الخطأ المخفي.. كيف أهدرت “سبيس إكس” 16.7 مليار دولار في 24 ساعة؟

حظي طرح شركة “سبيس إكس” في 12 يونيو بإشادة واسعة من وول ستريت، بعدما جمع بين أكبر حصيلة نقدية وأعلى تقييم لشركة أميركية ناشئة عند الإدراج، مع تحقيق مكاسب سريعة للمستثمرين دون قفزة مفرطة في اليوم الأول.
أظهرت الأرقام، رغم هذا النجاح الظاهري، أن الشركة تنازلت فعلياً عن مليارات الدولارات من خلال تسعير الطرح بأقل من الطلب، وهي أموال كان يمكن أن تعزز قدرتها على تمويل خططها التوسعية، خصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي، وفقاً لما ذكرته مجلة “Fortune”، واطلعت عليه “العربية Business”.
ارتفع سهم سبيس إكس من 135 دولاراً عند الطرح إلى 160.75 دولاراً عند الإغلاق في اليوم الأول، بزيادة 19%، وهي نسبة تتماشى مع متوسط أداء الطروحات الأولية تاريخياً، فيما بلغت القيمة السوقية نحو 2 تريليون دولار، ما جعل القيمة المتروكة على الطاولة تبدو محدودة نسبياً كنسبة مئوية.
قدر الأكاديمي جاي ريتر أن الأموال التي لم تحصل عليها الشركة بلغت 14.5 مليار دولار في اليوم الأول، لكن الرقم يرتفع إلى 16.7 مليار دولار عند احتساب خيار التخصيص الإضافي (Green Shoe) البالغ 15%، وهو ما يمثل أكبر فجوة من نوعها في تاريخ الطروحات.
تجاوز هذا الرقم بفارق كبير الرقم القياسي السابق البالغ 5.9 مليار دولار في طرح شركة “فيزا” عام 2008، كما فاق إجمالي ما تركته طروحات كبرى مثل “Airbnb” و”Snowflake” و”Cerebras Systems” مجتمعة، ما يعكس حجم التسعير المنخفض في الاكتتاب.
جاء هذا التنازل في وقت تحتاج فيه سبيس إكس إلى سيولة ضخمة لتمويل استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، التي تعد المحرك الرئيسي لنموها، حيث بلغت نفقات هذا القطاع 12.7 مليار دولار العام الماضي، أي 81% من إجمالي الإنفاق الرأسمالي.
أظهرت البيانات أن الشركة أنفقت 31 مليار دولار على الاستثمارات خلال خمسة أرباع فقط، أي ما يعادل أربعة أضعاف التدفقات النقدية التشغيلية، نتيجة خسائر الذكاء الاصطناعي وتباطؤ ربحية أنشطة الصواريخ، مقابل مساهمة محدودة من “ستارلينك” كمصدر رئيسي للإيرادات.
فيما كشفت وثائق الطرح أن 62.6 مليار دولار، تمثل 71% من إجمالي 86 مليار دولار جمعتها الشركة، خصصت لسداد التزامات مختلفة، بينها قرض من “تسلا” وصفقة استحواذ على حقوق الطيف، ما يترك نحو 23 مليار دولار فقط لتمويل التوسع.
بينما أشارت الأرقام إلى أن السيولة المتاحة، بما في ذلك الاحتياطات النقدية البالغة 24 مليار دولار، تقل عن 50 مليار دولار، وهو مبلغ قد يستنزف خلال أقل من عام مع تسارع الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق وتطوير النماذج.
زاد هذا الوضع من مخاطر لجوء الشركة إلى إصدار أسهم جديدة لتمويل توسعها، ما يهدد بتخفيف حصة المساهمين، خاصة مع تقييم مرتفع تجاوز 2.4 تريليون دولار بعد ارتفاع السهم لاحقاً إلى 185 دولاراً.
قدر محللون أن سبيس إكس ستحتاج إلى إيرادات تصل إلى 1.1 تريليون دولار بحلول 2035 لتحقيق عوائد مناسبة للمستثمرين، بينما تشير تقديرات أخرى إلى حاجتها لما يقرب من 1.5 تريليون دولار، وهو ما يفوق بكثير إيرادات عمالقة التكنولوجيا الحالية.
وأظهرت الشركة بالفعل اعتمادها على أسهمها كعملة تمويل، من خلال إعلان الاستحواذ على شركة Cursor بقيمة 60 مليار دولار عبر مبادلة الأسهم، وهي صفقة قد تؤدي إلى تخفيف إضافي بنحو 2.4% من حقوق المساهمين.
تعكس هذه التطورات معادلة حساسة؛ إذ تمنح التقييمات المرتفعة الشركة قدرة على جمع التمويل بسهولة، لكنها تجعلها أكثر عرضة لتقلبات السوق، حيث يؤدي أي تراجع في السهم إلى ارتفاع تكلفة التمويل وزيادة حدة التخفيف.
أبرزت التجربة أيضاً تساؤلات حول سبب عدم لجوء ماسك إلى نماذج بديلة مثل الطرح المباشر أو المزاد الهولندي، التي تتيح بيع الأسهم بسعر أقرب إلى القيمة السوقية الفعلية، كما فعلت شركات مثل “غوغل” و”بلانتير” و”سبوتيفاي”.
تؤكد المحصلة أن سبيس إكس، رغم نجاحها التاريخي في الطرح، قد تكون خسرت نحو 17 مليار دولار من السيولة الحيوية، وهي فجوة كان يمكن أن تعزز بشكل ملموس “خزان الوقود” المالي لرهانها المكلف على الذكاء الاصطناعي.
المصدر: العربية – اقتصاد