الاستراتيجية الأمنية الجديدة”منطق معيب وتهديد للأمن القومي
ضمن منشورات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي لشهر أغسطس 2026، كتب عوفر شيلح، عضو كنيست إسرائيلي سابق (رئيس اللجنة الفرعية للاستراتيجية الأمنية)، ورئيس برنامج “السياسة الأمنية القومية الإسرائيلية” في المعهد، مقالاً نقدياً حول الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية.
يجادل شيلح بأن إسرائيل، منذ صدمة 7 أكتوبر، تتجه فعلياً نحو “استراتيجية جديدة” يسميها نتنياهو “سوبر-اسبرطة” جيش في حالة حرب دائمة، وحدود متوسعة باستمرار، واكتفاء ذاتي عسكري. ويرى أن هذا التحول ليس استجابة “موضوعية” للتهديدات، بقدر انه تعبير عن رؤية أيديولوجية مختلفة تماماً لهوية إسرائيل، وأنه يهدد اقتصادها وتماسكها الداخلي ونموذج “جيش الشعب” ومكانتها الدولية، ويقربها من عزلة عالمية .
أولاً: طبيعة “الاستراتيجية الأمنية” ذاتها
يفتتح شيلح بنقطة منهجية: إسرائيل لم تمتلك يوماً وثيقة استراتيجية أمنية رسمية مكتوبة ومعتمدة وعلنية بالمعنى الكامل للمصطلح. ويشير إلى أن “قانون الاستراتيجية الأمنية القومية”، الذي سنّه الكنيست المنتهية ولايته بمبادرة عضوي الكنيست غادي آيزنكوت يُلزم كل حكومة جديدة بإقرار وثيقة سياسية-أمنية تتضمن “رسم خرائط التهديدات والتحديات وترتيبها، ووسائل التعامل معها”.
لكن شيلح يرفض هذا التصور القائل بأن الاستراتيجية “موضوعية” مشتقة آلياً من خريطة التهديدات، مستنداً إلى خبرته الشخصية: وان خريطة التهديدات، برأيه، غالباً ما تُستخدم لتبرير احتياجات أمنية “غير محدودة” بصرف النظر عن التغيرات الجيوسياسية الفعلية، فحتى بعد معاهدة السلام مع مصر، أو سقوط النظام السوري الذي كان “حلقة مركزية في محور الشر” بقيت خريطة التهديد كما هي دون تعديل جوهري.
بينما الاستراتيجية الحقيقية، برأيه، تنبع أولاً من سؤال “من نحن” كما هو الحال في وثائق الأمن القومي الأمريكية، التي يفتتحها كل رئيس جديد بفصل عن “رؤيتنا الدائمة” و”دورنا الدائم” قبل الحديث عن التهديدات، وهو ما يفسر الفارق بين نهج بايدن القائم على التحالفات ونهج بوش وترامب الأحادي.
يميّز الكاتب أيضاً بين الأمن القومي بمعناه الواسع (اقتصاد، مجتمع، علاقات خارجية) والاستراتيجية العسكرية الضيقة، مشيراً إلى أن لجنة ميريدور (2005-2006) أكثر محاولة منهجية لصياغة استراتيجية أمنية، قد اعترفت بأن عملها ركّز على المجال الأمني الضيق ولم يشمل كل مكونات الأمن القومي الواسع.
ويستحضر مقولة الجنرال الأمريكي أيزنهاور بأن “الخطط لا شيء، أما التخطيط فهو كل شيء” أي أن أهمية الاستراتيجية تكمن في عملية النقاش المفتوح والمتنوع المؤدية إليها، وهذا نقاش يراه شيلح “معقماً ومعطلاً” في إسرائيل بسبب ثقافة السرية .ويسوق مثالاً على غياب التنسيق: فقد عمل نتنياهو على وثيقة “الاستراتيجية الأمنية 2030” القائمة على مبدأ “الردع عن بعد” (تعزيز قدرات الضربة عن بعد والدفاع الصاروخي)، بينما كان الجيش ينفذ خطة “جدعون” لرئيس الأركان غادي آيزنكوت القائمة على مبدأ معاكس تماماً مناورة برية سريعة وحاسمة تهدف لنقل الحرب لأرض العدو وتقصير مدتها. هذا التناقض بين توجهين متعاكسين في اللحظة نفسها، بحسب شيلح، أدى لهدر الموارد.
