البحرين في شباك هرمز.. تداعيات أزمة المضيق تصل للديون وانتظار مساعدة
رجوع
باتت البحرين حاليًا في موقف لا تحسد عليه، فتراجع القدرة على تصدير النفط بسبب أزمة مضيق هرمز جعل الدولة الخليجية الصغيرة تعاني أزمة في الوفاء بخدمة ديونها سواء على مستوى الفوائد والأقساط، وتتكبد مبالغ طائلة في الاقتراض الجديد.
أدت الحرب “الأمريكية – الإسرائيلية” على إيران، وما صاحبها من إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز من قِبل طهران، إلى انخفاض حاد في إنتاج النفط البحريني، ما زاد من الضغوط على المالية العامة التي تعاني بالفعل من أزمات.
ووفقاً لوكالة “إس آند بي جلوبال“، فقد سجلت البحرين العام الماضي المركز الثالث عشر بين أعلى نسبة للدين العام مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، إذ بلغ إجمالي الدين الحكومي الخارجي بما في ذلك السندات الدولية، والصكوك، والتمويلات المقدمة من صناديق التنمية الخليجية والإقليمية والتي بلغت 43 مليار دولار حتى 31 مارس 2025، ارتفاعاً من 37 مليار دولار في عام 2024.
بحسب بيانات مصرف البحرين المركزي، فإن موجوداته من النقد الأجنبي، باستثناء الذهب بلغت 2.36 مليار دولار في سبتمبر، لتظل أدنى بنحو 54% من مستواها في مارس، حين بلغت نحو 5.17 مليارات دولار.
وقال جاستن ألكسندر، مدير مؤسسة “خليج إيكونوميكس”، إنه حال استمرار الحرب لفترة أطول دون حصول البحرين على دعم إضافي، فإنها ستتعثر في سداد ديونها، لأنها لا تمتلك سوى القليل من الأصول التي يمكن تسييلها في وقت قصير، فمع الدين الخارجي يوجد دين محلي إجمالي بقيمة 17 مليار دولار، ما يرفع إجمالي الدين الحكومي إلى 60 مليار دولار.
تبلغ استحقاقات الديون المقومة بالعملات الأجنبية 1.1 مليار دولار خلال العام الجاري، و2.7 مليار دولار بعامي 2027 و2028، بالإضافة إلى 4.5 مليارات دولار أخرى عام 2029، ولا تشمل هذه الأرقام الديون المستحقة على الشركات المرتبطة بالحكومة، أو الاقتراض والتمويلات المقدمة من مصرف البحرين المركزي.
وبلغت مدفوعات فوائد الديون البحرينية 2.8 مليار دولار عام 2025، ما يعادل 37% من الإيرادات السنوية. وتشير تقديرات ميزانية عام 2026 إلى أن هذه التكاليف سترتفع لتصل إلى 3.1 مليارات دولار هذا العام، بينما خسرت البحرين أكثر من نصف احتياطياتها من النقد الأجنبي منذ مارس، بحسب “بلومبرج”.
ديفيد ستيوارت كبير الاقتصاديين في مؤسسة “أكسفورد إيكونوميكس”، قال إن التزامات السداد على المدى القريب تظل ضمن النطاق الذي يمكن إدارته، كما أن الحكومة لا تزال قادرة على الاقتراض من الأسواق الدولية؛ إلا أن أسلوب تمويل العجز المالي يؤدي إلى إضعاف “الهوامش المالية” للبلاد.
وفقا لستيوارت: “لا تزال البحرين قادرة على الوصول إلى الأسواق الدولية، وإن كان ذلك بتكلفة باهظة، لكن بعد هذا العام، سيصبح الوضع أكثر صعوبة؛ إذ ستشهد المالية العامة مزيداً من التدهور خلال الأشهر الستة المقبلة، فقيود الإنتاج وصادرات النفط ستضغط على الإيرادات، في حين تتزايد تكاليف الاقتراض”.
