الديمقراطية والتنمية.. منفعة متبادلة بين السياسي والاقتصادي (2 ـ 2)
Back
ما يعرفه ريفو عن الخبر
- تساهم التنمية الاقتصادية في استقرار الطبقات الاجتماعية وتقليل حاجة السلطات لاستخدام القوة في مواجهة الاحتجاجات.
- تعزز التنمية دور مؤسسات المجتمع المدني وتساهم في إيجاد رأي عام واعي سياسيا لدعم الحكم الديمقراطي.
- تؤكد تجارب دولية أن التنمية الاقتصادية ليست شرطا حتميا للديمقراطية كما أن الديمقراطية لا تضمن بالضرورة اقتصاداً مفتوحاً.
- يؤثر الإنجاز الاقتصادي بشكل مباشر على العملية الانتخابية حيث يمثل جواز مرور للحزب الحاكم أمام الجماهير.
تساهم التنمية الاقتصادية في اعتدال موقف الطبقات الدنيا من الشرائح الاقتصادية ـ الاجتماعية العليا، بما يجعل الأخيرة تطمئن إلى أن الشرائح الدنيا لا تشكل خطرًا عليها، وأنها تستحق ممارسة الحقوق السياسية ونيل نصيبها من القوة في المجتمع.
كما أن الوفورات المالية التي تحققها التنمية تزيد من تواجد الطبقة الوسطى، التي تضفي بدورها طابعًا وسطيًا على التنافس أو الاختلاف السياسي عن طريق مساندة الأحزاب الديمقراطية والمعتدلة والتخلي عن الجماعات الراديكالية سواء كانت يسارية أو يمينية. وتوافر الثروات المالية، أو على الأقل بلوغ حد الكفاية، يوسع هامش الاختيارات أمام الطبقة العاملة والمهمشين، بحيث يصبح بإمكانهم أن يستخدموا وسائل ضغط سلمية للحصول على حقوقهم ولا ينحدرون إلى التطرف السياسي.
وفي المقابل، فإن هذا يقلل من احتياج السلطات الحاكمة إلى استخدام “البطش” في مواجهة أي احتجاج من أجل الحفاظ على درجة مناسبة من الاستقرار.
علاوة على ذلك، فإن التنمية الاقتصادية تتيح فرصًا كبيرة لقيام العديد من الهيئات الاجتماعية التطوعية المستقلة “مؤسسات المجتمع المدني”، والتي لا تكتفي فقط في بعض الأحيان بممارسة دور رقابي غير رسمي على أداء الحكومة، بل تشجع على قيام مشاركة سياسية، وتعمل جاهدة على إيجاد رأي عام يتمتع بدرجة مناسبة من الوعي والمهارات السياسية اللازمة لقيام نظام حكم ديمقراطي.
وقد أعطى هنتجنتون هذا التصور بعدًا إمبريقيا في كتابه “الموجة الثالثة للديمقراطية”، حيث قال إن متابعة التحولات الديمقراطية في العالم خلال الفترة من 1974 إلى 1990 أظهرت أن المناطق التي شهدت مثل هذه التحولات قد حققت معدلات تنمية اقتصادية فوق المتوسط، وخرج من ذلك بنتيجة مفادها أن “الفقر يمثل عقبة كأداء أمام التطور الديمقراطي، وأن تعزيز الديمقراطية يعتمد على تحسين مستوى التنمية الاقتصادية، وأن العقبات التي تقف في وجه التنمية، هي عقبات في طريق الديمقراطية”.
وإذا كانت تجارب التحول في دول جنوب شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية وتايوان تشير إلى أن التحرر الاقتصادي يسبق الانفتاح السياسي، فإن تجارب دول أوروبا الشرقية بعد انهيار نظمها الشيوعية يبين أن الاثنين يمضيان معًا.
كما أن خبرة العالم الثالث في تحوله التدريجي نحو الديمقراطية تبرهن على أنه ليست هناك شروط مسبقة لهذا التحول، ومن ثم لا ينهض البحث عن الأسباب التي تقود إلى الديمقراطية، سواء كانت اقتصادية أم اجتماعية وثقافية ونفسية أو ترتبط بعوامل خارجية، ببناء قانون عام للتحول الديمقراطي.
ومن أجل حل هذا الاختلاف فك البعض التلازم بين النمو الاقتصادي والديمقراطية.
