الحشاشون الجدد
Back
ما يعرفه ريفو عن الخبر
- تستخدم الميليشيات الموالية لإيران المواد المخدرة كأداة لغسل أدمغة الأتباع والسيطرة عليهم ميدانياً.
- تعتمد هذه الجماعات على أيديولوجيا فاسدة وتجهيل العقول لتحويل الأفراد إلى أدوات لتدمير الأوطان.
- تعتبر هذه التنظيمات امتداداً حديثاً لطائفة الحشاشين التاريخية في أساليب التضليل والسيطرة.
- تتطلب مواجهة هذا الفكر المظلم بناء حصانة مجتمعية عبر الأسرة والمدرسة والدولة مع مكافحة صارمة للمخدرات.
إن أي نظام أو حزب أو ميليشيا تلغي الحاضر وتطوع أتباعها لمعارك الماضي هي في الحقيقة تسلبهم القدرة على التفكير في المستقبل. تدفعهم هذه الكيانات لقتال أوطانهم بل وحتى أهلهم في سبيل ما يوهمونهم بأنها حرب مقدسة استُحضرت من غياهب التاريخ.
هؤلاء الأتباع هم ضحايا لتيارات عرفها التاريخ دوما بادعائهم الحق الإلهي في السلطة. ولأن هؤلاء القادة لا ينجحون بلا قطيع كان لا بد لهم من غسل الأدمغة وتجهيل العقول ومحاصرة الوعي عبر ضخ أيديولوجيا فاسدة. ولإحكام السيطرة تصبح مذهبات العقل كالمخدرات والقات جزءاً أساسياً من هذه العملية الممنهجة.
النتيجة هي جيل مغيب تماما لا ينظر إلى الأمام ويعيش حبيس الماضي يتمتم بعبارات يُلقن بها دون وعي ويدعو لسيده أكثر مما يدعو لربه. أقنعوه بأن القتل والسرقة والانتهاك هي حقوق شرّعها له السيد الإلهي وأن كل جريمة مبررة في سبيل هذه القضية.
هذا المشهد ليس من وحي الخيال بل هو واقع مرير نعيشه الآن ويلخص تماما ما يفعله الحوثي وحزب الله والفصائل الموالية لإيران وهؤلاء لا يمثلون المكون الشيعي الذي نحترم نحن نتحدث عمن تتلمذ على يد الحرس الثوري الإيراني. ومن أراد أن يفهم كيف توغلت إيران في الدول العربية وأفسدت نسيجها الاجتماعي وجعلت الأخ يقتل أخاه فهذه هي الطريقة التي توثقها التقارير المعاصرة حول شبكات الوكلاء الإقليمية لطهران.
وتخيلوا معي ردة فعلهم على هذا الكلام سيمطروننا بالاتهامات لأن أكثر ما يستفزهم هو التفكير وهم لا يتقنونه بل ويهابونه. في حوار عمرو بن العاص مع مسيلمة الكذاب قال له “والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب” وهؤلاء يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم كاذبون حتى أنهم حوّلوا التقية إلى استراتيجية وخداع سياسي حيث يخرج قياديهم على الإعلام وهو يعلم أنه يكذب لكنه يجتهد لتبدو كذبته حقيقة.
ورغم محاولاته تفضحه لغة جسده وتتطاير عيناه كدليل حسي على عدم قناعته لكنه يدرك أن خطابه موجه لأتباع سُلبت عقولهم في القاعات والدروس التعبوية ولا يمكنه التراجع أمامهم خشية فقدان شرعيته فالكذب على العالم أجمع أسهل عندهم من مصارحة أتباعهم بالحقيقة.
يروي أحد اليمنيين قصة أب لاحظ أن ابنه يجد راحة نفسية في البقاء بجبهات الميليشيا أكثر من بقائه في المنزل. وفشلت كل محاولات الأب للحفاظ على ابنه الوحيد المتبقي بعد أن قتل إخوته الآخرون في الجبهات ليكتشف الأب لاحقا أن الراحة التي يجدها ابنه مرتبطة بمواد مخدرة تدسها الميليشيا لهم فقط على الجبهات لتحولهم إلى مدمنين دون علمهم.
ما أشبه هذه الخسة بطريقة طائفة الحشاشين التاريخية الشهيرة التي أسسها حسن الصباح في قلعة الموت في القرن الحادي عشر الميلادي حيث يذكر المؤرخون كيف كان الصباح يغيّب عقول شبانه بالمخدر ويُدخلهم في حديقة سرية موهماً إياهم بأنها الجنّة، ليفيقوا بعد ذلك ولديهم استعداد كامل لتنفيذ أي عملية اغتيال أو انتحار سياسي ظناً منهم أن طاعة شيخ الجبل هي تذكرتهم الوحيدة للجنّة. الميليشيا الحوثية اليوم تطبّق ذات المنهج بحذافيره مستغلة المواد المخدرة كأداة للسيطرة الميدانية وغسل الأدمغة الجماعي فسلاح الحوثي وباقي ميليشيات إيران الحقيقي ليس قوة الحجة بل إقناع الأتباع بمعتقد خاطئ ومزيف تحت تأثير المخدرات.
اليوم نحن نواجه امتداداً حديثاً للحشاشين، جيل يعيش في الماضي السحيق ستفشل معه كل محاولات الإقناع، جيل يعتقد عمياً أنه ذاهب إلى الجنة وأن هذه الحرب العبثية هي قدره المحتوم. تحاوره بمستقبله وبناء الأوطان فيُحدثك عن مظلوميات التاريخ وثارات الماضي.
ومن هنا يجب أن ندرك أن الحرب قد تعالج إرهاب هؤلاء ميدانيا لكنها لن تعالج فكرهم أبداً. إن مواجهة هذا الفكر المظلم تبدأ من المربع الأول حيث يأتي الدور المحوري للعائلة والمدرسة والدولة لبناء حصانة مجتمعية تمنع استغلال الأطفال والمراهقين وتحويلهم إلى وقود لطموحات أشخاص مختلين ورجال دين فاسدين بعقيدتهم بالتوازي مع مكافحة شديدة وصارمة للمخدرات باعتبارها الداء الرئيسي والذراع التنفيذي لعمليات غسل العقول.
في المحصلة لا فرق جوهرياً بين الجماعات الإرهابية التي عرفناها والحوثي وغيرها من الجماعات الموالية لإيران وإن اختلفت مراجعهم الفكرية والسياسية فجميعها تنظيمات إرهابية تتطابق في غاياتها وتدميرها للأوطان وللأسف لا حل حاسماً معها سوى الاقتلاع الكامل من الجذور. إن إنهاء الحالة الميليشياوية والإرهابية في العالم العربي بات ضرورة وجودية حتمية فقد استنزفت هذه الجماعات الكثير من مستقبلنا وكانت المظلة التي سمحت بالتدخلات الدولية في شؤوننا، واليوم واجبنا الأكبر هو العمل فكرياً وعملياً على أن لا تظل الأجيال القادمة لقمة سائغة بيد هؤلاء المعتوهين.
المصدر: العربية – سياسة