التنوّع في الوحدة
أجرى أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة «واترلو»، في كندا، «إيغور غروسمان»، دراسةً ميدانيةً للإجابة عن السؤال التالي: هل صحيح أن التقدّم في العمر يترافق دائماً مع تقدّم في الحكمة؟شملت الدراسةُ مجموعتين مختلفتين من الطلاب: المجموعة الأولى من طلاب أميركيين، والمجموعة الثانية من طلاب يابانيين.
أُقيمت الدراسةُ على ست قواعد هي:
القاعدة الأولى: الإرادة للبحث عن فرصة
القاعدة الثانية: الإرادة لحلّ المشكلة أو لإنهاء الصراع
القاعدة الثالثة: الإرادة للبحث عن حل أو تسوية
القاعدة الرابعة: الاعتراف بأن للمعرفة الشخصية حدوداً أي أنها ليست معرفة مطلقة
القاعدة الخامسة: الاعتراف بأن لكل مشكلة أو أزمة أكثر من وجه، وأكثر من مدخل للمقاربة
القاعدة السادسة: الإدراك بأن الأمور المختلَف عليها قد تزداد سوءاً قبل أن تجد حلاً
يختلف المجتمع الأميركي عن المجتمع الياباني من حيث التكوين الثقافي أو الديني. فالمجتمع الأميركي متعدّد الإثنيات والأعراق والأديان. ويتميّز المجتمع الياباني بالوحدة الإثنية والعقائدية. المجتمع الأميركي مجتمعات، والشخصية الفردية فيه عنصر أساسي في تكوينه.. أما الياباني فمجتمع واحد، فرداً وجماعة.
ولذلك فإن تعامل المجتمعيْن مع القواعد الست لم يكن تعاملاً متناسقاً، كما كشفت الدراسة، بل إنه بدا في كثير من الحالات متناقضاً أو متبايناً.
وأهمّ ما كشفته الدراسة هو أن القاعدة العامة في المجتمع الأميركي تقول بأن التقدّم في العمر يؤدي إلى المزيد من الحكمة، بينما تقول القاعدة العامة في المجتمع الياباني إن الحكمة تبدأ مع الطفولة. المجتمع الأميركي في تعدّده الإثني والديني هو مجتمع مكتسب للحكمة. والمجتمع الياباني في وحدته وتناسقه وتكامله الذاتي أسرع استيعاباً للحكمة الجماعية. فهو يتكوّن معها وينمو بها ومعها، أو هي تنمو به ومعه أو تزداد انغراساً في شخصيته الجماعية منذ الطفولة.
وبيّنت الدراسةُ أن الأميركي في سنّ الخامسة والعشرين حصل على 45 نقطة في سلّم الحكمة، وأنه في سنّ الخامسة والسبعين حصل على 55 نقطة.
وبيّنت الدراسة أيضاً أن الياباني في سنّ الخامسة والعشرين حصل على 51 نقطة.. وأن هذه النسبة لم تتغيّر مع بلوغه سنّ الخامسة والسبعين.
تخرج الدراسة بالاستنتاج العام التالي:
المجتمع المتعدد يحتاج إلى المبادرات الفردية، بينما يحتاج المجتمع المتجانس (أو الممزّق) إلى مبادرات جماعية.
وفي الحالتين تؤكد الدراسةُ على تعميم ثقافة عدم احتكار الحقيقة.. وتخطئة الآخر وإدانته لمجرد الاختلاف معه.
تلتقي نتائج هذه الدراسة مع مبادئ كونية يقول بها الإسلام:
المبدأ الأول هو أن الله سبحانه وتعالى خلق الناسَ جميعاً من نفس واحدة.
المبدأ الثاني هو أن الله خلق الناس مختلفين، وليكونوا مختلفين حتى يوم الدين.
المبدأ الثالث هو أن الإنسان مكرَّم لذاته الإنسانية.
تشكل هذه المبادئ الثلاثة، القاعدة الكلية لوحدة الإنسانية على تعدّدها الإثني وتنوّعها الثقافي والاجتماعي.. إنه تنوّع في الوحدة.
نقلاً عن الاتحاد
المصدر: العربية – سياسة





