التوقيت الميسر من ريادة الإنصاف إلى صون الشهادة الوطنية انطلاقا من تجربة جامعة محمد الخامس بالرباط
يتجدد منذ سنوات جدل حول إقرار رسوم للتكوين الأساسي وفق صيغة « التوقيت الميسر »، لفائدة موظفي القطاعين العام والخاص ومستخدميهما وأجرائهما، ويقدم هذا الإجراء أحيانا وكأنه تراجع عن مبدأ مجانية التعليم العالي العمومي. غير أن هذا الاستنتاج متسرع لا يستقيم مع الواقع القانوني، ولا مع طبيعة التكوين المقصود، ولا مع ما قدمته الجامعة فعلا من تسهيلات لهذه الفئة حتى قبل توحيد الرسوم على الصعيد الوطني، بحيث تعد تجربة جامعة محمد الخامس بالرباط أطول التجارب وأعمقها وطنياً في هذا المجال.
ما يجب توضيحه في هذا الصدد أن مجانية التكوين الأساسي لم تمس؛ فالطالب الذي يتابع دراسته وفق التوقيت العادي ما يزال مستفيدا منها كما كان الشأن دائما، ولم تلغ رسوم التوقيت الميسر هذا الحق ولم تزاحمه ولم تحل محله. فهذه الصيغة، لم توضع أصلا لهذا الطالب المتفرغ، وإنما لفئة أخرى توجد في وضعية مهنية مختلفة وهي الموظف والأجير والمستخدم المندمج أصلا في سوق الشغل، الذي سبق له في الغالب الحصول على شهادة جامعية، ثم اختار بعد سنوات من الممارسة المهنية، العودة إلى الجامعة لاستكمال مساره، تجسيدا لمبدأ التكوين مدى الحياة الذي غدا من مرتكزات أنظمة التعليم العالي الحديثة.
فجامعة محمد الخامس بالرباط لم تنتظر النقاش الراهن لتبني هذا المسار، فهي سابقا أطلقت، منذ الموسم الجامعي 2015/2016 وفي إطار مقاربتها للجودة في التعليم العالي، تجربة رائدة على الصعيد الوطني عبر تكوينات أساسية في توقيت ميسر لفائدة الطلبة الموظفين والأجراء، بموجب قرار مجلس الجامعة رقم 2016/39 المؤرخ في 28 يونيو 2016، مستندة إلى أساس قانوني متين وهو القانون رقم 01.00 لتنظيم التعليم العالي الذي يكرس تكافؤ الفرص في الولوج وينيط بالجامعات مهمةَ التكوين الأساسي وتنظيم التكوين المستمر لفائدة العاملين وغيرهم، بالإضافة الى الميثاق الوطني للتربية والتكوين لسنة 1999، والقانون الإطار رقم 51.17 الذي يجعل التعلم مدى الحياة وتثمين الرأسمال البشري من غاياته، فضلا عن المنشور الوزاري رقم 1494 لسنة 2015 الذي حث على تيسير تسجيل الموظفين. ثم جاء القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، ليكرس وطنيا هذه الخبرة المتراكمة، إذ تجيز مادته 81 تنظيم تكوينات أساسية مؤدى عنها في توقيت ميسر، مع تمييز واضح بين الشهادة الوطنية وشهادة التكوين المستمر التي يجب أن تحمل هذه العبارة صراحة؛ ليخلص من ذلك إلى أن الجامعة لم تخالف نصا، بل سبقت الإصلاح الذي كرس تجربتها.
وتنبع الحاجة إلى هذه الصيغة من مفارقة بسيطة، إذ لا يتصور، لا عمليا ولا مؤسساتيا، أن يكون الموظف حاضراً في مقر عمله وفي قاعة الدرس في الوقت نفسه، فالإدارة تحتاج إلى انتظام موظفيها، والمقاولة لا تطيق تكرار غياب أجرائها، والجامعة لا تبني تكوينا جادا على الحضور المتقطع الموسوم بغيابات متكررة وأحيانا طويلة، ومن هذا التعارض ولدت فلسفة التوقيت الميسر القائمة على مبدأ واضح وهو الحفاظ على العمل في وقته، والدراسة في وقتها.
غير أن هذه المرونة في الزمن لا تعني بحال من الاحوال مرونة في المستوى، فالتكوين في هذه الصيغة ينجز في احترام تام لدفاتر ضوابط الاعتماد الاكاديمي، كالتأطير من الفريق البيداغوجي نفسه الذي يدرس في التوقيت العادي، والحجم الساعي النظامي، ومعايير التقييم ذاتها، ويجتاز طلبتها الامتحانات في الشروط والمستويات نفسها، ويحصلون على الشهادة الوطنية عينها التي يحصل عليها زملاؤهم في التكوين الاعتيادي، مع تنظيمٍ زمني يراعي الالتزام المهني من الإثنين إلى الجمعة مساء وصباح السبت، فما يتغير بنظام التوقيت الميسر هو ساعة انطلاق الدرس، لا مستواه ولا قيمة الدبلوم.
