجنون بسبب ما جرى في لبنان. وتحدثت تقارير عن أن بعض أقرب مستشاريه رأوا أن أجندته في المنطقة ستسير على نحو أفضل لو تغيرت الحكومة في إسرائيل. ثم جاء التأييد، وقال ترامب لموقع أكسيوس الأمريكي إنه كان ينوي ذلك دائماً، وإنه لم يشأ أن يفعله مبكراً. وهذا قول يصعب التوفيق بينه وبين شهور من الامتناع، ولا يكفي لتفسير ما جرى.
والذي تغيّر في تقديري ليس رأي ترامب في نتنياهو، وإنما حاجته إليه. فلا يمكن فهم التأييد من زاوية الانتخابات. شعبية ترامب اليوم أقل مما كانت، وكلمته أضعف أثراً في الناخب الإسرائيلي، كما أن تأييد إسرائيل لم يعد يحمل في الميزان الانتخابي الأمريكي الوزن الذي كان يحمله من قبل. فإذا لم يكن الدافع هو الناخب الإسرائيلي ولا الناخب الأمريكي، فما الذي يبقى؟ يبقى ما قاله ترامب بنفسه، وهو إيران.
فبحسب أكسيوس، بحث ترامب ونتنياهو قبل نحو أسبوعين إمكان شن عملية كبيرة جديدة ضد إيران قبل الانتخابات في البلدين. ومال ترامب في البداية إلى القبول، ثم تردد وقرر الانتظار إلى ما بعدها. وفي ختام تأييده كتب أنهم سينهون المهمة قريباً، وردّ نتنياهو بأنهما سيُتمّان المهمة معاً. وهذه لغة من لديه عمل لم ينته، ويريد أن يُبقي الباب مفتوحاً أمام استئنافه، مع شريك يرى أنه الأكثر استعداداً لذلك.
غير أن التأييد، على غرابته، لا يضمن شيئاً. فمعظم الاستطلاعات الأخيرة تضع ائتلاف نتنياهو دون الحد الأدنى اللازم لتشكيل الحكومة، وهو واحد وستون مقعداً. وأعطى استطلاع القناة الثانية عشرة الإسرائيلية، التي تُعدّ أقرب إلى الوسط وأكثر انتقاداً لنتنياهو، الائتلاف تسعة وأربعين مقعداً، وتقدم فيه آيزنكوت على نتنياهو في تفضيل الناخبين لرئاسة الحكومة بنسبة خمسة وأربعين في المائة مقابل خمسة وثلاثين. ولم يمنح الائتلاف أغلبية إلا استطلاع القناة الرابعة عشرة الإسرائيلية، المؤيدة علناً لنتنياهو، وبلغت الأغلبية فيه الحد الأدنى بالضبط. وبلغ متوسط الاستطلاعات نحو أربعة وخمسين مقعداً لكتلة نتنياهو مقابل تسعة وأربعين للمعارضة الصهيونية. وقد قال آيزنكوت تعليقاً على التأييد إن الانتخابات شأن داخلي، وإن مواطني إسرائيل وحدهم هم الذين يقررون. وهذا ما أقصده بالضبط: تستطيع واشنطن أن تؤيد، ولا تستطيع أن تختار.
وللمسألة وجه آخر يتصل بالاتفاقات الإبراهيمية. فمشاركة إسرائيل في ضرب إيران، إن حدثت، قد تزيد رصيدها لدى دول الخليج التي طالتها الضربات الإيرانية، وتقدمها شريكاً يخفف عنها هذا الخطر بدلاً من أن تبدو عبئاً عليها. وهذا تصور وليس يقيناً، فقد يراه الرأي العام في المنطقة على نحو آخر، لكنه يوضح لماذا يستطيع ترامب أن يرى في الحرب باباً لتوسيع دائرة هذه الاتفاقات، لا عقبة في طريقها.
أما هل ستقع الضربة فعلاً، فهذا ما لا يملك أحد أن يجيب عنه اليوم. وكل ما يمكن قوله إن أمام ترامب ونتنياهو، بعد الانتخابات، احتمالات عدة.. أولها أن تقوم إسرائيل بضربة كبيرة جديدة على إيران بغطاء أمريكي ودعم استخباري ولوجستي، وهو ما توحي به عبارة: «سننهي المهمة قريباً». وثانيها أن تشارك أمريكا نفسها في الضربة كما فعلت في الحرب الأولى، وهو ما يقول ترامب إنه لا يميل إليه، لكنه قد يجد نفسه مضطراً إليه إذا تعثرت إسرائيل وحدها. وثالثها أن يستمر الضغط الاقتصادي الذي أُطلق في أغسطس، فإذا لم يغيّر حسابات طهران وردّت إيران من مضيق هرمز حيث تملك ميزة نسبية، صار التصعيد العسكري هو الخطوة التالية. ورابعها أن تستمر الهدنة والمفاوضات، ويبقى التأييد رسالة ضغط على طهران لا أكثر.
وفي مقابل هذه الاحتمالات قيود حقيقية، أولها في واشنطن نفسها، فانتخابات التجديد النصفي بعد أسبوعين تقريباً، في الثالث من نوفمبر، وإذا انتقل مجلس النواب إلى المعارضة، وربما مجلس الشيوخ أيضاً، فسيواجه رئيس يستأنف الحرب جلسات استماع ومعارك حول التمويل وتصويتاً على صلاحيات الحرب. والحرب أرهقت الاقتصاد العالمي، ولم يُخفِ ترامب قلة صبره عليها. وقراره بتأجيل الضربة إلى ما بعد الانتخابات دليل على أن هذا القيد يعمل فعلاً.
وهناك قيود على الجانب الإسرائيلي كذلك. فإسرائيل تقاتل على جبهات عدة وقد أنهكتها حرب طويلة، وأي رد إيراني يقع على مدنها، وعزلتها الدبلوماسية عميقة. والانتخابات نفسها قيد آخر. فإن لم يفز نتنياهو، جاءت حكومة بأجندة مختلفة وشهور من المساومات الائتلافية، وإن فاز بفارق ضئيل قاد ائتلافاً هشاً مضطراً إلى مراعاة شركائه. وصحيح أن كلام ترامب يوحي بأنه قد يترك لإسرائيل زمام المبادرة، لكن الحرب الأولى كانت مشتركة، وإعادتها دون غطاء أمريكي أصعب بكثير.
وهكذا نصل إلى الخلاصة التي بدأنا منها.. فتأييد ترامب لنتنياهو يبيّن كم يود لو يتحكم في الأحداث، ويبيّن في الوقت نفسه كم هو قليل ما يتحكم فيه فعلاً. وقد تكون أمريكا لا تتراجع أصلاً، بل ترحل إلى موقع أفضل، تترك فيه لشركائها حمل العبء، وتحتفظ لنفسها بقرار الضربة الأخيرة. غير أن هذا الموقع الجديد ليس بعيداً عن النار. فإمبراطورية تريد أن تخفف أعباءها، سواء سمّيناه تراجعاً أو انتقالاً إلى موقع أفضل، قد تُجَرّ إلى الأمام، بيد حلفائها، وبكلماتها هي، وبخيارات خصمها.
نقلاً عن المصري اليوم
المصدر: العربية – سياسة