الجزائر والإمارات| ما وراء القطيعة الدبلوماسية
في 10 سبتمبر/أيلول، أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، معلنة أنها استنفدت كافة محاولاتها للحفاظ على العلاقة، ومتهمة أبوظبي بسلسلة من الأعمال الاستفزازية والعدائية. وكالعادة، جاء الرد الإماراتي بالنفي والاستغراب، إذ أعلنت أبوظبي أملها في أن يكون القرار الجزائري مؤقتاً وأن يحافظ البلدان على علاقاتهما بين الشعبين.
وتظهر مواقف الطرفين تبايناً واضحاً في تفسير مسار العلاقة. فبحسب وزارة الخارجية الجزائرية، وصلت التصرفات الإماراتية إلى نقطة لم يعد من الممكن معها اعتبارها مقبولة أو قابلة للتحمل، وبعد استنفاد جميع الوسائل للحفاظ على العلاقات قررت الجزائر قطعها. لكن اللافت أن الجزائر لم تعلن الواقعة أو السبب المباشر الذي أدى إلى اتخاذ القرار، وهو ما يجعل التوقيت أكثر أهمية من البحث عن حادثة واحدة باعتبارها سبباً منفرداً.
فالقطيعة تبدو أقرب إلى تتويج لمسار طويل من التوترات التي تراكمت حول ملفات متعددة، بعضها في شمال إفريقيا، وبعضها في الساحل، وبعضها يمتد إلى ليبيا والسودان والشرق الأوسط. ولهذا فإن فهم القرار يحتاج إلى النظر إلى هذه الملفات باعتبارها أجزاء من صراع أوسع على النفوذ والأمن الإقليمي.
أصل الخلاف في شمال إفريقيا:
تضع الجزائر نفسها تقليدياً كفاعل مستقل في شمال إفريقيا، وتتعامل مع أمن المنطقة باعتباره مرتبطاً بسيادتها ومصالحها المباشرة. وفي المقابل، تبنت الإمارات خلال السنوات الماضية سياسة أكثر نشاطاً في بناء التحالفات والشراكات السياسية والأمنية والاقتصادية.
أبرز نقاط الاختلاف هي قضية الصحراء الغربية. فالجزائر تدعم جبهة البوليساريو ومبدأ تقرير المصير، بينما دعمت الإمارات موقف المغرب بشأن سيادته على الصحراء الغربية. ولا يمكن فصل هذا الموقف عن العلاقات الجزائريةـ المغربية التي وصلت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 2021.
ومن منظور الجزائر، فإن الدعم الإماراتي للمغرب لا يمثل مجرد موقف من قضية الصحراء، بل يأتي ضمن إعادة تشكيل أوسع للتحالفات في شمال إفريقيا.
فقد أصبحت الإمارات أحد الشركاء المهمين للمغرب، في وقت تعززت فيه العلاقات المغربيةـ الإسرائيلية بعد اتفاقات إبراهام.
وهنا يظهر البعد الأمني بصورة أكبر.
فالجزائر ترفض اتفاقات إبراهام والتطبيع مع إسرائيل، وترى في الاتفاقات الدفاعية والأمنية بين إسرائيل والمغرب تطوراً يمس توازنات الأمن في شمال إفريقيا. ومع وجود دعم إماراتي واسع للمغرب، يمكن أن ترى الجزائر في هذا التقارب امتداداً لنفوذ إقليمي، يقترب من حدودها.
ولا يتوقف الأمر عند الصحراء الغربية.
فقد اتهمت الجزائر في مراحل سابقة وسائل إعلام إماراتية بشن حملات عدائية تتعلق بالهوية الأمازيغية، واعتبرت ذلك محاولة للتأثير على تماسكها الداخلي، كما ظهرت اتهامات بمحاولات شراء واستثمارات في منطقة الساحل الجزائري، إلى جانب اتهامات بدعم حركات انفصالية.
وبالتالي، فإن الخلاف في شمال إفريقيا يجمع بين ثلاثة مستويات: الصراع الجزائري المغربي، والعلاقة الإماراتيةـ المغربية، والتعاون المغربي الإسرائيلي، وهو ما يجعل الجزائر تنظر إلى التحركات الإماراتية من زاوية أمنية تتجاوز العلاقة الثنائية بين البلدين، خاصة في ضوء العلاقات الوثيقة بين إسرائيل والإمارات.
المجال الأمني المباشر للجزائر:
إذا كان شمال إفريقيا يمثل الجذر السياسي للخلاف، فإن الساحل الإفريقي يمثل المجال الأكثر حساسية من الناحية الأمنية.
فالجزائر ترى مالي والنيجر وتشاد وليبيا وغيرها من دول محيطها الجنوبي والشرقي، باعتبارها جزءاً من مجالها الأمني المباشر.