تخفيض التصنيف الائتماني
وخفضت وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني تصنيف البحرين بسبب المستوى المرتفع للغاية للدين الحكومي مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، والذي رجحت أن يستمر في الارتفاع، بينما رفعت وكالة “إس أند بي” توقعاتها لعجز الموازنة في البحرين من 7.6% إلى 8.4% من الناتج المحلي الإجمالي، بناءً على تقديرات بمتوسط إنتاج نفطي يبلغ 130 ألف برميل يومياً.
وبلغ متوسط إنتاج النفط 44 ألف برميل يومياً فقط في الربع الثاني، ونحو 66 ألف برميل يومياً في شهري يوليو وأغسطس، وهو انخفاض عن مستوى 179 ألف برميل يومياً المسجل في عام 2025، وفقاً لتقرير سوق النفط الشهري الصادر عن منظمة “أوبك” الذي يشير إلى أن العجز سيتجاوز على الأرجح التقديرات المعدلة التي وضعتها وكالة “إس أند بي”.
ومع مساهمة قطاع الهيدروكربونات بنسبة 15% من الناتج المحلي الإجمالي، وتشكيله نحو نصف الصادرات والإيرادات الحكومية، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبحرين بالربع الأول بنسبة 3.8% على أساس سنوي، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى تراجع “الأنشطة النفطية” بنسبة 37%.
بحسب خبراء، فإن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في البحرين- التي قدرت “فيتش” أنها بلغت 147% في العام الماضي- قد تتجاوز 200% هذا العام إذا لم تتعافَ صادرات النفط، بينما ترى “أكسفورد إيكونوميكس” أنه يتعين على البحرين تحسين رصيدها الأولي، أي الفرق بين الإيرادات الحكومية والنفقات، باستثناء مدفوعات الفوائد بهدف تخفيف عبء ديونها.
وحثّت فيتش الحكومة على تنفيذ الإصلاحات التي أُعلن عنها في ديسمبر الماضي، بما في ذلك خفض الإنفاق الإداري بنسبة 20% وفرض ضريبة على دخل الشركات، رغم أن القيام بذلك في ظل حالة الركود سيكون أمرًا صعباً، وقد يتطلب بيع أصول، أو الحصول على تمويل خليجي بتكلفة أقل، بدلاً من الاقتراض من الأسواق.
ارتفاع كبير في السندات
المقدمات كانت تشير للأزمة في البحرين منذ يونيو الماضي، حينما أصدرت سندات لأجل 10 سنوات بقيمة مليار دولار، وبسعر فائدة كوبون بلغ 7.1%. وبحلول 18 سبتمبر وصل العائد على هذه السندات إلى 8.3%.
ووفقاً لنديم أماتوري، مدير أبحاث الائتمان في شركة “أرقام كابيتال” بدبي، واتسع فارق العائد على ديون البحرين ليصل لما بين 215 و265 نقطة أساس مقارنة بديون أبوظبي، واصفا القصة بأنها “تدهور مالي”، بعدما ارتفعت تكاليف الاقتراض لتقترب من مستويات عام 2018.
يُظهر مؤشر “بلومبرج” أن علاوة مخاطر البحرين على سندات الخزانة الأمريكية أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، ويتركز الضغط على السندات ذات العائد المرتفع، حيث يتسع الفارق بين عوائد عام 2028 وسندات عام 2035.
تُلحق الحرب الإيرانية أضرارًا بالغة باقتصاد البحرين على جبهات متعددة، مما يُعطل الصادرات، ويُقلص إنتاج النفط الخام، ويُلحق أضرارًا بالبنية التحتية، وتشير التوقعات المتوسطة لاستطلاع أجرته “بلومبرج” إلى انكماش اقتصادي بنسبة 6.6% هذا العام.
حتى قبل النزاع، كانت البحرين من بين أكثر الدول الناشئة هشاشةً من الناحية المالية، فوفقًا لأرقام البنك الدولي، يبلغ عجز الموازنة 10.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ويتجاوز الدين العام 140% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي الدولة الوحيدة في مجلس التعاون الخليجي المصنفة ضمن فئة “غير الاستثمارية” من قبل وكالات التصنيف الائتماني الرئيسية الثلاث “ستاندارد آند بورز، وموديز لخدمات المستثمرين، وفيتش”.
