الترامبية تجتاح أمريكا الجنوبية فهل تنجح في انتخابات نوفمبر؟
هناك شيء يتغير بسرعة في أمريكا الجنوبية. القارة التي بدت قبل سنوات قليلة وكأنها تستعيد الموجة الوردية اليسارية، تتحرك الآن في الاتجاه المعاكس. حكومات يسارية تخسر الانتخابات، وقوى محافظة وشعبوية تصعد، وناخبون كانوا يمنحون اليسار فرصة لإعادة توزيع الثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية، باتوا يضعون الأمن والاقتصاد والهجرة والجريمة في مقدمة أولوياتهم.
هذا التحول لا يحدث بعيدًا عن واشنطن ، فمجلة “الإيكونومست” رصدت في تقرير حديث ما وصفته بتحول أمريكا اللاتينية إلى ما يمكن تسميته “الترامبية”، مشيرة إلى أن سبع دول في المنطقة شهدت انتخابات رئاسية خلال ما يزيد قليلًا على عام، انتهت جميعها بفوز مرشحين يمينيين. وترى المجلة أن سرعة التحول الإقليمي غير مسبوقة، وأن معظم الدول اللاتينية الكبيرة، باستثناء البرازيل والمكسيك، أصبحت تقودها شخصيات إما تتقرب من دونالد ترامب، أو تتبنى أجزاءً من أسلوبه السياسي.
وبصراحة، هذه قراءة تستحق التوقف عندها، لكن بشرط ألا نقع في التبسيط. ترامب لم يُسقط اليسار في أمريكا الجنوبية، الناخبون هم من فعلوا ذلك ، لكن ترامب ساعد في توفير نموذج سياسي جديد لهذا اليمين الصاعد.
المشكلة التي تواجهها حكومات اليسار في القارة هي الأيديولوجيا المفرطة، بخلاف أنها مرتبطة بالحياة اليومية للناخب مثل التراخي مع الجريمة المنظمة، وتجارة المخدرات، والهجرة غير النظامية، والتضخم، وضعف النمو، والبطالة، وتراجع الثقة في المؤسسات السياسية. وحين تصبح هذه القضايا هي ما يراه الناخب كل صباح، تتغير طبيعة السؤال الانتخابي إلى هل تستطيع الحكومة أن تجعلني أكثر أمنًا وأن تحسن وضعي الاقتصادي؟ وهنا وجد اليمين نافذة واسعة.
في الأرجنتين، جاء خافيير ميلي عام 2023 محمولًا على غضب عميق من النموذج الاقتصادي والسياسي الذي حكم البلاد لسنوات. وفي الإكوادور، انتصر دانييل نوبوا في سياق ارتفاع غير مسبوق للجريمة المنظمة ، ثم خسرت قوى اليسار مواقعها في بوليفيا وتشيلي، قبل أن تأتي كولومبيا لتمنح هذا التحول وزنه السياسي الأكبر. وكان انتخاب غوستافو بيترو عام 2022 أحد أبرز رموز عودة اليسار إلى السلطة في القارة، لكن انتخاب أبيلاردو دي لا إسبرييلا في يونيو 2026، ثم توليه الرئاسة في أغسطس، أعاد البلاد إلى المعسكر اليميني، في واحدة من أكثر التحولات دلالة على تغير المزاج السياسي الأمريكي الجنوبي.
وهنا تتكشف “الترامبية”، وهي تعني أن السياسيين في أمريكا اللاتينية لم يصبحوا نسخًا من ترامب. فميلي ليس ترامب، ونوبوا ليس ترامب، وكاست ليس ترامب، ودي لا إسبرييلا ليس ترامب . لكن هناك لغة سياسية مشتركة بدأت تتسع؛ وهي قوة الدولة بدل التفاوض الطويل، والأمن بدل التسويات، والحدود بدل الهجرة المفتوحة، ومواجهة الجريمة بدل الاكتفاء بتفسير أسبابها الاجتماعية، والهجوم على النخب السياسية التقليدية، والتعامل مع المخاوف الشعبية بجدية كحقائق سياسية تحتاج إلى معالجة طويلة الأمد.
إذا استطاع ترامب أن يقول للناخب الأمريكي إن الهجرة غير النظامية تهدد الدولة، فلماذا لا يستطيع السياسي الكولومبي أو التشيلي أو البيروفي أن يقول الشيء نفسه؟ وإذا استطاع أن يجعل الأمن والحدود والهجرة محورًا للحملة الانتخابية ويفوز بطريقة غير مسبوقة، فلماذا يبقى السياسي اللاتيني أسير الخطاب التقليدي لليسار؟
قصة اليمين في أمريكا الجنوبية لا تنتهي عند حدود القارة. فهناك سؤال آخر ننتظر إجابته في نوفمبر المقبل، هل يستطيع دونالد ترامب أن يحافظ على الأغلبية الجمهورية في الكونغرس، أم أن الناخب الأمريكي سيبدأ بدوره في عكس الاتجاه؟
الجمهوريون يدخلون انتخابات التجديد النصفي بأغلبية ضيقة في مجلس النواب، فيما يحتفظون بأغلبية تعتبر مريحة في مجلس الشيوخ. لكن المعركة ليست محسومة، والديمقراطيون يملكون فرصة حقيقية لاستعادة مجلس النواب. وهنا يصبح السؤال الأمريكي جزءًا من القصة نفسها.
إذا حافظ ترامب والجمهوريون على الأغلبية في الكونغرس، فسيكون ذلك مؤشرًا مهمًا على أن التحول السياسي الذي نشهده في الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية كاتجاه سياسي قادر على الاستمرار وإعادة تشكيل السياسات الداخلية والخارجية لسنوات طويله، وهو ما يجب أن تنتبه له دول المنطقة.
أما إذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب، أو تمكنوا من انتزاع السيطرة على الكونغرس، فقد تبدأ قراءة مختلفة تمامًا. عندها قد يتبين أن صعود اليمين لا يعني بالضرورة أن الناخب الغربي أصبح يمينيًا بصورة دائمة، وإنما كان يعاقب الحكومات القائمة عندما يفشل الاقتصاد ويضعف الأمن وتتراجع الثقة بالمؤسسات.
المصدر: العربية – سياسة





