مباشر السبت، 19 سبتمبر 2026
عاجل
العالمطائرة مسيرة تستهدف برج تبريد في محطة كورسك النووية الروسيةالعالمترامب يمنع 3 وسائل إعلام أمريكية من دخول البيت الأبيضرياضة محليةبأثر فوري، ترامب يمنع شبكات “سي إن إن” و”إم إس ناو” و”بوليتيكو” من دخول البيت الأبيضسياسةرافاييل غلوكسمان… الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسارالعالمترامب يوقع قانونا يتيح عقوبات جديدة على روسيارياضة محليةفوز قائمة خطوة بانتخابات نادي سموحة في الإسكندريةرياضة محليةكاظم الساهر يفاجئ الجمهور بـ زيديني عشقا ويتألق بغناء ألبوم بلا عنوان (فيديو)رياضة محليةشادي محمد يكشف كواليس أزمة مباراة الأهلي والزمالكسياسةعقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»رياضة محليةالأوقاف تعلن أسماء الفائزين في مسابقة القراءة الحرة 2026سياسةمصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ… من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبلالعالمترامب يوقع قانونا يفرض عقوبات جديدة على روسياالعالمالخارجية تتابع أوضاع البحارة المصريين بعد قصف سفينة قرب جنوب غرب روسياالعالمالخارجية: عودة 8 بحارة مصريين بعد قصف سفينة قرب ميناء روسي.. وجارٍ انتشال جثمان القبطانرياضة محليةمواعيد مباريات منتخب الشباب في تصفيات شمال افريقيا بالإسماعيلية (انفوجراف)العالمسينما “كينوبورت” تستقطب 18 ألف مشاهد في المحطة النهرية الشمالية بموسكورياضة محليةمحام بالنقض: استغلال القصر في الجرائم يتطلب مراجعة لقانون الطفلالعالمكندا تسعى لاتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي قبل نهاية العامرياضة محليةالطن يبدأ من 38194 جنيها، أسعار الحديد في سوق مواد البناء اليوم الجمعةالعالمالسودان.. اختبار اتساع الصراع والاختناق الاقتصادي وشلل الإغاثةالعالمطائرة مسيرة تستهدف برج تبريد في محطة كورسك النووية الروسيةالعالمترامب يمنع 3 وسائل إعلام أمريكية من دخول البيت الأبيضرياضة محليةبأثر فوري، ترامب يمنع شبكات “سي إن إن” و”إم إس ناو” و”بوليتيكو” من دخول البيت الأبيضسياسةرافاييل غلوكسمان… الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسارالعالمترامب يوقع قانونا يتيح عقوبات جديدة على روسيارياضة محليةفوز قائمة خطوة بانتخابات نادي سموحة في الإسكندريةرياضة محليةكاظم الساهر يفاجئ الجمهور بـ زيديني عشقا ويتألق بغناء ألبوم بلا عنوان (فيديو)رياضة محليةشادي محمد يكشف كواليس أزمة مباراة الأهلي والزمالكسياسةعقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»رياضة محليةالأوقاف تعلن أسماء الفائزين في مسابقة القراءة الحرة 2026سياسةمصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ… من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبلالعالمترامب يوقع قانونا يفرض عقوبات جديدة على روسياالعالمالخارجية تتابع أوضاع البحارة المصريين بعد قصف سفينة قرب جنوب غرب روسياالعالمالخارجية: عودة 8 بحارة مصريين بعد قصف سفينة قرب ميناء روسي.. وجارٍ انتشال جثمان القبطانرياضة محليةمواعيد مباريات منتخب الشباب في تصفيات شمال افريقيا بالإسماعيلية (انفوجراف)العالمسينما “كينوبورت” تستقطب 18 ألف مشاهد في المحطة النهرية الشمالية بموسكورياضة محليةمحام بالنقض: استغلال القصر في الجرائم يتطلب مراجعة لقانون الطفلالعالمكندا تسعى لاتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي قبل نهاية العامرياضة محليةالطن يبدأ من 38194 جنيها، أسعار الحديد في سوق مواد البناء اليوم الجمعةالعالمالسودان.. اختبار اتساع الصراع والاختناق الاقتصادي وشلل الإغاثة
أسعار
دولار أمريكي52.14EGPيورو59.88EGPجنيه إسترليني69.68EGPريال سعودي13.90EGPدرهم إماراتي14.20EGPدينار كويتي169.15EGPدينار أردني73.54EGPريال قطري14.32EGPليرة تركية1.07EGPيوان صيني7.76EGPذهب 247,340.27EGP/جمذهب 216,422.73EGP/جمذهب 185,505.20EGP/جمفضة111.26EGP/جم
دولار أمريكي52.14EGPيورو59.88EGPجنيه إسترليني69.68EGPريال سعودي13.90EGPدرهم إماراتي14.20EGPدينار كويتي169.15EGPدينار أردني73.54EGPريال قطري14.32EGPليرة تركية1.07EGPيوان صيني7.76EGPذهب 247,340.27EGP/جمذهب 216,422.73EGP/جمذهب 185,505.20EGP/جمفضة111.26EGP/جم
خبر عاجل
العالم

