الحرب السيبرانية.. جبهة موازية تتجاوز الصراع العسكري بين إيران وأعدائها
في حرب إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، وبجانب التحشيد العسكري والهجمات من الصواريخ والطائرات المسيرة، في ميدان الصراع، كان هناك فضاء مواز سيبراني، تقوده شبكة من القراصنة، تهاجم منشآت مدنية وخدمية، وتجمع معلومات عسكرية عن أماكن تواجد القوات وتمركزها، وحتى معلومات شخصية عن عناصر في الميدان وشخصيات قيادية.
وحاولت الهجمات الإيرانية تعطيل محطات وشركات مياه وطاقة في أمريكا وبريطانيا، وأخرى في دول الخليج، واستهداف أجهزة إلكترونية لموظفين كبار، بما فيها مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي.
وفي الاتجاه المقابل، نفذت واشنطن وتل أبيب ضربات سيبرانية استباقية، طالت البرنامج النووي الإيراني سابقا، واستمرت في عمليات التجسس وجمع المعلومات لتحديد الأهداف والضربات والاغتيالات، غير استهداف فعلى لمحطات طاقة وجسور وبنية تحتية لخدمات النقل والمياه والصحة والبحث العلمي.
هذا التوازي بين الميدان العسكري والفضاء السيبراني، يطرح سؤالا حول طبيعة الحرب التي تخوضها الأطراف: هل أصبحت الهجمات السيبرانية مجرد أداة مرافقة للضربات العسكرية، أم أنها تحولت إلى جبهة موازية تمتد إلى المنشآت والبنية التحتية والخدمات والاتصالات، ولم تعد وحسب أداة لجمع المعلومات الاستخباراتية؟
في هذا التقرير رصد لجانب من الصراع، وما تعنيه الهجمات السيبرانية وكيف تطورت، وهل تعمق نمط “حرب هجينة” مستخدمة كابلات الإنترنت والهجمات الإلكترونية، واستخدام التشويش وقطع الخدمات كأداة ضغط، وأين يقع تهديد الكابلات البحرية من هذه المعادلة؟
قبل القنابل
تعرض موقع نطنز، أهم منشأة لتخصيب اليورانيوم في إيران، لعدة هجمات منذ 2010، قبل تحوله إلى هدف للقصف الجوي في 2026 وتعطيله بضربات من قاذفات بي-2، حيث سبق أن هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة الموقع بهجمات إلكترونية، بدأت بفيروس “ستوكسنت” الذي أصاب أجهزة الطرد المركزي، ثم توالت المحاولات: حريق اعتبرته إيران رسميا “تخريبا سيبرانيا” في يوليو 2020، وتفجير عن بعد دمر منظومة الكهرباء المستقلة للمنشأة في إبريل 2021 ونسب إلى الموساد.
وقد بدأت إيران في بناء مجمع نطنز سرا، وكشف عنه عام 2002، وهو مصمم لاستيعاب 50 ألفا من أجهزة الطرد المركزي، مما يجعله المحرك الأساسي لبرنامجها النووي.
وقد تعرض لسلسلة هجمات شملت هجوما إلكترونيا وتفجيرات وتخريبا في أنظمة الكهرباء. وفي يونيو 2025، أكدت إيران أن نطنز كان ضمن المواقع التي استهدفت في هجوم جوي إسرائيلي.
وحتى بعد الضربات التي بدأت آخر فبراير 2026، استمر هذا النمط؛ ففي مارس 2026 أعلنت وكالة الأنباء الإيرانية “تسنيم” تعرض نطنز لهجوم أمريكي إسرائيلي ثان منذ اندلاع الحرب، استخدمت فيه قنابل خارقة للتحصينات من طائرات “بي-2” وصواريخ “توماهوك” أطلقت من غواصات، فيما أكدت هيئة الطاقة الذرية الإيرانية حينها اقتصار الضرر على مداخل المنشأة دون تسرب إشعاعي.
هذا التاريخ الطويل من الاستهداف، مزج بين القصف المباشر والتخريب السيبراني، ويوضح أن “الحرب على البرنامج النووي” أخذت مزيجا من الاختراق الرقمي: تعطيل أجهزة الطرد المركزي، وضرب شبكات الكهرباء الداخلية، والضربة الجوية المباشرة، بجانب وسيلة التخريب السيبراني وسرقة المعلومات أو تعطيل المنشآت، غير اغتيالات لعلماء ومهندسي البرنامج.
