التطبيع الأمريكي- الإريتري: إنجاز للوساطة المصرية
رجوعملخص الخبر
- رفع واشنطن بعض العقوبات عن إريتريا ضمن مساعي احتواء التوتر مع إثيوبيا.
- تسعى مصر للوساطة بين واشنطن وأسمرة لتخفيف العقوبات على إريتريا.
- خطوة رفع العقوبات قد تعكس تنسيقًا أمريكيًا-إريتريًا في ملفات إقليمية مثل السودان والبحر الأحمر.
- إثيوبيا تنظر بقلق إلى التقارب الأمريكي-الإريتري بسبب تأثيره على ملفات إقليمية مثل مياه النيل
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
اتخذت واشنطن مؤخرا قرارا برفع بعض العقوبات عن الحزب الحاكم والجيش في إريتريا، وهي خطوة ربطها مراقبون بمساعيها لاحتواء التصعيد المتزايد في التوتر بين إريتريا وإثيوبيا، بالتزامن مع تصاعد الاضطرابات الداخلية في إثيوبيا، التي تظل بدورها– وفقًا للرؤية الأمريكية التقليدية– الدولة الأهم في استقرار القرن الإفريقي.
كما لا يمكن إغفال صلة هذا التطور بالمواقف «المتزنة» التي تتبناها إريتريا تجاه الأزمة في جنوبي البحر الأحمر، لا سيما أنها تتسق مع رؤية واشنطن تجاه السعودية في المرحلة الراهنة، فضلًا عن الدور الإقليمي لأسمرة في ملفات مثل السودان وأمن البحر الأحمر.
وفي ضوء التقارب المصري- الإريتري الملحوظ في شتى المجالات ذات الاهتمام المشترك، تراقب القاهرة بترحيب كبير الخطوة الأمريكية، التي يُتوقع أن تصب على المدى البعيد لصالح الاستقرار الإقليمي.
رفع العقوبات الأمريكية: ما الجديد؟
أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 18 سبتمبر رفع العقوبات التي كانت واشنطن تفرضها على قوات الدفاع الإريترية، والجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة (FPDJ)، الحزب الحاكم، إلى جانب كيانات أخرى وثيقة الصلة بالحكومة، فضلًا عن مسؤولين اثنين من كبار المسؤولين الحكوميين.
كما قرر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) إبطال الإجراءات العقابية المفروضة منذ عام 2021 على كيانات اقتصادية تمتلك شركات تابعة للحزب الحاكم، والتي سبق أن أُدرجت على قوائم العقوبات على خلفية اتهامات بالاضطلاع بأنشطة أسهمت في تأجيج الأزمة في شمالي إثيوبيا.
وهو ما يدفع إلى ربط الخطوة الأمريكية، في أحد أبعادها، بمساعي احتواء الأزمة الراهنة في إثيوبيا.
إلا أن تقارير محلية قدمت قراءة مغايرة نسبيًا لطبيعة الخطوة؛ إذ أشارت إلى أن العقوبات المفروضة في عام 2021 كانت قد انتهت آجالها رسميًا، مع التأكيد على أنها لم تكن عقوبات شاملة على إريتريا كدولة، وإنما استهدفت، وفق توصيف وزارة الخزانة الأمريكية آنذاك، أربع مؤسسات إريترية وفردين على خلفية دورهم في الصراع بإقليم تيجراي.
كما أن القرار التنفيذي رقم 14046 استهدف «فاعلين ساهموا في الأزمة».
وبناءً على هذه القراءة، فإن قرار 18 سبتمبر لم يمثل رفعًا شاملًا للعقوبات عن إريتريا بقدر ما أنهى إطار العقوبات المرتبط بالأزمة الإثيوبية بعد انتهاء مدته القانونية.
ومن ثم، لا يعني ذلك إلغاء جميع القيود الأمريكية المفروضة على إريتريا.
ورأت تلك التقارير أن الخطوة الأمريكية جاءت «بالرغم من تعميق إريتريا صلاتها مع الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، قبل أشهر من إعلان قيام تحالف الحركات المسلحة السبعة في سبتمبر»، وهو ما يطرح مؤشرات تبدو متناقضة في السياسة الأمريكية تجاه القرن الإفريقي.
غير أن هذه التناقضات قد تبدو أكثر قابلية للفهم عند وضعها في سياق النهج الأمريكي التقليدي في التعامل مع الإقليم على مدى العقود الماضية، والذي يقوم على الإبقاء على مساحة من الهشاشة الإقليمية «عند حدود معينة» تسمح لواشنطن بالحفاظ على أدوات تأثيرها والتعامل مع أزمات المنطقة.