الحوثيون ومفارقة القوة في المضايق

في كل مرة تغيّر فيها سفينة حاويات ضخمة، تابعة لواحدة من أعرق شركات الملاحة في العالم، وجهتها بعيدا عن باب المندب لتدور حول الرأس الأفريقي، يحدث شيء أكبر من مجرد قرار لوجستي. يحدث اعتراف ضمني بأن جماعة مسلحة محلية، لا تملك دولة ولا اقتصادا ولا مقعدا في الأمم المتحدة، قد نجحت في فرض إرادتها على شريان من أهم شرايين التجارة العالمية. هذا هو بالضبط ما يستحق التوقف عنده طويلا.

منذ عقود، تعلّمت أجيال من الباحثين في العلوم السياسية أن الردع دالة في حجم الاقتصاد، وعدد الجنود، وحداثة الترسانة العسكرية. غير أن ما يجري عند باب المندب يكذّب هذا الافتراض بهدوء، من دون أن يحتاج إلى صخب نظري كبير. فحين تنجح جماعة يمنية محلية، خرجت من جبال صعدة قبل عقدين فقط من الزمن، في أن تفرض على أضخم شركات الشحن العالمية تغيير خرائط ملاحتها، وعلى قوى بحرية عظمى أن تعيد حساباتها الأمنية مرارا، وعلي قوي إقليمية أن توقف تصدير نفطها، يصير من الضروري إعادة طرح السؤال نفسه: من يصنع القوة في النظام الدولي، وأين تُصنع؟

الإجابة، كما تكشفها التجربة الحوثية مؤخرا، وقد سبقتها عديد من التجارب، لا تكمن في موازين القوى العسكرية المعتادة بقدر ما تكمن عند نقطة جغرافية بعينها: مضيق ضيق، وممر محدود، وسواحل يصعب مراقبتها بالكامل؛ هناك تتقاطع الجغرافيا مع التكنولوجيا مع هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، فتنتج معادلة يمكن تسميتها “مفارقة القوة”؛ التي فيها تراجع قدرة التفوق المادي الهائل على الحسم السياسي، في مقابل صعود فاعلين مسلحين صغار يملكون من أدوات الردع والتعطيل ما يفوق بأشواط حجم مواردهم الفعلية. واليمن المنهك، المنقسم، العاجز عن تسيير شؤونه الداخلية، صار مصدرا لنفوذ يمتد إلى بورصات الطاقة وقرارات البيت الأبيض والرياض معا.

من ماهان إلى المصيدة

عندما صاغ ألفريد ثاير ماهان (1840-1914) نظريته الشهيرة عن القوة البحرية في أواخر القرن التاسع عشر، كان يرى في المضايق نقاط ارتكاز تمنح الأسطول المتفوق قدرة على فرض هيمنته على خطوط التجارة العالمية. غزو الممرات، في تصوره، امتياز الإمبراطوريات الكبرى، لا سلاح الفقراء. لكن وبعد أكثر من قرن، انقلب هذا المنطق رأسا على عقب. فالمياه الضيقة التي كانت يوما أصلا استراتيجيا لصالح الأسطول الأقوى، تحولت إلى ما يشبه مصيدة جغرافية له؛ ففي المساحة المحصورة بين ضفتين، تفقد حاملة الطائرات والمدمرة الحديثة قدرتها على المناورة والعمق العملياتي، وتغدو هدفا سهلا في مرمى صاروخ ساحلي رخيص الثمن. وقد أثبتت تجربة تحالف دولي بأكمله، ضم أكثر من عشرين دولة تحت مظلة عملية حارس الازدهار، عجزه عن توفير حماية كاملة لآلاف السفن العابرة، لأن الساحل اليمني الجبلي الممتد يوفر لمنصات الإطلاق المتحركة تمويها طبيعيا يصعب على أحدث تقنيات الاستطلاع الجوي كشفه بالكامل.