جبهة بلا حدود
في تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) حول آثار الحرب السيبرانية قال: إن العمليات الأمريكية الإسرائيلية المنسقة استخدمت الاختراق السيبراني؛ كأداة تمهيدية، عطلت شبكات القيادة والسيطرة والاستشعار الإيرانية قبيل الضربات الجوية الأولى في فبراير 2026 مباشرة، بما يجعل تعطيل الفضاء الرقمي افتتاحية للهجمات العسكرية، وأنها بداية مرحلة جديدة من التصعيد السيبراني، ستتكشف فيها ردود فعل النظام الإيراني.
فعليا دعا أنصار إيران وجهات قريبة من الحرس الثوري، فيما سمي “بالمقاومة الإسلامية الإلكترونية” إلى استهداف إسرائيل والولايات المتحدة.
وتطورت هذه الهجمات مع الوقت واتسعت المجموعات، ضمن رصد لـ84 مجموعة نشطة تنفذ هجمات سيبرانية.
التهديدات الهجينة الموازية
تتهم واشنطن وتل أبيب طهران باستهداف بنيتهما التحتية، ما يعني أن الطرفين يخوضان معركة “تهديدات موازية” ومتبادلة داخل الفضاء السيبراني، تنضم إلى مصفوفة “التهديدات الهجينة”، وهي مزيج من الاغتيالات والتخريب والعمليات النفسية والضغط الاقتصادي إلى جانب القرصنة.
حملة الضربات الأمريكية الإسرائيلية، وفارق القدرات العسكرية، دفع إيران إلى توسيع ساحة اشتباكها ومواجهتها للعدوان بأدوات عدة.
فهي بجانب التحكم في مضيق هرمز، تحاول استخدام كل ما يمكن من أدوات للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، ومن هذه الأدوات الهجمات السيبرانية.
وتستفيد طهران من شبكة حلفائها المنتشرة في الشرق الأوسط، وأوروبا والولايات المتحدة، القادرة على العمل نيابة عنها، ولدى إيران سجل في استخدام التهديدات الهجينة، بما في ذلك شبكة واسعة من الوكلاء القادرين على تنفيذ هجمات في الفضاء الرقمي.
بموازاة ذلك، واصلت إسرائيل والولايات المتحدة عملياتهما الهجومية السيبرانية والاستخباراتية بالتوازي مع القصف، بما في ذلك اختراق تطبيق شهير لمواقيت الصلاة داخل إيران ومحطات البث الرسمية، ضمن حرب معلومات موازية للحرب العسكرية.
هذا التوازي بين ميدان عسكري وآخر سيبراني، يشمل عملية اختراق وتسريب بيانات يقابله تسريب مضاد، يجعل تهديد الحرب لا يخضع لقدرات يمكن قياسها والتنبؤ بها، وتزيد مساحات عدم اليقين استخباراتيا، وقد تحدث خسائر بالجملة، سواء شلت أدوات هجومية ودفاعية أو التوصل إلى معلومات دقيقة وقدرة على الاستهداف لمواقع كأهداف محتملة، بما في ذلك قادة سياسيين وعسكريين.
غرفة العمليات الإلكترونية
تمتد جذور المواجهة إلى عام 2010، حين ضرب فيروس “ستوكسنت” الأمريكي الإسرائيلي أجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز.
ومنذ ذلك التاريخ، حاولت طهران أيضا استخدام السلاح ذاته دفاعيا وهجوميا.
وفي 2012 أعلنت طهران عن محاولة جديدة، استهدفت محطة طاقة ومنشآت أخرى في محافظة هرمزجان جنوبي البلاد، بحسب مسؤول الدفاع المدني هناك.
منذ هذا التوقيت، ذهبت إيران إلى الاهتمام بإنشاء بنية سيبرانية هجومية، تدار عبر ذراعين رئيسيين:
فيلق الحرس الثوري الإسلامي، ووزارة الاستخبارات والأمن، إضافة إلى شبكة من “الشخصيات” الرقمية التي تمنح النظام إنكارا لعملياته. هذا كان مرتبطا أيضا بتوجه إيراني بتملك أحدث وسائل التقنية القائمة وكيفية الحصول عليها، كلما أمكن.
ولا يستبعد في ظل العداء لأمريكا وإسرائيل وجود أنصار، يساهمون في مفهوم المقاومة الرقمية حتى دون ارتباط بإيران.