في المقابل، تشير قراءة إفريقية أخرى، نشرتها Africa Report في 20 سبتمبر 2026، إلى أن امتناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تمديد العقوبات يمثل عمليًا، نهاية للإجراءات العقابية المرتبطة بها، وقد يعكس مستوى من التنسيق والتقارب بين واشنطن وأسمرة.
وتستند هذه القراءة، من بين مؤشرات أخرى، إلى تمرير خطوة «رفع» العقوبات في ظل غياب اعتراض أو موقف أمريكي علني واضح بشأن الصراع في إثيوبيا وموقع إريتريا وعلاقاتها الإقليمية.
التقارب الأمريكي- الإريتري: العامل الإثيوبي
بينما لا تزال نتائج خطوة واشنطن رفع العقوبات عن كيانات وشخصيات إريترية غير واضحة تمامًا، جرت مياه كثيرة في أواخر سبتمبر تؤشر إلى تعقيد فائق في المشهد في القرن الإفريقي، وفي قلبه موقف إثيوبيا من أي تقارب بين واشنطن وأسمرة. ومن بين ذلك ما أعلنت عنه مجموعات إريترية في إسرائيل ودول أخرى من تكوين ما تعرف “بجبهة الثورة الزرقاء” لإطلاق حراك من أجل إسقاط نظام أسياس أفورقي.
في المقابل، اتهم قائد الجيش الإثيوبي برهانو جولا “قوى خارجية” بدعم التحالف الجديد المعارض لحكومة آبي أحمد، وأن هذا التحالف بين جماعات المعارضة المسلحة السبع “نسخة جديدة من المشروع الذي طالما دعمته القوى الخارجية” ضد بلاده.
وإذا أضفنا إلى هذه التطورات اصطفاف إريتريا في ترتيبات إقليمية متصاعدة، تهدف لمواجهة ما وصفته أسمرة بالتحالف الإسرائيلي- الإثيوبي- الإماراتي في البحر الأحمر، فإن لإثيوبيا أن تنظر بقلق كبير لأي تقارب أمريكي- إريتري، وتجاوز خطوة “رفع” العقوبات أو عدم تمديدها إلى تنسيق أكبر بين البلدين، لأن ذلك يعني فعليًا تفهمًا أمريكيًا لمخاوف “محور القاهرة- أسمرة”، وانعكاسات ذلك الواضحة على كافة تطلعات إثيوبيا في البحر الأحمر وفي ملف مياه النيل والعديد من الملفات الإقليمية مثل السودان والصومال.
كما ترى أديس أبابا أن توقيت انهاء العقوبات الأمريكية السابقة تصادف مع تصعيد جماعات مسلحة “ترى أنها مدعومة من إريتريا”.
وهذا يفرض ضغوطًا على أديس أبابا؛ كما يرفع من سقف مخاوفها من حدوث توتر مع واشنطن، على الأقل نظريًا، ويرفع من احتمالات انفلات التوتر الداخلي الحالي إلى مرحلة حرب أهلية جديدة.
ويواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتهامات متصاعدة بتجاهل تجدد الصراع في إقليم التيجراي، ومع خطوة عدم تجديده للعقوبات على إريتريا، يشير إلى عدم اكتراث بالوضع الحالي في شمالي إثيوبيا والاحتمالات المتزايدة بتجدد حرب 2020-2022 وفي نطاقات أوسع.
كما يظل العامل الإثيوبي في خطوة “تطبيع العلاقات الأمريكية الإريترية” حاضرًا بقوة وبشكل مباشر من جهة دلالة الخطوة توقيتًا ومضمونًا، وما يمكن أن تمثله من ضغط أمريكي تقليدي، وتكتيكي على نظام آبي أحمد لضبط سياساته الداخلية والخارجية بشكل يتسق تمامًا مع رؤية واشنطن.
أهداف الوساطة المصرية
سعت مصر منذ ربيع العام الحالي، إلى بذل أقصى جهودها لإنجاح الوساطة بين واشنطن وأسمرة؛ وتجلى ذلك في إبريل 2026 بترتيب القاهرة لقاء بين مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي ووفد إريتري رفيع المستوى “من أجل المساعدة في تخفيف العقوبات الأمريكية على إريتريا أو رفعها”، فيما وصف بالاختراق الأبرز في هذا الملف منذ العام 2021.
وبالرغم من تأكيد تقارير متفرقة أن الوساطة المصرية تستهدف في المقام الأول “محاصرة إثيوبيا” فإن طبيعة النشاط الدبلوماسي المصري في القرن الإفريقي، لا سيما منذ العام 2024 وبداية ولاية جديدة للرئيس عبد الفتاح السيسي، وحجم التنسيق مع واشنطن، يكشفان استبعاد هذا التحليل كتفسير وحيد للوساطة على أقل تقدير.