هذا الانقلاب هو ما مكّن حركة أنصار الله من تحويل مسارها التاريخي. نشأت الجماعة في تسعينيات القرن الماضي احتجاجا دينيا وثقافيا واقتصاديا في محافظة صعدة، وخاضت ست حروب متتالية ضد الدولة المركزية بين عامي 2004 و2010 صقلت خلالها مهارات القتال الجبلي وحرب العصابات. ومع انسداد المسار السياسي وتصاعد الثورة المضادة بعد ثورة 2011، استثمرت الجماعة الفراغ المؤسسي لتجتاح صنعاء خريف 2014 وتضع يدها على ترسانة الجيش اليمني السابق. التدخل العسكري السعودي عام 2015، بدلا من أن يقضي عليها، سرّع تحولها إلى جيش هجين، يمزج تكتيكات العصابات بمنظومات صاروخية ومسيّرات متقدمة، بدعم إيراني عبر فيلق القدس وحزب الله، بالطبع لم تخل حركتها يوما من أجندة محلية زيدية خاصة بالحركة نفسها.

اقتصاد التكلفة المقلوبة

لكن جوهر المعادلة ليس عسكريا محضا، بل اقتصادي في المقام الأول. الفارق بين تكلفة الهجوم وتكلفة الدفاع هو ما يمنح الفاعل الأصغر ميزته الحقيقية. مسيّرة انتحارية أو صاروخ مضاد للسفن قد لا تتجاوز كلفته بضع آلاف الدولارات، بينما يضطر الطرف المدافع إلى تشغيل سفن حراسة وطائرات استطلاع ومنظومات رادار، وقد تصل كلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد إلى أربعة ملايين دولار. حتى حين تنجح المنظومة الدفاعية في إسقاط المقذوف، فإن الحساب الاقتصادي يميل لصالح المهاجم لا المدافع، كما إن استمرار الاستنزاف يستهلك مخزونات صناعات دفاعية غربية تعاني أصلا من بطء في سلاسل التوريد، ويتحول الدفاع من عملية عسكرية إلى عبء لوجستي متراكم يصعب إيقافه.

بيد أن اختزال المسألة في سعر الصاروخ وحده تبسيط مخل. فالقيمة الحقيقية للسلاح غير المتماثل تكمن في قدرته على إرغام الخصم على نشر بنية دفاعية دائمة، وتحمل أعباء الجاهزية، ودفع أقساط تأمين متصاعدة، وإعادة جدولة رحلات بحرية كاملة. وعندما تعرضت سفن مرتبطة بشركات كبرى مثل Maersk وMSC وHapag-Lloyd لتهديدات متكررة، اختارت هذه الشركات تحويل مسارها بالكامل نحو رأس الرجاء الصالح، فأضافت إلى كل رحلة ما بين ثلاثة آلاف وثلاثة آلاف وخمسمائة ميل بحري، وما بين عشرة وأربعة عشر يوما إضافيا. بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية توثق الأثر بدقة: تدفقات النفط عبر باب المندب انخفضت بأكثر من النصف خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024 قياسا بمتوسط العام الذي سبقه، بينما قفزت التدفقات حول الرأس الأفريقي إلى مستويات غير مسبوقة.

ثمة بعد آخر يجعل الحسابات أكثر تعقيدا، وهي أن  باب المندب لا يعمل بمعزل عن مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما بين خمس وثلث الاستهلاك العالمي من النفط. فمع تصاعد التوترات في الخليج وإغلاق هرمز، اعتمدت دول الخليج، وعلى رأسها السعودية عبر خط أنابيب شرق غرب نحو ميناء ينبع، على البحر الأحمر كمسار تصدير بديل وآمن. لكن عندما تحكم جماعة مسلحة قبضتها النارية على باب المندب في التوقيت نفسه، يُلغى هذا البديل اللوجستي، وتجد الإمدادات النفطية نفسها محاصرة من طرفين معا، لا من طرف واحد.

بذلك تتحول عقدتان جغرافيتان إلى كماشة واحدة مترابطة، تكفي السيطرة على إحداهما لتعطيل قيمة الأخرى كبديل آمن.

وهكذا يتضح أن الفاعل المسلح لا يحتاج إلى امتلاك الميناء أو الأسطول كي يفرض إرادته؛ يكفيه أن يمتلك القدرة على جعل المرور غير آمن أو غير قابل للتنبؤ. وفي اقتصاد عالمي يقوم على سلاسل توريد شديدة الحساسية للزمن، يصبح عدم اليقين نفسه كلفة باهظة، من دون أن تحتاج الكارثة الكبرى إلى الوقوع أصلا.