فقد انتهى روبرت دال إلى القول: “يبدو أنه لا يوجد ارتباط بين النمو الاقتصادي ونوع الحكم أو النظام في الدولة”، إذ لا توجد حتميات في هذا الشأن وليس هناك أقدار مسبقة، أو طريق مرسوم سلفا لتطور طبيعي نحو الديمقراطية في البلدان التي طالها التحديث أو نزعة إلى الاستبداد في البلدان التي لم تحقق مستويات تنمية كبيرة.
وفي المقابل، فإن كانت الديمقراطيات تعني توافر مجتمعات منفتحة سياسيا، فإن هذا لا يقود بالضرورة إلى إيجاد اقتصاد مفتوح قائم على حرية التجارة وليس الحمائية أو التخطيط المركزي، ولا يعني أن الديمقراطيات ذات كفاءة اقتصادية أكثر من النظم غير الديمقراطية، خاصة خلال فترة التحول الاجتماعي الذاتي نحو الديمقراطية.
وإذا كان من الممكن القول بأنه ليست هناك ديمقراطية دون اقتصاد سوق، فتوجد بلدان عديدة ذات اقتصاد سوقي لكنها ليست ديمقراطية.
ومن السهولة بمكان دحض المقولات التي تربط النمو الاقتصادي بوجود الديمقراطية من خلال تجارب عملية واضحة جهارًا نهارًا.
فالهند مثلًا، لم يؤد تراجع نموها الاقتصادي إلى تردي وضعها الديمقراطي.
وفي المقابل، فإن دولة مثل سنغافورة لم يجلب لها انتعاش حالتها الاقتصادية نظام حكم ديمقراطي. والصين رغم أنها حققت خلال الفترة من 1965 حتى 1994 تقدمًا في معدل النمو الاقتصادي فاق ضعف وأحيانا ثلاثة أمثال ما حققته الهند فإن الأولى لم تقدم على انفتاح اقتصادي.
وإذا كان ليس هناك ارتباط لا يقبل الدحض بين التنمية والديمقراطية، ولا يمكن القطع بأن الرخاء الاقتصادي يؤدي إلى الانفتاح السياسي أو العكس، فعلى الجانب الآخر نجد أن عدم الاستقرار الاقتصادي لا يقود بالضرورة إلى تغيير سياسي ينزع نحو الديمقراطية. فمن الممكن أن تقود أزمة اقتصادية طاحنة مجتمعًا إلى حل سياسي ديمقراطي أملًا في تغيير الأحوال المتردية، لكن الأزمة نفسها من الممكن أن ترتد بنظم ديمقراطية إلى الاستبداد، بدعوى الحيلولة دون تهديد سلامة المجتمع، وقد تجعل أنظمة ديمقراطية تسقط وتحل محلها نظم ديكتاتورية.
فالأزمة الاقتصادية تنال من شرعية الحكومات سواء كانت ديمقراطية أم استبدادية، وتؤثر سلبًا على الاستقرار السياسي في أي منهما.
وتقدم الخبرة الأوروبية ذاتها مثالًا واضحًا على هذا، فعدم الاستقرار الاقتصادي الذي شهدته أوروبا عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، وحتى وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وتحديدا في الفترة من 1919 إلى 1945، هدد الأنظمة الديمقراطية، لأنه وضع صعوبات جمة أمامها في تحديد الأولويات الاجتماعية والاقتصادية، التي تعد المهمة الرئيسية للحكومات، ومن ثم أثر سلبيًا على شرعيتها.
وفي الوقت الراهن نلمس غياب هذا الارتباط في ضآلة تأثير الاختلافات في إدارة العملية الاقتصادية بين الدول التي تنتج صناعات “هاي تك”، وهي الولايات المتحدة واليابان والبلدان الأوروبية، على مخرجات أنظمتها السياسية الديمقراطية.
فهذه البلدان احتفظت بنظم ديمقراطية تقوم على إجراءات متشابهة وحزمة من القيم متطابقة، إلى حد كبير، رغم أن النظام الإداري الأوروبي والياباني يقوم على إعطاء صلاحيات أكبر للمديرين البيروقراطيين ويميل إلى المساواة النسبية في توزيع الثروة، بينما يقوم نظام الولايات المتحدة على إعطاء فرص أوسع للممولين وليس للمديرين ويجنح إلى التوزيع غير المتكافئ للثروة.