وللإشارة فبكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالسويسي وحدها، في موسم 2024 تابع فيها أزيد من 1400 طالب في الإجازة و1180 في الماستر و300 في الدكتوراه، فيما ناهز مجموع خريجيها في هذه الصيغة نحو ستة آلاف خريج ما بين 2020 و2024، بمعدل يتجاوز ألفا ومائتي خريج سنويا وتعني هذه الأرقام، عملياً، أن آلافا من المهنيين استكملوا تكوينهم وحصلوا على شهادات وطنية دون أن يتخلوا عن أعمالهم، ودون أن يزاحموا الطلبة المتفرغين على مقاعدهم، بما يخفف الضغط على الطاقة الاستيعابية ويخدم العدالة وتكافؤ الفرص بين الفئتين.
وفي امتداد هذه التجربة نرى أن توحيد رسوم التوقيت الميسر على الصعيد الوطني ابتداء من الموسم المقبل، ليس مساس بالمجانية، بل تنسيق وطني يضمن معاملة متكافئة بين مختلف الجامعات ويعمم فلسفة اختبرتها جامعة محمد الخامس على مدى عقد، كما يبقى جوهر المسألة ثابتا، الا وهو شهادة وطنية واحدة، ومعايير نجاح موحدة وصارمة.
لا تنحصر قيمة هذا القرار، في تنظيم الحاضر، بل في ما ينتظر أن يترتب عنه من آثار تتراكم على المديين المتوسط والبعيد، اذ أن توحيد الرسوم ينهي التفاوت بين الجامعات ويرسي قدرا من الوضوح والقابلية للتوقع، إذ يعرف المهني منذ لحظة التسجيل طبيعة تكوينه وقيمة شهادته والآثار المترتبة عنها، فلا يكتشف حدودها بعد فوات الأوان كما كان يحدث في نموذج التكوين المستمر السابق، وهذا الوضوح نفسُه يمنح المؤسسات الجامعية أفقا للتخطيط وتدبير مواردها، ويتيح توجيه ما يحصل منها نحو تجهيز المختبرات وتحديث البنيات وتحسين الخدمات، بما يجعل الرسوم رافعة للجودة لا مجرد مورد.
كما يرسخ هذا التوجه صلة الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي، فهو يتيح للموظفين والأطر أن ينجزوا أبحاثا مرتبطة بإشكالات حقيقية تواجه إداراتهم ومقاولاتهم وقابلة للاستثمار في تطوير أدائها، بل يمكن، في الحالات التي يسمح بها الإطار المعمول به، أن تسهم المؤسسات والمقاولات في تمويل هذه الأبحاث التي تخدم حاجاتها، فيتحول التكوين مدى الحياة من منفعة فردية إلى استثمار مؤسساتي ومجتمعي.
وعلى المدى الأبعد، فإن تمكين آلاف المهنيين سنويا من تطوير كفاءاتهم والحصول على شهادات وطنية يغني الرأسمال البشري للوطن ويقوي مجتمع المعرفة الذي يجعله القانون الإطار غاية صريحة، ويساير التحولات المتسارعة التي تفرضها الرقمنة وتغير المهن، كما أن عودتهم إلى الجامعة محملين بتجربة ميدانية توسع قاعدةَ البحث العلمي بأسئلة نابعة من الممارسة، فترفع من مردودية الإنتاج العلمي وتعزز موقع الجامعة في التصنيفات الدولية.
لهذا يجتمع لهذا القرار، بعد إنصافي يوسع الولوج، وبعد تنموي يخدم سوق الشغل والإدارة والمقاولة، وبعد يضمن استدامة الجامعة العمومية في مواجهة الضغط الديموغرافي والمالي، شريطة أن يقترن التنزيل بحكامة شفافة وتقييم منتظم يبين أوجه صرف الموارد وأثرها الملموس في الجودة والبحث.
ان منظومة التعليم العالي والبحث العلمي ينبغي أن تبقى بمنأى عن التجاذبات الظرفية، فمن المؤسف، أن يتحول كل إصلاح جامعي إلى مادة للمزايدة، في حين أن الغاية الحقيقية هي الارتقاء بالجودة وخدمة المصلحة العليا للوطن. فالطلبة الذين يتابعون تكوينهم اليوم هم أطر الغد وباحثوه وصناع قراره، والاستثمار في تكوينهم استثمار في الثروة الحقيقية لأي أمة، ولذلك تستحق الجامعة المغربية، نقاشا مسؤولا يحتكم إلى الوقائع والأرقام والمصلحة العامة لا إلى الأحكام المتسرعة غايته واحدة وهي صون المجانية حيث يجب أن تبقى، وحماية قيمة الشهادة الوطنية، وتمكين كل فئات المجتمع من حقها في تعليم عال ذي جودة يواكب التحولات ويخدم التنمية الشاملة للوطن.
المصدر: اليوم 24



