الردع والدفاع.. ما لا يقدمه “اتفاق مكة” الثلاثي للسعودية
أصدر المركز العربي لدراسة السياسات في واشنطن تقدير موقف حول اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، محللاً طبيعته وأهدافه، وما يقدمه لأطرافه، ولا سيما السعودية، فضلاً عن موقف الولايات المتحدة وتداعيات الاتفاق على التوازنات الأمنية في المنطقة.
ويخلص التقدير إلى أن الاتفاق لا يمثل بديلاً للمظلة الأمنية الأمريكية، بقدر ما يعكس توجه الرياض إلى تنويع شراكاتها الدفاعية وتقليل مخاطر الاعتماد على ضامن أمني واحد، مع الاستفادة من الاتفاق في تطوير قدراتها الصناعية والعسكرية.
في 7 أغسطس 2026، وقّع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف اتفاق الدفاع المشترك في مكة، الذي انضمت بموجبه تركيا إلى اتفاق الدفاع الجماعي السعودي- الباكستاني الموقع في سبتمبر 2025. وينص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، إلى جانب تعميق التعاون الدفاعي بينها.
ورغم الضجة السياسية والإعلامية، التي أحاطت بالاتفاق، فإن قدرته على إنتاج استجابة عسكرية مشتركة تبدو محدودة في صيغته الحالية. فالنص الكامل لم يُنشر، ولا ينشئ قيادة عسكرية مشتركة أو قوات دائمة، كما لا يحدد آلية واضحة لتفعيل الالتزام بالدفاع الجماعي. ولذلك تبدو قيمته السياسية أكبر من قيمته العملية.
لكن جانب التعاون الدفاعي قد يكون أكثر أهمية على المدى الطويل، خصوصًا في مجالات التصنيع العسكري، والتدريب المشترك، وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وقد يؤدي ذلك تدريجيًا إلى تنسيق سياسي بين الدول الثلاث، يتجاوز في أهميته الالتزام النظري بالدفاع المشترك. ومن هذه الزاوية، قد يوفر الاتفاق للرياض مكاسب أكبر في القدرة الصناعية والدبلوماسية منها في مجال الدفاع الجماعي المباشر.
ولا يحل اتفاق مكة محل المظلة الأمنية الأمريكية؛ فجميع الشركاء الذين ضمتهم الرياض إلى منظومتها الجديدة حلفاء أو شركاء لواشنطن، وليسوا خصومًا لها. ولهذا لم تبدِ الولايات المتحدة قلقًا من الاتفاق، بل رحب به الرئيس دونالد ترامب، معتبرًا أن زيادة قدرة دول المنطقة على تحمل أعباء الدفاع قد تخفف جزءًا من المسؤوليات التي تتحملها واشنطن.
ما الذي تريده الرياض من التنويع؟
منذ اندلاع الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير 2026، تعرضت السعودية لهجمات متواصلة ومتنوعة، شملت صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية، وهجمات من جماعات عراقية مرتبطة بطهران، فضلًا عن استئناف الحوثيين هجماتهم على المطارات ومنشآت الطاقة والناقلات المرتبطة بالسعودية. وقد جعلت هذه التطورات الدعوة إلى تنويع الشراكات الأمنية أكثر حضورًا في النقاش السعودي.
غير أن هذا التنويع بدأ قبل اتفاق مكة وشمل بريطانيا واليونان وباكستان، إلى جانب الولايات المتحدة. فقد نشرت بريطانيا وحدات دفاع جوي وأفرادًا عسكريين في المنطقة، بينما تتمركز بطارية باتريوت يونانية قرب ينبع منذ عام 2021، وشاركت في اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت منشآت سعودية. ومنذ توقيع الاتفاق السعودي-الباكستاني عام 2025، نشرت إسلام آباد في المملكة آلاف الجنود وطائرات مقاتلة ومنظومة دفاع جوي صينية الصنع.
وتكمن أهمية هذه الترتيبات في أنها جرت جميعًا داخل النظام الأوسع للتحالفات الأمريكية؛ فلم تتجه الرياض إلى بكين أو موسكو؛ بحثًا عن بديل كامل لواشنطن. ومع ذلك، ظلت المملكة عرضة للهجمات، وهو ما يحد من التوقعات بشأن ما يمكن أن تضيفه تركيا وحدها إلى منظومة الحماية السعودية.
من سيدافع عن السعودية؟
لا تملك أنقرة حافزًا قويًا للدخول في مواجهة مباشرة مع إيران أو حلفائها في اليمن والعراق. وقد أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الاتفاق لا يحدد عدوًا مشتركًا ولا يستهدف إيران، مشيرًا إلى أن الإعداد له بدأ قبل أكثر من عامين، بما يفصل بين الاتفاق والحرب الحالية. وتظل العلاقات التركية- الإيرانية مزيجًا من المنافسة والتعاون، بما يجعل الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة خيارًا مكلفًا لأنقرة.
