الحرب لم تُهجّر البشر وحدهم.. رحلة تمساح من الأردن للسودان تتصدر “الترند”
من الأردن إلى قلب السودان، احتاج تمساح نيلي إلى خمسة أيام ليعود إلى موطنه، في رحلة غير مألوفة بدأت خارج الحدود وانتهت في مياه “بركة التماسيح” داخل محمية الدندر القومية بولاية سنار.
وكان التمساح قد غادر السودان خلال الحرب بحثاً عن الأمان، قبل أن يعود مجدداً إلى موطنه، في واحدة من أغرب رحلات العودة التي فرضتها الحرب على الحياة البرية السودانية.
ولم تمر القصة مروراً عابراً؛ فقد جذبت عودة التمساح اهتماماً واسعاً على منصات التواصل السودانية، وتحولت رحلته بين الأردن والدندر إلى واحدة من القصص اللافتة التي رافقت السودانيين خلال الأيام الماضية.
وتُعد محمية الدندر القومية، التي أُنشئت عام 1935، واحدة من أقدم المحميات الطبيعية في أفريقيا، وتمتد على مساحة تقارب 10,291 كيلومتراً مربعاً، على بُعد نحو 400 كيلومتر جنوب شرقي الخرطوم، باتجاه الحدود السودانية – الإثيوبية. وتتميز المحمية بتنوع بيئي وحيواني واسع، وتضم مساحات من السافانا والغابات والمسطحات المائية، ما يجعلها موطناً لأنواع متعددة من الحيوانات البرية والطيور، وواحدة من أهم مناطق الحياة البرية في السودان.

خمسة أيام… من الأردن لبركة التماسيح
وفي التفاصيل استعادت محمية الدندر التمساح النيلي من الأردن إلى السودان، في عملية جاءت على خلفية تعاون سابق تم خلاله نقل بعض الحيوانات البرية من السودان إلى الأردن خلال فترة الحرب، بعيداً عن المخاطر، وفي إطار برامج التعاون الدولي في مجال الحياة البرية والمواثيق الدولية.
وجاءت عملية إعادة التمساح ضمن شراكة بين مؤسسة الأميرة عالية، والصندوق الدولي للرفق بالحيوان (IFAW)، ومنظمة المخالب الأربعة (Four Paws)، بالتنسيق مع قوات حماية الحياة البرية.
ونُقل التمساح من الأردن إلى مطار بورتسودان، ومن ثم إلى الدندر، حيث استُكملت الترتيبات اللازمة لإعادته إلى موئله الطبيعي في “بركة التماسيح” داخل المحمية.
وقال مدير محمية الدندر الاتحادية، المقدم عمر الهادي أحمد، إن جميع الترتيبات تمت بالصورة المطلوبة لترحيل التمساح إلى داخل المحمية، حيث جرى تكليف عدد من الضباط والجنود من قوات محمية الدندر بإعادته إلى موقعه الطبيعي.
وأضاف أن هذه الجهود من شأنها الحفاظ على الحياة البرية وتعزيز تنوعها الحيوي، فضلاً عن حفظ التوازن البيئي والمناخي.
الحرب لم تُهجّر البشر وحدهم
وراء رحلة التمساح قصة أكبر من عودة حيوان إلى مياه المحمية. فالحرب السودانية لم تدفع البشر وحدهم بعيداً عن أماكنهم؛ بل امتدت آثارها إلى الحياة البرية أيضاً، وأبعدت حيوانات عن موائلها الطبيعية، في محاولة لحمايتها من المخاطر التي أحاطت بها.
فقد جرى نقل عدد من الحيوانات البرية إلى الأردن خلال فترة الحرب، بعيداً عن المخاطر، ضمن ترتيبات هدفت إلى حمايتها إلى حين توافر الظروف الملائمة لإعادتها إلى موائلها الطبيعية.
وبحسب المعلومات المتاحة، تمكنت قوات حماية الحياة البرية السودانية من نقل نحو 15 أسداً، إلى جانب مجموعة من الضباع، إلى الأردن ضمن ذلك التعاون.
وأوضح مسؤولون أن استكمال مراحل نقل التمساح النيلي من الأردن إلى محمية الدندر تم في إطار عملية تعاونية تشاركية بغرض حماية الحياة البرية، لا سيما الحيوانات المهددة بالانقراض، مؤكدين أن استعادة التمساح النيلي إلى موطنه الأصلي تمثل خطوة مهمة للغاية.
لكن عودة التمساح لا تنهي القصة. فهي تعيد إلى الواجهة مصير الحيوانات السودانية التي لا تزال خارج البلاد، بعدما أبعدتها الحرب عن موائلها، وتطرح سؤالاً آخر: هل تبدأ عودة هذه الحيوانات إلى السودان مع عودة الاستقرار، أم أن الطريق إلى موائلها القديمة سيكون أطول من رحلة التمساح؟
وتجاوزت عودة التمساح قصته الفردية؛ فقد أعادت إلى الواجهة مصير الحياة البرية السودانية التي دفعتها الحرب بعيداً عن موائلها، وذكّرت بأن آثار الصراع لا تقاس فقط بعدد النازحين والمدن المدمرة، وإنما تمتد أيضاً إلى كائنات لا تملك وسيلة للهرب أو العودة.
وفي مياه “بركة التماسيح”، انتهت رحلة بدأت في الأردن. عاد التمساح إلى السودان، لكن وراءه بقي سؤال أكبر: متى تنتهي رحلة بقية الحيوانات السودانية التي أبعدتها الحرب عن موائلها؟
المصدر: العربية