ويمكن ملاحظة أسباب وساطة القاهرة في ضوء أهداف عدة إقليمية لا تقتصر على نقاط الخلاف المصري الإثيوبي، فالقاهرة تسعي إلى ترتيبات أمنية إقليمية متكافئة في البحر الأحمر، والتي تتسق مع التفاهمات المصرية الأمريكية في الإقليم، وتترجم في تنسيق عسكري كبير بين البلدين لتأمين طرق الملاحة البحرية، ويعد الجانب الإريتري ضمن ركائز استكمال هذه المساعي.
وثانيا، يحمل التفاهم المصري والأمريكي حول دور إريتريا في مواجهة تهديدات الأمن في البحر الأحمر، وفي ظل احتمالات انفلات الأوضاع إلى حرب مستدامة بين الحوثيين والسعودية، وما يعنيه ذلك من تداعيات أمنية وإنسانية مكلفة في دول القرن الإفريقي، ومن ثم، فإن التقارب الأمريكي- الإرتيري يمثل خطوة في هذا المسار، وتعتبره القاهرة رافعة تساهم في تحقيق الاستقرار في ملفات أخرى، مثل الأزمة في السودان، وتهديدات تفكك الدولة في الصومال، ثم تحقيق نوع من التعاون الإقليمي.
ثالثا، تدرك القاهرة حرص الولايات المتحدة على عدم تصاعد التوتر الداخلي في إثيوبيا، إضافة إلى السماح بأي دور “منفلت” لإريتريا في هذا المسار، ومن ثم، فإن التقارب الأمريكي- الإريتري يصب في صالح تعزيز الاستقرار الإثيوبي.
ذلك مع الأخذ في الاعتبار الدعم الإريتري لنظام آبي أحمد في أكثر من محطة وأبرزها حرب التيجراي (2020-2022)، والذي لم يتوقف عند تسخير مقدرات عسكرية لإسناد القوات الفيدرالية الإثيوبية، بل امتد إلى تسخير مقدرات دول أخرى مثل الصومال من أجل الغاية نفسها، وهو أمر ظل يحظى بعرفان أمريكي مهم.
رابعا، يكشف تنوع أجندة اللقاء الهام بين وزيري خارجية مصر وإريتريا على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك (25 سبتمبر) عن عمق التنسيق بين البلدين في قضايا العلاقات الثنائية والوضع في الإقليم، ولا سيما في السودان والصومال، ما يدفع للاعتقاد بأن الوساطة المصرية في مسار التطبيع الأمريكي- الإريتري تأتي في المقام الأول تعبيرًا عن مستوى هذه العلاقة بين القاهرة وأسمرة .
ويمكن القول إن وساطة القاهرة كانت مثمرة للغاية، وأنها تأتي في سياق دعم التعاون والاستقرار الإقليميين وليس في سياق “محاصرة” إثيوبيا، حسب الدعايات والتصورات الرائجة، وكذلك بعض التقديرات المصرية التي لا تتسم بالشمول والدقة، وتفهم حقيقة مخاوف مصر في الإقليم، والتي نالت– بدورها- قدرًا كبيرًا من الاهتمام البحثي الإثيوبي في قراءة مواقف المؤسسات المصرية لكنها مبتسرة وتتصف بالديماجوجية “الغوغائية”.
في المحصلة؛ تظل خطوة رفع العقوبات الأمريكية هامة في مسار تطبيع العلاقات الأمريكية- الإريترية، يتوقع أن تتبعها خطوات أخرى في المستقبل القريب، وربما تمثل إنجازًا مهمًا لدبلوماسية الوساطة المصرية، دون أن تكون مثل هذه الخطوة بالضرورة أو بشكل عمدي- موجهة ضد “دولة ثالثة”.
لكن التطورات المتسارعة، واحتمال انزلاق إثيوبيا وإريتريا في حرب مباشرة في المستقبل القريب، وما تصفه منافذ إعلامية غربية من “حرب عالمية إفريقية” جديرة بالنظر وذلك لاصطفافات البلدين بين القوى الإقليمية ذات المصالح المتناقضة أشد التناقض، وهو ما يعظم من أهمية هذه الخطوة، وربما قراءتها في سياقات تداعي سياسات الاحتواء الأمريكية في القرن الإفريقي.
<p>The post التطبيع الأمريكي- الإريتري: إنجاز للوساطة المصرية first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360