ولذلك فإن اتساع النفوذ الإماراتي في هذه المنطقة يمثل بالنسبة إليها تطوراً لا يمكن فصله عن حسابات الأمن القومي.
الإمارات بنت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية والسياسية والأمنية تمتد من الصومال وإثيوبيا مروراً بالسودان وجنوب السودان وتشاد وليبيا، وصولاً إلى مالي والنيجر.
وفي المقابل، تحاول الجزائر الحفاظ على نفوذها التقليدي في الساحل عبر العلاقات السياسية والأمنية والوساطة.
ويظهر ذلك بوضوح في مالي.
فقد عملت الجزائر خلال 2026 على إعادة بناء العلاقة مع باماكو بعد أزمة دبلوماسية استمرت أكثر من عام، وانتهت بإعادة السفراء وفتح المجال الجوي بين البلدين في يوليو/ تموز.
لكن التطور الأهم جاء في النيجر.
ففي 30 أغسطس/ آب، وبعد محاولة لزعزعة الحكومة في نيامي، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية إرسال أربع مقاتلات Su-30 وطائرة للتزود بالوقود إلى النيجر، استجابة لطلب السلطات النيجرية.
وهذه خطوة شديدة الدلالة لأنها تعكس استعداد الجزائر لاستخدام قدراتها العسكرية بصورة أكثر مباشرة لحماية محيطها الإقليمي.
وهنا يتقاطع الأمر مع التغير في العقيدة العسكرية الجزائرية، التي أصبحت تسمح بهامش أكبر للتدخل خارج الحدود في ظروف محددة.
وبالتالي، فإن الجزائر لا تتعامل مع الساحل باعتباره ساحة نفوذ سياسي فقط، بل باعتباره منطقة أمن قومي.
أما ليبيا، فهي تمثل الجبهة الشرقية.
وترى الجزائر أن استقرار ليبيا يرتبط مباشرة بأمنها الحدودي، بينما ترتبط الإمارات بعلاقات وثيقة مع خليفة حفتر، الذي تعتبره الجزائر عاملاً يمكن أن يساهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي.
وبذلك، تتقاطع المصالح الجزائرية والإماراتية في مساحة جغرافية واحدة تمتد من ليبيا إلى الساحل، مع اختلاف واضح في الأطراف التي يدعمها كل طرف وفي طبيعة النظام الإقليمي الذي يسعى إلى بنائه.
القرن الإفريقي والذهب:
يتوسع هذا التنافس جنوباً وشرقاً ليصل إلى السودان والقرن الإفريقي، فالإمارات طورت خلال السنوات الماضية حضوراً واسعاً في الصومال وإثيوبيا والسودان وجنوب السودان وتشاد، وهو حضور يجمع بين المواني والاستثمارات والتجارة والطاقة والعلاقات السياسية والأمنية.
السودان يمثل هنا ملفاً بالغ الحساسية.
فقد اتهمت السلطات السودانية الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي، لكن الملف أصبح أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على الجدل حول الدور الإماراتي في الصراعات الإفريقية.
كما أن الاتهامات السودانية بشأن الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع أصبحت جزءاً من النقاش الإقليمي حول طبيعة النفوذ الإماراتي في إفريقيا.
وبالنسبة إلى الجزائر، فإن السودان لا يمثل ملفاً بعيداً عنها تماماً.
فهو يقع ضمن شبكة جغرافية تمتد عبر تشاد وليبيا والساحل، وهي المنطقة التي تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والإقليمية بصورة متزايدة.
ويضاف إلى ذلك ملف الذهب في مالي.
فالإمارات تواصل استثمارات وعلاقات تجارية واسعة في قطاع الذهب، بينما يرى محللون محليون أن الذهب المستخرج في مالي عبر العمال وشبكات التعدين يمكن أن يدخل في شبكات تمويل مرتبطة بالصراع الداخلي.
وتتصل هذه المسألة بشبكات التجارة غير الرسمية التي تمتد من مالي إلى بوركينا فاسو وغينيا والسنغال، ثم إلى الأسواق العالمية، مع بروز دبي كمركز رئيسي لتجارة الذهب.
ولذلك، فإن الذهب لا يمثل مجرد قضية اقتصادية، وإنما يمكن أن يصبح أداة ضمن منظومة أوسع للنفوذ والتمويل في الساحل.
وهنا يظهر اختلاف جوهري بين مقاربة الجزائر ومقاربة الإمارات: الجزائر تنظر إلى الساحل أساساً من منظور الأمن والاستقرار والحدود ومنع تمدد الجماعات المسلحة، بينما تعتمد الإمارات بصورة أكبر على بناء شبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية مع الفاعلين المحليين.
ومع استمرار الحروب في السودان وعدم الاستقرار في الساحل، يمكن لهذه الشبكات أن تصبح أكثر أهمية من العلاقات الدبلوماسية الرسمية نفسها.
