الحاجة إلى “غورباتشوف إيراني”
قامت السياسة الغربية، خصوصًا الأميركية، تجاه إيران منذ خمسة عقود على سياسة الاحتواء: عقوبات اقتصادية متلاحقة، وعزلة دبلوماسية، ومواجهة عسكرية مباشرة بلغت ذروتها في الفترة الأخيرة. ومع ذلك، لم تفضِ أدوات الاحتواء هذه إلى ما كانت الأوساط الغربية تعوّل عليه، وهو انهيار هذا النظام السياسي المركب من طبقات وشبكات متعددة، كما لم تؤد إلى أي تحوّلٍ استراتيجي في سلوكه.
وبالرغم من الدور الذي تقوم به سياسة الضغط والاحتواء، فإنها كانت بلا أثر جوهري إلى حد الآن؛ وهذا ما يدفع إلى القول إن أي تحوّل حقيقي في إيران وفي سلوك النظام، إن حدث، لن يأتي من الخارج على الأرجح، بل يُحتمل أن ينبثق من الداخل، خصوصًا مع تنامي الغضب الاجتماعي. فقد تحتاج إيران المحاصرة المرهقة إلى “غورباتشوف إيراني” ينقلها من مرحلة الثورة التي لم تحقق شيئًا غير التمدد والحروب وجنون الآيديولوجيا العابرة للحدود، إلى مرحلة الدولة الطبيعية. ولكن هذا التحول لن يأتي بالطريقة التي تنسجها المخابرات الخارجية، إنما من داخل المنظومة نفسها، وهذا اختُبر في الصراعات والاحتجاجات الشعبية المتكررة ضد نظام جامد وعنيف وغير عقلاني، يعيش خارج العصر. ولذلك فإن ظهور قائد من قلب النخبة الحاكمة نفسها، يقتنع بأن استمرار النهج الحالي يقود إلى انهيار اقتصادي واجتماعي شامل، فيقود عملية إصلاح هيكلي جوهري، ويجعل إيران منسجمة في سياساتها وسلوكها مع القانون الدولي والمصالح الوطنية، والتعايش السلمي مع الإقليم، والتوقف عن العدوان وسياسة التمدد.
لقد حاول الإصلاحيون في العقود الماضية تعديل المسار، ولو جزئيًّا، لكنهم اصطدموا في كل مرة بالسقف الجامد وباستماتة القوى المحافظة في الدفاع عن مصالحها الضيقة؛ ولذلك لم يسقط النظام رغم الحجم غير المسبوق من الاحتجاجات الشعبية.
ويرى الباحث سعيد جولكار، في مقالٍ نشرته مجلة “فورين بوليسي” في يناير الماضي، أن النظام الإيراني “صُمم لمقاومة الانهيار البنيوي لا لكسب الشرعية الشعبية: فمكتب المرشد الأعلى يعمل كدولةٍ موازية، وتُستخدم الشبكة الدينية لنزع الشرعية عن المحتجّين، فيما يشكّل الحرس الثوري والباسيج شبكة قمع لا مركزية متجذّرة اجتماعيًّا”.
ولذلك يبدو ظهور “غورباتشوف إيراني” أمرًا مستبعدًا في المستقبل القريب، لكنه يبقى طموحًا مشروعًا للشعب لإنقاذ البلد من المآلات الصعبة.
نقلاً عن البلاد
المصدر: العربية – سياسة