السيادة المتسربة من الدولة

الأكثر إثارة للتأمل في الحالة الحوثية هو انفصال النفوذ الخارجي عن كل المؤشرات التقليدية لقوة الدولة. فاليمن يرزح منذ سنوات تحت انقسام سياسي وتدهور اقتصادي وغياب سلطة مركزية قادرة على احتكار أدوات العنف، ومع ذلك نجحت جماعة مسلحة واحدة في أن تصبح لاعبا يحسب له حساب في بورصات الطاقة العالمية وفي سياسات أمن البحر الأحمر. هنا يصلح استحضار مفهوم “السيادة المتسربة” -الذي عملت علي التنظير له وتأصيله في كتابي قيد الطبع، والتي تعني أن وظائف الدولة، حين تضعف مؤسساتها المركزية وينكشف بنيانها المؤسسي أمام صدمات خارجية متكررة، وضغوط داخلية، وتطورات تكنولوجية  …، لا تختفي ببساطة، وإنما تتسرب إلى شبكات أكثر مرونة وأقل التزاما بقواعد المسؤولية الدولية. وكلما اتسع هذا الانكشاف، كلما وجدت هذه الشبكات مساحة أرحب لتثبيت حضورها بديلا فعليا عن الدولة، لا مكملا لها فحسب.

فالردع، والتهديد، وجمع المعلومات، والتحكم في تدفقات التجارة، والتفاوض غير المباشر، وإدارة البنية التكنولوجية للحروب؛ جميعها وظائف كانت حكرا على الدولة، وقد باتت اليوم في متناول جماعات مسلحة وشبكات مالية وفاعلين عابرين للحدود وشركات في السيلكون فالي. الحوثيون لا يمارسون سيادة قانونية دولية بالمعنى الوستفالي، لكنهم يمارسون نوعا من السيادة الوظيفية: القدرة على تقرير من يمر، ومتى يمر، وبأي ثمن. وهذا بالضبط ما يجعل انهيار الدولة المركزية أشد خطورة من غيابها الكامل؛ إذ لا يخلّف وراءه فراغا هادئا، وإنما مساحة رمادية تملؤها ميليشيات أكثر قدرة على الحركة من الدولة التي انهارت. وتصبح كلفة إسقاط جماعة كهذه، أو تفكيك بنيتها، أعلى بكثير من كلفة التعايش معها والتفاوض على شروط وجودها.

يضاف إلى ذلك أن ازدواجية الشرعية الداخلية رسّخت هذا الواقع. فبينما يسيطر الحوثيون على المحافظات الأكثر كثافة سكانية شمال اليمن، فارضين سلطة أمر واقع تجمع بين النزعة المذهبية الدينية والقبضة الأمنية، تعاني الحكومة المعترف بها دوليا من تشظٍ داخلي وإقامة شبه دائمة خارج البلاد، إلى حد وصفها محليا بحكومة الفنادق. هذا التباين مكّن الجماعة من تسويق نفسها، رغم كل التردي الإنساني وتراجع الخدمات الأساسية، بوصفها الطرف الأكثر قدرة على فرض الانضباط الداخلي، والأجدر بتمثيل السيادة اليمنية في مواجهة ما تسميه عدوانا خارجيا.

مأزق القوى الكبرى

هذا الواقع يضع القوى الإقليمية والدولية أمام معضلة مزدوجة يصعب الفكاك منها. فالسعودية، المنخرطة في أضخم مشروع تحول اقتصادي في تاريخها الحديث عبر رؤية 2030، وتستعد لاستضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، تدرك أن أي صاروخ يسقط على منشأة حيوية كفيل بتقويض مناخ الاستثمار الذي بنته بصعوبة. والمفارقة أن الاقتصادات الأكثر طموحا هي الأشد عرضة لما يمكن تسميته ابتزازا جغرافيا: ؛ فكلما اتسعت الموانئ والمطارات والمناطق الحرة والمشروعات السياحية التي تراهن عليها هذه الدول، زادت معها نقاط حساسيتها، إذ لا يحتاج تهديد محدود إلى تدمير منشأة كي يترك أثره؛ يكفيه أن يرفع كلفة التأمين، أو يؤخر الشحن، أو يزرع الشك في ذهن مستثمر متردد أصلا.

وبعد ثماني سنوات (2015-2022) من حرب لم تحسم عسكريا، انتقلت الرياض من المواجهة إلى التفاهم المباشر، وقبلت بتنازلات اقتصادية كانت قبل سنوات تبدو بعيدة المنال، تفضيلا لاستقرار حدودها على استمرار حرب استنزاف بلا أفق.

