الذكاء الاصطناعي لا يلعب الشطرنج أفضل من البشر فقط.. بل يتعامل مع التعقيد بشكل مختلف
لعقود، شكلت لعبة الشطرنج مختبرًا لدراسة الذكاء واتخاذ القرارات. ومن المعروف أن محركات الشطرنج المعتمدة على الذكاء الاصطناعي الحالية قادرة على التفوق حتى على أقوى كبار اللاعبين، لكن ما هو أقل فهمًا هو كيفية اختلاف طريقة لعبها فعليًا.
ومن خلال تحليل التفاعلات نقلةً بنقلة في أكثر من 2000 مباراة بين لاعبين بشريين، ومباريات بين أنظمة ذكاء اصطناعي، توصل فريق من الباحثين في مركز علوم التعقيد وجامعة بارما الإيطالية إلى اختلاف جوهري في طريقة تعامل البشر والذكاء الاصطناعي مع ما أطلقوا عليه “التوتر الاستراتيجي”.
وقال فيتو دي. بي. سيرفيديو، الباحث الرئيسي في الدراسة والعالم البارز في مركز علوم التعقيد: “لا يختلف البشر والذكاء الاصطناعي فقط في مستوى قوة اللعب، بل يختلفان في كيفية تعاملهما مع التعقيد. فاللاعبون البشر يقللون التعقيد سريعًا، بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي الحفاظ عليه”، بحسب تقرير لموقع “Tech Xplore” المتخصص في أخبار التكنولوجيا، اطلعت عليه “العربية Business”.
وقاس الباحثون هذا الاختلاف من خلال تحديد عدد الاحتمالات التي تظل مفتوحة بعد كل نقلة. وكلما اتسع نطاق الاحتمالات المتاحة في أي لحظة، زاد ما يصفه الباحثون بـ”التوتر الاستراتيجي”.
في بداية مباراة الشطرنج، يبدأ التوتر الاستراتيجي في الارتفاع مع تقدم اللعب، إذ تؤدي كل نقلة إلى إعادة تشكيل شبكة النقلات المحتملة، ما يزيد من تعقيد الوضع.
في منتصف المباراة.. يفترق البشر والذكاء الاصطناعي
وجد الباحثون أن اللاعبين البشر وأنظمة الذكاء الاصطناعي يرفعون مستوى “التوتر الاستراتيجي” خلال الافتتاح وبداية منتصف المباراة. بل إن أفضل اللاعبين البشر يصلون لفترة وجيزة إلى مستوى من التوتر أعلى حتى من محركات الشطرنج، وهي برامج ذكاء اصطناعي متخصصة في لعب الشطرنج وتحليل النقلات.
لكن بعد ذلك، تختلف المسارات. فعادةً ما يبدأ كبار اللاعبين في تبادل القطع وتبسيط الوضع بمجرد خروجهم من خطوط الافتتاح التي جرى إعدادها ودراستها وحفظها مسبقًا.
في المقابل، تحافظ محركات الشطرنج المتطورة، مثل Stockfish وLeela Chess Zero، على أوضاع شديدة الترابط لعدد أكبر بكثير من النقلات.
وبعبارة أخرى، يتخلى البشر عن هذا التوتر، بينما تحافظ محركات الشطرنج على مستوى أوسع من التعقيد على الرقعة لفترة أطول بكثير.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في دورية “APS Open Science”، أن القدرة على الحفاظ على التوتر الاستراتيجي تزداد مع ارتفاع مستوى اللعب.
فاللاعبون البشر الأقوى يحافظون على أوضاع معقدة لفترة أطول مقارنة باللاعبين الأضعف، كما تشهد المباريات الكلاسيكية، التي يحصل فيها اللاعبون على وقت أطول للتفكير، مستوى تراكميًا أعلى بكثير من التوتر مقارنة بمباريات الشطرنج السريع.
ويظهر نمط مماثل لدى الذكاء الاصطناعي. فزيادة عمق البحث لدى محرك Stockfish تؤدي أيضًا إلى زيادة مستوى التوتر الاستراتيجي الذي يحافظ عليه طوال المباراة، ما يشير إلى ارتباط وثيق بين الحفاظ على التعقيد والموارد الحسابية.
نتيجة المباراة تُحسم قبل بلوغ التعقيد ذروته
ومن المثير للاهتمام أن الباحثين وجدوا أن نتيجة المباراة غالبًا ما تكون قد تحددت قبل وصول “التوتر الاستراتيجي” إلى ذروته.
وبعد أن تتضح أفضلية أحد الطرفين، يميل كل من البشر والذكاء الاصطناعي إلى تبسيط الوضع، لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي تحافظ على مستوى أعلى من التعقيد مقارنة باللاعبين البشر.
المصدر: العربية – تكنولوجيا