مع اندلاع حرب 2026، ظهر ما سمي بغرفة العمليات الإلكترونية في اليوم الأول للحرب، وسط رصد نحو ستين جماعة قرصنة نشطة، بينها جماعات موالية لروسيا. وترتبط عدة شخصيات وتجمعات إيرانية بهذه الغرفة، وهي جزء من حرب رقمية، لكن عملها في إيران واجه عائقا، وهو تراجع قوة اتصال الانترنت وقطعه عقب الضربات الأولى، ما أضعف قدرة توجيه العمليات وترك المهمة لشبكات القراصنة خارج الأراضي الإيرانية.
الحرب تنتقل إلى الإنترنت
تعد جماعة “هاندالا”، التي ظهرت أواخر 2023، الذراع الأبرز في هذه الحرب، وتجمع تقييمات استخباراتية غربية، على أنها واجهة لوزارة الاستخبارات الإيرانية.
في مارس 2026، شنت الجماعة هجوما على شركة “سترايكر” الأمريكية لتصنيع المعدات الطبية عبر استغلال منصة إدارة الأجهزة الخاصة بالشركة نفسها، ما أدى إلى مسح بيانات أكثر من 200 ألف جهاز موظف في 79 دولة، واضطرار بعض المستشفيات إلى تأجيل عمليات جراحية.
وأفادت التقارير بأن الهجوم عطل أنشطة بعض المستشفيات، وأدى إلى تأجيل العمليات الجراحية.
وقد صور أنصار إيران الهجوم على أنه رد على ضربة صاروخية أمريكية؛ استهدفت مدرسة إيرانية.
وبعد أسابيع، أعلنت الجماعة اختراق البريد الإلكتروني الشخصي لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل، ونشر أكثر من 300 رسالة منه، فيما ردت وزارة العدل الأمريكية بمصادرة أربعة نطاقات إلكترونية تابعة للجماعة، كما وجهت الجماعة رسائل تهديد مباشرة إلى جنود أمريكيين في قواعد بالشرق الأوسط.
استهداف البنية التحتية
وثقت عدة جهات هجمات إيرانية متزامنة، طالت أنظمة مياه في 12 ولاية أمريكية على الأقل في يوليو 2026، في أوسع حملة من نوعها مقارنة بهجمات سابقة، اقتصرت على هدف أو اثنين منذ 2013 في نيويورك وبنسلفانيا، وفي إسرائيل عامي 2020 و2023.
في ولاية جورجيا الأمريكية، جرى إغلاق محطة ضخ مياه وتضرر آلاف السكان. وبالتوازي، حذرت وكالة التحقيق الفيدرالي “إف بي آي” ووزارة الطاقة الأمريكية من استهداف قراصنة مدعومين من طهران لوحدات التحكم في قطاعي الطاقة والمياه.
دخلت بريطانيا الدائرة، حيث كشفت صحيفة “ذا تليجراف” خلال أغسطس 2026 عن تعطيل قراصنة مرتبطين بإيران محطة طاقة بريطانية صغيرة أربعة أيام كاملة، فيما وصف بأنه أول اختراق ناجح من نوعه لمرفق طاقة بريطاني، وأنجح عملية من نوعها ضد البنية التحتية.
لم يؤثر الهجوم على إمدادات الكهرباء بشكل كبير بحكم صغر المنشأة النسبي، لكن الحكومة البريطانية رفضت الكشف عن اسم المحطة لدواع أمنية، وحذرت شركات الطاقة.
المعلومات تقود الهجمات
في واحدة من أخطر الوقائع الموثقة، كُشف أن إيران تمكنت في يوليو 2026 من اختراق بروتوكول “SS7” لتحديد مواقع جنود أمريكيين في الشرق الأوسط، واستخدمت هذه المعلومات مباشرة في توجيه ضربات عسكرية، في مثال نادر على تحول الاختراق الرقمي إلى استهداف “حركي” فعلي على الأرض.
لم تكن إيران وحدها في الميدان؛ فهناك مجموعات مرتبطة بإسرائيل، كانت قد عطلت نحو 70% من محطات الوقود الإيرانية أواخر 2023، كما عطلت عمليات أمريكية إسرائيلية منسقة شبكات القيادة والسيطرة والاستشعار الإيرانية قبيل ضربات فبراير 2026.
من جانبها، أعلنت السلطات الإيرانية مرارا، أنها أحبطت هجمات إلكترونية استهدفت أكثر من مئة جهة حكومية وخاصة، نسبت مصدرها إلى بروتوكولات إنترنت في هولندا وبريطانيا والولايات المتحدة.