الاقتصاد وأوروبا:
الملف الرابع هو الاقتصاد والعلاقة مع أوروبا، وهو ربما الأقل ظهوراً في الخطاب السياسي، لكنه قد يكون من أكثر الملفات تأثيراً على المدى الطويل.
هناك اتهامات جزائرية بمحاولات إماراتية للتأثير على علاقة الجزائر بألمانيا، خصوصاً فيما يتعلق بملف الطاقة والغاز، بالتزامن مع ضخ الإمارات استثمارات كبيرة في الاقتصاد الألماني.
وهنا يصبح النفوذ الاقتصادي جزءاً من المنافسة الجيو سياسية.
فالجزائر تمتلك موقعاً مهماً في سوق الطاقة الأوروبية، وعلاقاتها مع ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية تمثل جزءاً من قدرتها على الحفاظ على مساحة استراتيجية مستقلة.
وفي المقابل، تمتلك الإمارات أدوات اقتصادية ضخمة تمكنها من بناء علاقات طويلة المدى مع العواصم والشركات الأوروبية.
وتواجه الجزائر في الوقت نفسه تحدياً آخر، يتمثل في علاقاتها الوثيقة مع روسيا.
فهذه العلاقات، وخصوصاً التعاون العسكري، أصبحت موضع استغلال سياسي داخل أوروبا في النقاش حول الجزائر، ولا سيما من جانب التيارات اليمينية المتطرفة التي تنظر إلى التقارب الجزائري الروسي باعتباره جزءاً من نفوذ موسكو.
وبذلك، لا يعود الخلاف الجزائري الإماراتي محصوراً في شمال إفريقيا.
فمن الممكن أن ينتقل إلى ساحات النفوذ الأوروبي من خلال الطاقة والاستثمارات والتحالفات السياسية.
هل تتجه القطيعة إلى مواجهة أوسع؟
الخطوة الجزائرية لم تتوقف عند قطع العلاقات الدبلوماسية.
فقد أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات المدنية والعسكرية المسجلة في الإمارات اعتباراً من 11 سبتمبر، مع استثناء الرحلات التجارية الإماراتية من وإلى الجزائر حتى نهاية 2026.
وهذا يعني أن القطيعة تحولت سريعاً من قرار سياسي إلى إجراء عملي لكن السؤال الأهم هو: إلى أي مدى يمكن أن تمتد؟
إذا استمرت القطيعة وتصاعدت التوترات، فإن الملفات المختلفة قد تبدأ في التشابك.
الصحراء الغربية ترتبط بالمغرب وإسرائيل، والمغرب يرتبط بالإمارات، وليبيا ترتبط بأمن الجزائر الشرقي، والساحل يمثل مجالها الأمني الجنوبي، بينما يتصل السودان وتشاد وليبيا بشبكة أمنية وجغرافية واحدة.
وهذا يعني أن أي تصعيد لن يحتاج بالضرورة إلى مواجهة مباشرة بين الجزائر والإمارات.
يمكن أن يظهر عبر ساحات أخرى غير مباشرة: دعم حلفاء محليين، تحركات دبلوماسية، استثمارات، تجارة، إعلام، علاقات أمنية، أو مواقف داخل المؤسسات الدولية.
كما أن توقيت القطيعة مهم، فقد جاءت بعد سلسلة خطوات جزائرية تشير إلى أنها تحاول إعادة تثبيت نفوذها الإقليمي: إعادة العلاقات مع مالي في يوليو، ثم التدخل العسكري المحدود في النيجر في أغسطس، ثم القطيعة مع الإمارات في سبتمبر.
لذلك يمكن قراءة المرحلة المقبلة، باعتبارها اختباراً لحدود النفوذ الجزائري والإماراتي في المنطقة.
فإذا بقيت القطيعة محصورة في المجال الدبلوماسي، فقد تكون وسيلة ضغط لإعادة صياغة العلاقة من موقع جديد. أما إذا انتقلت إلى إجراءات اقتصادية أو أمنية أو إلى ساحات إقليمية أخرى، فقد تتحول إلى منافسة طويلة المدى على النفوذ في شمال إفريقيا والساحل والقرن الإفريقي.
وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال فقط عن سبب قطع العلاقات، وإنما عن منظومة التوازنات التي ستتشكل بعد القطيعة: هل ستدفع الجزائر نحو مزيد من الانخراط في الساحل، وهل سترد الإمارات بتوسيع شراكاتها مع خصوم الجزائر وحلفائها الإقليميين، وهل ستصبح ليبيا والسودان والصحراء الغربية والساحل ساحات متداخلة للمنافسة؟
<p>The post الجزائر والإمارات| ما وراء القطيعة الدبلوماسية first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360