ثانياً: هل تسببت الاستراتيجية “الكلاسيكية” بفشل 7 أكتوبر؟
يفنّد شيلح ادعاءً شائعاً بأن استراتيجية “الردع – الإنذار المبكر – الحسم” التقليدية (المرتبطة ببن غوريون) هي التي سمحت لحماس ببناء قدراتها عبر سياسة “احتواء وضبط نفس”.
ويرى أن الفشل لم يكن في المبدأ بل في التنفيذ: القرار بعدم ضرب حماس استباقياً ، رغم أن الضربة الاستباقية كانت جزءاً أصيلاً من عقيدة بن غوريون، كما أوضح في عرضه أمام الحكومة عام 1953.
بينما التعامل مع حماس كان قراراً سياسياً واعياً يعتبرها “عنواناً لتحقيق الهدوء” في غزة وأداة لإضعاف السلطة الفلسطينية، لا نتيجة قصور نظري في الاستراتيجية.
ويقارن بحرب أكتوبر 1973: فلم يكن العمق الدفاعي هو ما فشل (100 دبابة إسرائيلية في مواجهة 600 دبابة سورية على الجولان، كنسبة بين المهاجمين والمدافعين)، بل “الغطرسة التشغيلية وانعدام الاحترافية” وقوات غير كافية أمام تهديد معروف، في اقتراب من وضع
حدود غزة عام 2023
ويشير إلى أن مفهوم “الحملة بين الحروب” (CBW) كان أصلاً جزءاً من العقيدة الإسرائيلية المعلنة (تقليص التهديدات وإبعاد الحرب القادمة وتعزيز الردع)، لكن الإفراط في الاعتماد عليه لمنع حزب الله من امتلاك قدرات “تغيّر قواعد اللعبة”، مع الامتناع عن الرد على خروقات حدودية (كحادثة الخيمة على جبل دوف) أو هجمات داخل الأراضي الإسرائيلية، مع تجاهل التحذيرات من تأثير هذا الإفراط على الجاهزية القتالية وعلى تصور العدو لتردد إسرائيل في المواجهة ، هو ما أضعف الاستعداد الفعلي فعلياً.
على مستوى مفهوم “الحسم” ذاته، يميّز شيلح بين نسختين متعارضتين: حسم بن غوريون العسكري المحدود، المصحوب بترتيب دبلوماسي لاحق (وليس بالضرورة اتفاقاً) يعزز أطول فترة هدوء ممكنة تسمح لإسرائيل بالنمو والبناء، مقابل “الحسم” كما طرحه الوزير بتسلئيل سموتريتش في وثيقته “خطة الحسم: مفتاح السلام يكمن في اليمين” (منشورة في مجلة “هشيلواح” عام 2017) وهو حسم شامل يستهدف إنهاء الصراع كلياً، عبر إعلان إسرائيلي حازم برفض قيام دولة فلسطينية وفرض السيادة الكاملة على الضفة الغربية، وتثبيت الاستيطان كأمر واقع “لا رجعة فيه” في نظر العرب والعالم.
ويشير شيلح إلى أن سموتريتش نفسه لا يخفي أن رؤيته الأمنية متجذرة في تصوره الديني، وهو ما يجعل من زاوية معينة، هل تستوفي شرط الارتباط بين الاستراتيجية وسؤال “من نحن”، على عكس دعاة “الاستراتيجية الجديدة” الآخرين الذين يقدمونها بلغة أمنية “محايدة” بحتة.
ثالثاً: ملامح “الاستراتيجية الجديدة” كما تنعكس في التصريحات والأفعال
يستعرض شيلح خمسة ملامح رئيسية للاستراتيجية الجديدة، مستنداً إلى تصريحات وخطابات
1. العزلة الدائمة كأمر واقع لا علاقة له بأفعال إسرائيل، استناداً إلى خطاب نتنياهو في مؤتمر 18 ديسمبر 2025، الذي وصف “عالماً مختلفاً وصعباً” تتشكل فيه أوروبا الغربية بفعل هجرة مسلمة “تحني” حكومات، مع “حملة تأثير” تنسّق مع الأقليات الإسلامية لتوجيه السياسات، وعالم “ينتظم في كتل” لا تنتمي إسرائيل لأي منها فتُستهدف من كل الجهات.