وفي فبراير، كشفت إسرائيل عن تصاعد غير مسبوق في محاولات اختراق مرتبطة بإيران، في مؤشر إلى اتساع “المواجهة الخفية” بين الجانبين.
بينما كشف مسؤول الأمن السيبراني الإسرائيلي يوسي كارادي، أن عدد الحوادث الإلكترونية العدائية المسجلة في يونيو 2026 بلغ نحو 4800 حادثة، مقارنة بـ1600 حادثة فقط في الشهر ذاته من 2025، أي بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف خلال عام واحد.
تخريب الكابلات
خلال مايو 2026، لوح الحرس الثوري الإيراني بإخضاع كابلات الألياف الضوئية المارة عبر مضيق هرمز لـ”نظام تصاريح”، مستندا إلى ما وصفه بسيادته على قاع البحر في مياهه الإقليمية، وهدد بفرض رسوم على شركات تكنولوجيا عالمية كبرى مثل جوجل ومايكروسوفت وميتا وأمازون مقابل استخدام هذه الكابلات.
ويمر عبر المضيق أنظمة كابلات بحرية رئيسية، تنقل جزءا كبيرا من حركة البيانات والمعاملات المالية بين آسيا وأوروبا والخليج.
هرمز: تعطيل طريق البيانات
يمتلك الحرس الثوري قدرات بحرية، تشمل غواصين قتاليين ومسيرات تحت الماء، يمكن نظريا استخدامها لاستهداف هذه البنية التحتية، فيما رجحت تقارير أن الهدف الفعلي من هذه التصريحات هو إظهار السيطرة على المضيق وردع أي هجوم جديد أكثر منه خطة تنفيذية قابلة للتطبيق، خصوصا في ظل عقوبات أمريكية تمنع الشركات من دفع رسوم عبور لطهران.
من الناحية المفاهيمية، فإن هذا التهديد لا يندرج تقنيا ضمن “الهجوم السيبراني” بالمعنى الدقيق للكلمة، أي اختراق الأنظمة الرقمية، لكنه يعني إضرارا ماديا ببنية تحتية رقمية حيوية عبر أدوات عسكرية تقليدية، مثل المتفجرات والمسيرات تحت الماء والمراسي.
وبذلك فإنه يتصل بمفهوم “الأمن السيبراني” و”أمن الفضاء الرقمي”، والنتيجة تعطيل تدفق البيانات والاتصالات، كما يفعل اختراق رقمي مباشر، بل إن أثره أكبر نطاقا؛ لأنه يضرب خدمة الإنترنت، بدلا من نظام إدارة واحد لهيئة أو منشأة. لذلك فهو ضمن أدوات الضغط الجيو سياسي الذي يوظف البنية الرقمية كورقة ردع، أسوة تماما بالتهديدات السيبرانية.
الحرب بلا إعلان
بخلاف الحروب التقليدية التي تنتهي باتفاقات ووقف لإطلاق النار، كما حدث فعليا بين إيران وخصومها في إبريل 2026، قبل أن تتجدد المواجهة، فإن المناوشات السيبرانية لا تعرف حدودا زمنية أو جغرافية دقيقة، وحتى إذا توقفت الصواريخ، يمكن أن تستمر الاختراقات.
كما أن هذا النمط يضيف بعدا جديدا للحرب الرمادية، إذ يصبح استهداف محطة الطاقة البريطانية في يوليو، إلى جانب محاولات تهديد جنود أمريكيين في البحرين عبر رسائل مباشرة في إبريل، والتلويح بابتزاز رقمي عبر كابلات هرمز في مايو، أمثلة.
هذا المسار يرجح كفة الفرضية بأن الحرب السيبرانية، بجانب كونها مساندة للحرب التقليدية، ستكون ساحتها الموازية الدائمة، وهي حرب لا تحتاج إلى إعلان، كما لا تنتهي بهدنة، ولا تعترف بخطوط جغرافية تفصل جبهة عن أخرى، لأنها تدار عن بعد ومن أي مكان على الأرض، ويصعب تتبع المهاجمين أو إثبات الواقعة بدقة وحتى الجهة التي يتبع لها الأشخاص.
<p>The post الحرب السيبرانية.. جبهة موازية تتجاوز الصراع العسكري بين إيران وأعدائها first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360