ذكريات انهيار 2014
تنتظر البحرين حاليًا دعمًا عاجلاً من الإمارات، التي ستوفر لها حزمة تمويلية لدعم الاحتياطي، دون أن تتحدد قيمتها أو موعدها حتى الآن، ما يعيد ذكريات أزمة انهيار أسعار النفط التي تلت عام 2014 وأثرت على البحرين، وأدت عام 2018 إلى تقديم تعهدات بتقديم دعم مالي تجاوز 10 مليارات دولار من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت.
يشير المستثمرون إلى أن عواصم دول مجلس التعاون الخليجي تتابع على الأرجح هذه الضغوط الأخيرة عن كثب، بينما يقول فادي جندي، مدير محافظ أدوات الدخل الثابت في شركة “أرقام كابيتال” بدبي، “إن عمليات البيع المكثفة لسندات البحرين المقومة بالعملات الأجنبية (اليورو بوندز) ترتبط بجهة الإصدار ذاتها، وتتجاوز في أثرها حالة الضعف العام التي تشهدها أدوات الدين ذات العائد المرتفع في الأسواق الناشئة”.
ويرى مهدي غلوم، الباحث في مؤسسة أوبزرفر للأبحاث بالشرق الأوسط، أن أمن البحرين واستقرارها الجيو سياسي يُنظر إليه، سواء من جانب الإمارات أو السعودية، باعتباره امتداداً لأمنهما واستقرارهما الخاص، فأي تدهور حاد في الوضع الاقتصادي لن يؤدي إلا إلى زيادة مخاطر عدم الاستقرار في البحرين، وهو ما قد تكون له تداعيات على جيرانها.
تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أنه قبل حزمة الإنقاذ عام 2018، كانت احتياطيات العملة الصعبة تكفي لتغطية واردات غير نفطية لمدة 1.5 شهر فقط.
وفي يناير الماضي، قدّر الصندوق أن الاحتياطيات تغطي ما يزيد قليلاً عن شهرين من الواردات غير النفطية. وإذا واصلت العوائد ارتفاعها، فقد تزداد الحاجة الملحة لتوفير شبكة أمان خليجية.
وفقا للصندوق فإنه على الدول أن تكون على أهبة الاستعداد لحماية الاستقرار المالي في ظل المخاطر السلبية.
وينبغي على الجهات الرقابية المالية مواصلة مراقبة سيولة البنوك وظروف التمويل، وجودة الأصول في القطاعات الأكثر عرضة للنزاع- السياحة والنقل والأنشطة التجارية- والروابط السيادية المصرفية، لا سيما في البحرين حيث يرتفع الدين العام.
معضلة الاستيراد من الخارج
معضلة البحرين في أنها دولة مستوردة لمنتجات أساسية فإجمالي وارداتها بلغ نحو 2.682 مليار دينار بحريني خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026
عام 2024، تمثلت أهم صادرات البحرين في: النفط المكرر (5.49 مليارات دولار)، والألمنيوم الخام (3.56 مليارات دولار)، وخام الحديد (1.68 مليار دولار)، وأسلاك الألمنيوم (642 مليون دولار)، والتوربينات الغازية (551 مليون دولار).
في عام 2024، تمثلت أهم واردات البحرين في: خام الحديد (1.37 مليار دولار)، وأكسيد الألمنيوم (1.3 مليار دولار)، والسيارات (1.1 مليار دولار)، والسفن ذات الأغراض الخاصة (717 مليون دولار)، ومركبات بحرية أخرى (583 مليون دولار)، كما كانت البحرين أكبر مستورد لـ “فحم الكوك القاري في العالم (201 مليون دولار)، ما يعني أن الدولة الخليجية تعتمد في المقام الأول على للنفط الذي لا تستطيع تصديره ما دام هرمز مغلقًا.
<p>The post البحرين في شباك هرمز.. تداعيات أزمة المضيق تصل للديون وانتظار مساعدة first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360