لكن عدم وجود ارتباط يصل إلى درجة “القانون العلمي” أو يقوم على قاعدة منطقية تؤدي مقدماتها إلى نتائج محددة بين الديمقراطية واقتصاد السوق، أو بين التنمية والديمقراطية، لا ينفي أمرين مهمين تثبتهما الخبرة العملية، الأول هو أن الرأسمالية أثرت تاريخيًا في أنظمة الحكم بما ساهم في ميلاد الديمقراطية، وأن النظم الديمقراطية تحمل مقومات أكثر من غيرها على تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية، وأن التحرر الاقتصادي قد لا يفضي بالضرورة إلى ليبرالية سياسية على المدى القريب لكنه قد يؤثر في ذلك المضمار على المدى البعيد، حال حياد العوامل الأخرى.
والأمر الثاني هو أن الاقتصاد كبنية وعمليات وإجراءات وعلاقات يؤثر على الديمقراطية من عدة زوايا.
أولها تتعلق بتأثير الإنجاز الاقتصادي في العملية الانتخابية. فهناك اعتقاد شائع بين الساسة في العديد من الدول الديمقراطية، إن لم يكن في جميعها مفاده أن التركيز على الإنجاز الاقتصادي يمثل جواز مرور الحزب الذي يتولى الحكم إلى الجماهير، لأنها تصوت لصالح من يحقق لها درجة أفضل من الرخاء الاقتصادي.
والعكس صحيح، فالجماهير تعاقب الحزب الذي يخفق في هذه المهمة عبر صناديق الانتخابات، ومن ثم تعتمد قدرة أي حزب سياسي على الاستمرار في السلطة على ما يحققه من رفاه اجتماعي.
والزاوية الثانية ترتبط بكون الاقتصاد يستخدم أداة لتشجيع الديمقراطية أو الحض عليها، إما بطريقة سلبية عن طريق تهديد الدول الديمقراطية الكبرى لنظيرتها غير الديمقراطية بقطع المعونات الاقتصادية أو فرض عقوبات، أو تضييق الخناق عليها في المؤسسات المالية الدولية المانحة للقروض حتى تتخذ خطوات ديمقراطية، أو تعود إلى الديمقراطية إذا حدث ارتداد عليها، وإما إيجابيًا عبر زيادة المعونات الاقتصادية والحصول على القروض والمنح.
أما الزاوية الثالثة فتتمثل في الدور الذي يعوله البعض على العولمة الاقتصادية في دفع مجتمعات ذات نظم حكم تسلطية أو شمولية إلى الديمقراطية.
وقد اختبر باحثون أثر التجارة الدولية على التحالفات السياسية في بعض الدول، فألفوا أن التغير في معدل المكسب والخسارة الناجم عن حركة التجارة العالمية يؤثر على مصادر القوة للتحالفات الاجتماعية داخل الدول، ويوجد طبقة وسطى تجارية تكافح لتجذير قيم الديمقراطية، لأن هذا يحقق مصالحها، من خلال توفير مناخ من الاستقرار السياسي الذي يضمن لها مواصلة أعمالها وزيادة حجم أرباحها.
وفي المقابل، تخص الزاوية الرابعة ترسب قيم وإجراءات الديمقراطية داخل البنى الاقتصادية ذاتها، بحيث تكون الديمقراطية هي العنصر الفاعل والاقتصاد هو العنصر القابل أو المتلقي للفعل.
وهنا يظهر مفهوم “الديمقراطية الصناعية” التي تعد من إفرازات التوجهات الفوضوية والحركة النقابية والنزعة الاشتراكية، حيث مشاركة العمال في اتخاذ القرارات الخاصة بشروط العمل، مع بقاء السيطرة الفعلية في يد صاحب العمل.
وقد استفادت الحركة النقابية بالفعل في دول عديدة من التوجهات الديمقراطية، حيث توفرت لها وسائل للتعبير الحر عن نفسها، وتمكنت من إجراء الانتخابات الداخلية التي تدفع إلى الأمام عناصر تحقق مصالح العمال سواء في مواجهة أرباب العمل أو التصلب أمام أي قرارات تتخذها السلطات، ويرى العمال أنها تؤثر سلبًا على مواقعهم ومكتسباتهم.
وفي الدول التي تحكمها أنظمة تسلطية أو شمولية وجدت الحركة النقابية نفسها تعاني من آثار غياب الديمقراطية، حيث تدس الحكومة أنفها في الشأن النقابي لمنع وصول عناصر معارضة أو تدجين النضال النقابي، بما لا يسبب أي إزعاج للسلطة.
<p>The post الديمقراطية والتنمية.. منفعة متبادلة بين السياسي والاقتصادي (2 ـ 2) first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360