الولايات المتحدة بدورها تواجه تآكلا متزايدا في مصداقية مظلتها الأمنية. فضرباتها الجوية المحدودة لم تغير سلوك الجماعة، وإحجامها الواضح عن تكرار تجربة تدخل بري مكلف على غرار العراق وأفغانستان أقنع حلفاءها الخليجيين بأن الاعتماد الحصري على واشنطن لم يعد خيارا آمنا بالقدر نفسه الذي كان عليه قبل عقد من الزمن، وجاءت الحرب الإيرانية 2026 لترسخ ذلك -خاصة بعد أن اعتذر ترامب لولي العهد السعودي عن التدخل ضد الحوثي. من هنا بدأت عواصم المنطقة، بإصرار تنويع قنوات اتصالها الأمنية مع بكين وموسكو وحتى طهران نفسها، منتقلة من منطق التحالف الصلب إلى منطق التحوط المرن الذي يوزع المخاطر بدل تركيزها في يد ضامن واحد.

أما إيران، فتستثمر الورقة الحوثية بوصفها أداة ضغط تفاوضي فعالة من دون أن تتحمل كلفة حرب مباشرة، وإن كانت العلاقة أبعد ما تكون عن تبعية آلية بسيطة؛ فللحركة أجندتها المحلية وهويتها الزيدية المتجذرة، وكثيرا ما تدفعها رغبتها في ترسيخ حضورها الداخلي والإقليمي إلى قرارات تصعيدية تتجاوز حسابات طهران التكتيكية الآنية. وفي المقابل، تجد الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا نفسها الطرف الأضعف في هذه المعادلة كلها، إذ يتآكل نفوذها الميداني يوما بعد يوم بينما يظل قرارها مرهونا بتمويل خارجي متقطع ودعم سياسي أقل حماسا مما كان عليه في سنوات الحرب الأولى.

من سيادة الأرض إلى سيادة التعطيل

تكشف هذه المعادلة، في جوهرها، أن النظام الدولي يدخل مرحلة تتجاور فيها القوة التقليدية مع ما يمكن تسميته “سيادة التعطيل”. لم يعد الفاعل الأصغر مضطرا إلى هزيمة الجيش الأكبر كي يحقق مكسبا استراتيجيا؛ يكفيه أن يمنعه من استخدام تفوقه بكفاءة، وأن ينقل ساحة المعركة إلى شبكة التجارة والتأمين والزمن والسمعة، حيث تتساوى الفرص أكثر بكثير مما تسمح به موازين القوى الظاهرة. صحيح أن الممرات البحرية لها بدائل، وأن الأساطيل قادرة على إعادة الانتشار، وأن الدول تستطيع بناء مخزونات استراتيجية تخفف من وطأة الأزمة، إلا أن الهدف الواقعي لجماعة كالحوثيين لم يكن يوما إغلاق التجارة العالمية إغلاقا مطلقا، بل رفع كلفتها، وتعطيل انتظامها، وإجبار خصومها على التفاوض من موقع أقل راحة بكثير مما اعتادوا عليه.

الحوثيون ليسوا استثناء معزولا، بل مؤشرا على اتجاه أوسع تتزايد فيه أهمية الجغرافيا الحرجة، والأسلحة الرخيصة، والشبكات غير الدولتية، مقابل تراجع قدرة القوى الكبرى على فرض حلول نهائية حاسمة. تفكك الدولة، كما يثبت النموذج اليمني، لا ينشئ فراغا، بقدر ما ينتج فاعلين أكثر قدرة على الحركة، وسيادة أكثر تناثرا وأصعب على الردع من سيادة الدولة المركزية نفسها.

 الدرس الأهم هنا ليس أن المضايق يمكن احتكارها بسهولة، بل أن الأمن البحري لم يعد مسألة عسكرية بحتة على الإطلاق. إنه من طبيعة سياسية واقتصادية ومؤسسية في آن واحد، تستدعي تسويات إقليمية حقيقية، وتنمية فعلية للمناطق الساحلية المهمشة التي تفرخ هذه الجماعات أصلا، وبناء شرعية محلية بديلة تنافس شرعية السلاح، وتنويعا جادا لطرق التجارة والطاقة بعيدا عن الاعتماد على مظلة أمنية واحدة -مهما عظمت. أما الاكتفاء بالقوة النارية وحدها، فقد ينجح في إخماد هجوم بعينه، غير أنه لن ينهي أبدا المعادلة التي جعلت ذلك الهجوم ممكنا من الأساس، والتي ستظل تنتج نسخا جديدة منه كلما توفرت الجغرافيا المناسبة والفاعل المستعد لاستثمارها.

<p>The post الحوثيون ومفارقة القوة في المضايق first appeared on masr360.</p>

المصدر: مصر 360

0 مشاهدة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *