الذكاء الاصطناعى وإعادة رسم خريطة القوة العالمية
Backملخص الخبر
- يعد الذكاء الاصطناعي عاملاً يعيد تشكيل القوة الاقتصادية والاستراتيجية في النظام الدولي ويغير قواعد توزيع النفوذ.
- تعد السيطرة على الرقائق المتقدمة ومراكز البيانات والطاقة والقدرات العلمية عناصر أساسية في حسابات القوة الاستراتيجية للدول.
- يفرض الذكاء الاصطناعي تحديات تتعلق بالسيادة الرقمية والتكنولوجية، حيث يهدد الاعتماد المفرط على شركات أجنبية استقلال الدول.
- يؤثر الذكاء الاصطناعي على الأمن القومي عبر تغيير طبيعة الاستخبارات والحرب السيبرانية وسرعة اتخاذ القرار العسكري.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
فى مقالى المنشور فى 4 أكتوبر بعنوان «الذكاء الاصطناعى: من سباق التكنولوجيا إلى سباق المخاطر»، تناولت التحول الذى يفرضه الذكاء الاصطناعى على طبيعة المخاطر التى تواجه الدول والمجتمعات، من الأمن السيبرانى والمعلوماتى إلى الاقتصاد والأمن القومى. غير أن هذا التحول يفتح سؤالاً آخر لا يقل أهمية: كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعى فى مصادر القوة نفسها، ومن سيمتلك القدرة على إنتاجه وتطويره وتشغيله على نطاق واسع؟
فالذكاء الاصطناعى يتجاوز كونه ثورة تكنولوجية جديدة، ليصبح عاملاً يعيد تشكيل القوة الاقتصادية والاستراتيجية فى النظام الدولى. ومع صعود الحوسبة المتقدمة والرقائق والبيانات والطاقة والقدرات العلمية كعناصر مترابطة، تتغير قدرة الدول والشركات على المنافسة والتأثير، كما تتغير معها قواعد توزيع النفوذ الدولى خلال العقود المقبلة.
وتكمن أهمية الذكاء الاصطناعى فى أنه لا يضيف قطاعاً جديداً إلى الاقتصاد العالمى فحسب، بل يعيد تنظيم قطاعات قائمة حوله. فالرقائق المتقدمة تحتاج إلى سلاسل توريد شديدة التعقيد، ومراكز البيانات تحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء، والنماذج المتقدمة تحتاج إلى بيانات وحوسبة ومواهب علمية. وهكذا تتشكل منظومة قوة متكاملة، يصبح التحكم فى حلقاتها الرئيسية مصدراً لنفوذ يتجاوز قيمتها التجارية المباشرة.
وهذا يفسر احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. فالصراع لا يدور فقط حول من ينتج النماذج الأكثر تقدماً، وإنما حول من يمتلك عناصر المنظومة التى تجعل إنتاج هذه النماذج ممكناً. ولذلك أصبحت الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها والقدرات الحسابية ومراكز البيانات والطاقة عناصر فى الحسابات الاستراتيجية للدول. كما أصبحت القيود على تصدير التكنولوجيا المتقدمة أداة للتأثير فى قدرة المنافس على بناء استقلاله التكنولوجى، بينما تدفع هذه القيود فى المقابل إلى إنشاء سلاسل توريد بديلة، بما قد يقود إلى نظام تكنولوجى عالمى أكثر انقساماً.
وفى هذا السياق يبرز مفهومان أصبحا جزءاً من النقاش حول القوة الوطنية: السيادة الرقمية Digital Sovereignty والسيادة التكنولوجية Technological Sovereignty. وتعنى السيادة الرقمية قدرة الدولة على التحكم فى بياناتها وبنيتها الرقمية والمنصات التى تعتمد عليها، ووضع القواعد التى تحكم استخدامها، بما يقلل مخاطر الاعتماد الكامل على أنظمة خارجية. أما السيادة التكنولوجية فتتعلق بقدرة الدولة على تطوير التكنولوجيا الأساسية وتكييفها وإنتاج جزء مهم من مكوناتها. ولا يعنى ذلك الانغلاق أو الاستغناء عن التعاون الدولى، وإنما امتلاك بدائل وخيارات وطنية تمنع تحول الاعتماد إلى تبعية.
ويزداد الأمر تعقيداً مع صعود الشركات الكبرى إلى موقع جديد داخل النظام الدولى. فقد أصبح عدد محدود منها أكثر قوة من الدول ذاتها بعد أن باتت تمتلك قدرات هائلة فى الحوسبة والبيانات والبحث العلمى ورأس المال، بما يمنحها تأثيراً فى مسار التكنولوجيا العالمية يتجاوز الدور التقليدى للشركات. وهنا تظهر معادلة جديدة للقوة: الدولة تمتلك السيادة السياسية، بينما تمتلك الشركات جزءاً متزايداً من البنية التى تحدد القدرة الاقتصادية والتكنولوجية. وإذا أصبحت الحكومات تعتمد بصورة مفرطة على شركات أجنبية فى البيانات أو الحوسبة أو البنية الرقمية، فإن ذلك قد يضعف عملياً جوانب من سيادتها الرقمية والتكنولوجية.
ويمتد هذا التحول مباشرة إلى الأمن القومى. فالذكاء الاصطناعى يغير طبيعة الاستخبارات وتحليل المعلومات والحرب السيبرانية وبعض التطبيقات العسكرية، كما يسرّع الانتقال من جمع المعلومات إلى اتخاذ القرار. وفى بيئة تتقلص فيها المدة بين معرفة تحرك الخصم والرد عليه، يمكن أن يصبح التفوق فى تحليل البيانات واستخدامها عاملاً مؤثراً فى ميزان القوة، لا يقل أهمية عن بعض عناصر القوة العسكرية التقليدية.
أما اقتصادياً، فإن القضية الأساسية لا تتعلق فقط بالوظائف التى يمكن أن تختفى، وإنما بمن سيحصل على القيمة التى سيولدها الذكاء الاصطناعى. فإذا استطاعت الشركات زيادة الإنتاج مع الاعتماد على عدد أقل من العاملين، فقد ترتفع حصة رأس المال والتكنولوجيا من الدخل على حساب حصة العمل، ما لم تتغير سياسات التعليم والتأهيل والحماية الاجتماعية. ومن ثم، فإن السؤال الاستراتيجى ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعى سيرفع الإنتاجية، وإنما كيف ستتوزع مكاسبه داخل المجتمعات وبين الدول.
وتواجه الدول النامية تحدياً أكثر تعقيداً. فالفجوة المقبلة قد لا تكون بين دول تستخدم الذكاء الاصطناعى وأخرى لا تستخدمه، وإنما بين دول تستطيع تطويره وتكييفه مع احتياجاتها، ودول تتحول إلى أسواق للتكنولوجيا المنتجة فى الخارج. وإذا أصبحت قطاعات التعليم والصحة والإدارة والإنتاج تعتمد بصورة متزايدة على أنظمة أجنبية دون امتلاك القدرات والبيانات والبنية اللازمة لفهمها والتحكم فيها، فقد تنشأ صورة جديدة من التبعية تؤثر فى الاستقلال الاقتصادى والقدرة الوطنية على اتخاذ القرار.
ولهذا فإن التعامل مع الذكاء الاصطناعى باعتباره ملفاً تكنولوجياً فقط سيكون خطأً استراتيجياً. المطلوب هو إدماجه فى مفهوم القوة الوطنية، وربطه بالتعليم والطاقة والصناعة والبحث العلمى والأمن الاقتصادى والقومى، مع بناء قدرات حقيقية فى السيادة الرقمية والسيادة التكنولوجية. ولا تحتاج كل دولة إلى منافسة القوى الكبرى فى بناء أكبر النماذج، وإنما إلى امتلاك القدرات التى تمنع تحولها إلى مستهلك دائم للتكنولوجيا والمعرفة التى ينتجها الآخرون.
فالذكاء الاصطناعى لا يغير أدوات القوة فحسب، بل يغير شروط امتلاكها. والدول التى تنتج المعرفة والبنية اللازمة له ستعزز مكانتها ونفوذها، بينما قد تجد الدول التى تكتفى بشرائه نفسها أكثر اعتماداً على الآخرين فى قطاعات تمس اقتصادها وأمنها وقدرتها على اتخاذ القرار. ولذلك فإن سباق الذكاء الاصطناعى هو، فى جوهره، سباق على المكانة والسيادة والقوة والثروة والنفوذ فى النظام الدولى الجديد.
نقلاً عن “المصري اليوم”
المصدر: العربية – سياسة