2. الاكتفاء الذاتي الكامل في الإنتاج العسكري بغض النظر عن الكلفة الاقتصادية، وهنا يستخدم نتنياهو، في الخطاب نفسه، تعبير “نحن أثينا واسبرطة، لكننا سنكون أثينا وسوبر-اسبرطة” لوصف النموذج المطلوب، مقروناً بمضاعفة حصة الإنفاق الدفاعي من الناتج المحلي بشكل دائم حتى بعد انتهاء الحرب.
3. استحالة الإنذار المبكر، وبالتالي الحرب الدائمة “فوق عتبة الحرب” و يستشهد الكاتب بمقال البروفيسور أفرايم (“التغييرات الرئيسية المطلوبة في الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية”، معهد القدس، 17 مارس 2025) الذي دعا لتوسيع الجيش النظامي وقوات الاحتياط وتبني استراتيجية استباقية تشمل ضربات وقائية؛ وبتصريح اللواء (احتياط) رون تال في مقابلة إذاعية (3 مارس 2026)، الذي وصف نهج نتنياهو الجديد بأنه “لا ينتظر ليرى إن كان أحدهم ينوي تدميره” بل يمنع أي جهة مجاورة من بناء أي قدرة يمكن استخدامها ضد إسرائيل مهما كان حجمها ، وهو ما كان يُطبَّق سابقاً فقط على أسلحة الدمار الشامل (“استراتيجية بيغن”).
4. إقامة “مناطق عازلة” خارج الحدود بدلاً من الدفاع الحدودي التقليدي، استناداً إلى خطاب رئيس الأركان الفريق زامير أمام خريجي كلية الأمن القومي (9 يوليو 2026)، الذي وصف استراتيجية جديدة قوامها ضرب العدو وهزيمته حاسماً، وإزالة التهديدات مسبقاً، وإقامة مناطق منزوعة السلاح داخل أراضي العدو ، وهو ما يتجسد فعلياً في غزة ولبنان وسوريا، مع إشارة شيلح إلى دعوات بعض الأطراف لاستكمال هذه المناطق بالاستيطان لاحقاً.
5. استخدام القوة العسكرية لتشكيل المنطقة بالكامل، وليس وحسب منع التهديدات، وهو الملمح الأوضح كما يظهر في مقال لعسكريين بعنوان “ملكة الغابة؟” (26 مارس 2026). يدعو الكاتبان صراحة لتحول الجيش من “قوة دفاعية محلية” إلى “قوة دفاعية إقليمية” تعمل بشكل مستمر في كل الشرق الأوسط، مؤكدين أن إسرائيل يجب أن “تستخدم كامل أدوات القوة الوطنية المتاحة لها لتفكيك وبناء مؤسسات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية” في محيطها، ومعتبرين أن “الحياة في ظل حرب دائمة ليست بالضرورة حياة غير جديرة بأن تُعاش”.
رابعاً: نقد شيلح لملامح الاستراتيجية
على مسألة العزلة:
يقر شيلح بوجود عداء غربي متأثر بالجهل والتحيز وحتى معاداة السامية، لكنه يرى أن هذا التصور يتجاهل كلياً دور أفعال إسرائيل نفسها، الاحتلال المستمر، القتل الواسع للمدنيين والأطفال في غزة، تهجير الملايين دون أفق للعودة، تدمير البنى التحتية الذي يعتبره جريمة حرب وفق تعريفات القانون الدولي، وأفعال المستوطنين المشجعة حكومياً ، وما تحدثه من اتساع الفجوة مع الرأي العام الغربي، أكثر من “حملة تأثير” مزعومة أو الهجرة المسلمة.
ويستشهد بأن ما يقارب نصف ممثلي الحزب الديمقراطي في الكونغرس يدعون لإنهاء المساعدات لإسرائيل، مقروناً بتحذير ستيف بانون (الذي قاد حملة ترامب عام 2016) من أن السياسة القديمة القائمة على تخفيض الضرائب والحروب و”تنفيذ أجندة إسرائيل” أصبحت “منتهية”.
على مسألة الاكتفاء الذاتي:
يستند إلى توقعات معهد آهرون للسياسة الاقتصادية (مايو 2026)، التي تشترط خفض الإنفاق الدفاعي إلى مستوى دائم يبلغ 5.5% من الناتج المحلي (مقابل نحو 7.3% وفق بنك إسرائيل عام 2025، ومتوقع أن يتجاوز 8% عام 2026) لتحقيق نمو مستدام بنسبة 3.5% سنوياً ، حتى مع افتراض جولتي قتال إضافيتين مع إيران خلال العقد القادم.
كما يحذر من خطر توقف أو تقليص المساعدات الأمريكية (3.8 مليار دولار سنوياً بموجب الاتفاقية الحالية) بسبب المعارضة المتنامية في واشنطن.
على مسألة الإنذار والردع:
يذكّر بأن الردع لم ينجح تاريخياً بالمعنى الحرفي، فأقصر فاصل بين الحروب الإسرائيلية جاء بعد أعظم انتصار عسكري (أقل من عام بعد حرب 1967 اندلعت حرب الاستنزاف على جبهتين).
الفهم الصحيح، برأيه، أن الحسم العسكري مؤقت بطبيعته ويحتاج ترتيباً دبلوماسياً لاحقاً يرسّخه، كما حدث بعد الانتصار الحاسم على حزب الله في نوفمبر 2024 عبر تفاهمات مع الولايات المتحدة والحكومة اللبنانية، وهو ما وفّر لإسرائيل عاماً ونصف من حرية العمل دون رد. لكن هذا التوازن انهار مع الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران (28 فبراير 2026)؛ فالرد الإيراني- وحزب الله الضعيف على اغتيال خامنئي قوبل بحملة إسرائيلية عبثية في جنوب لبنان زادت التوتر مع الرئيس ترامب الساعي لإنهاء المواجهة مع إيران.
على مسألة “فرض المصالح” بالقوة:
يعتبر شيلح أن الهدف غير المعلن لعملية إيران وهي إسقاط النظام عبر اغتيال القيادة وحملة نفسية ومليشيات كردية، وتنصيب محمود أحمدي نجاد على رأس حكومة بديلة كان “وهماً خطيراً” مفتقراً لأي أساس واقعي.
يقارنه بفشلين إسرائيليين تاريخيين سابقين: محاولة إقامة “نظام جديد” في لبنان (1982)، ومحاولة اغتيال صدام حسين عبر سرية “متكال” ومؤكداً أن دولاً أقوى من إسرائيل فشلت في محاولات مشابهة لتغيير الأنظمة، وأن النتيجة الحتمية هي تقوية النظام القائم وصعود عناصر أكثر تشدداً فيه (بما قد يدفع إيران لامتلاك سلاح نووي)، إلى جانب تصدع العلاقة مع واشنطن.
الخاتمة: “من نحن”
يختم شيلح بأن السؤال الحقيقي وراء كل هذا النقاش ليس “كيف نرد على التهديدات” بل “من نحن” فالأمن، مثل الاقتصاد القائم على “مشكلة الندرة”، ليس مطلقاً أبداً، والخيارات المطروحة تعكس “منظومة أفضليات” تحدد من نحن وما نريد وما نحن مستعدون للتنازل عنه.
ويستحضر تحليل بن غوريون لعام 1953 حول مصادر قوة إسرائيل الأربعة: الميزة الجغرافية (“الخطوط الداخلية”) والقدرة على حشد القوات سريعاً، و”أمة موحدة”، والتفوق التكنولوجي، والميزة الروحية. ويقارنها بـ”سوبر-اسبرطة” الجديدة جيش مستنزف في حرب دائمة وحدود متوسعة باستمرار، بحيث قد يجعله ذلك، بحسب تحذير رئيس الأركان زامير نفسه، “ينهار من الداخل”؛ وأمة ممزقة بصراعات الهوية والسياسة تهدد نموذج “جيش الشعب” والشرعية الداخلية؛ وحرب تُدار بأسلوب يثير قلقاً جدياً على قيم القتال في الجيش، ويشكك في التفوق الروحي على الأعداء، ويقرّب إسرائيل من عزلة عالمية خطيرة.
ويختم بالإشارة إلى أن كثيراً من الإسرائيليين لا يريدون هذه الإسرائيل، وأن بعضهم لا يريد العيش فيها أصلاً ، كما يعكس ميزان الهجرة السلبي في السنوات الأخيرة وهو ما يشكل بحد ذاته تهديداً مباشراً للأمن القومي.
<p>The post الاستراتيجية الأمنية الجديدة”منطق معيب وتهديد للأمن القومي first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360