أما باكستان، فتواجه قيودًا أكثر عمقًا. فهي تشترك مع إيران في حدود تمتد لنحو 900 كيلو متر، ولديها قاعدة سكانية شيعية كبيرة، كما اضطلعت بدور الوسيط بين واشنطن وطهران. لذلك تبدو قدرتها على الانخراط في حرب مباشرة ضد إيران محدودة. والأرجح أن تقدم إسلام آباد قوات للدفاع عن الأراضي السعودية، لكنها لن تكون راغبة في المشاركة في عمليات هجومية ضد إيران أو الحوثيين.
وقد جاء أول اختبار محدود للاتفاق، عندما أصابت طائرة مسيرة حوثية منشأة في جازان بعد أقل من 48 ساعة على توقيعه. ورغم عدم وقوع خسائر بشرية، لم تبدُ أنقرة أو إسلام آباد مستعدتين للمشاركة في الرد السعودي على الهجوم الحوثي. ومع ذلك، فإن هذا النوع من الهجمات المحدودة هو أيضًا الأقل احتمالًا لتفعيل بند الدفاع الجماعي، ولذلك لا يزال الاختبار الحقيقي للاتفاق مؤجلًا.
القيمة السياسية والصناعية
إذا كانت للاتفاق قيمة استراتيجية حقيقية، فإنها تبدو سياسية وصناعية أكثر منها عسكرية. فقد أشار فيدان إلى أن التعاون الدفاعي والصناعي كان من الموضوعات الرئيسية التي نوقشت في مكة، ومن المرجح أن يعمق الاتفاق ترتيبات قائمة بالفعل.
ومن أبرز هذه الترتيبات التعاون بين شركة «بايكار» التركية والشركة السعودية للصناعات العسكرية في إنتاج الطائرة المسيرة القتالية «أكنجي». كما وصلت المفاوضات بشأن مشاركة السعودية في برنامج المقاتلة التركية «كآن» إلى مرحلة متقدمة، مع طرح فكرة الاستثمار المشترك.
ويمنح هذا التعاون الرياض مسارًا لدعم أهدافها في توطين الصناعات الدفاعية، وفي مقدمتها رفع نسبة توطين الإنفاق العسكري على المعدات والخدمات إلى أكثر من 50% بحلول عام 2030، وإن كان تحقيق هذا الهدف سيستغرق وقتًا.
أما باكستان، فيوفر لها الاتفاق إمكانية أكبر للوصول إلى رأس المال السعودي والتكنولوجيا العسكرية التركية. وقد استفادت بالفعل من الدعم المالي السعودي، بما في ذلك ضخ 3 مليارات دولار لتعزيز احتياطياتها من النقد الأجنبي في إبريل 2026. كما يعزز الاتفاق مكانتها الإقليمية ورصيدها الدبلوماسي، ويمنحها أهمية أكبر لدى كل من الرياض وواشنطن.
وبالنسبة إلى تركيا، يفتح الاتفاق أسواقًا إضافية أمام صناعتها الدفاعية ويوسع حضورها الأمني في المنطقة. أما السعودية، فتحصل على مصادر إضافية للسلاح والتكنولوجيا والخبرة. لكن التعاون الدفاعي لا يلغي المنافسة السعودية- التركية على النفوذ الإقليمي، خصوصًا في سوريا ولبنان، حيث لا تزال أولويات البلدين مختلفة.
الدور المتغير للولايات المتحدة
لا توجد مؤشرات على أن السعودية تعتزم التخلي عن علاقتها الأمنية بالولايات المتحدة أو عن هدفها في الحصول على معاهدة دفاع رسمية تضمن أمنها. فقد وقعت الرياض وواشنطن في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 اتفاقًا دفاعيًا استراتيجيًا، تلاه منح السعودية صفة حليف رئيسي من خارج حلف الناتو، والموافقة على صفقات تسليح مستقبلية، مقابل تعهد المملكة بزيادة استثماراتها في الولايات المتحدة.
لكن هذه الترتيبات لم تصل إلى مستوى معاهدة دفاع شبيهة بمعاهدات حلف الناتو. ومن ثم، بدأت السعودية في بناء طبقات إضافية من الأمن مع الحفاظ على تحالفها الأساسي مع واشنطن.
وتتابع الرياض النقاشات الأمريكية حول إعادة تموضع القوات واحتمال تقليص الوجود العسكري في الخليج، وهو ما دفعها إلى إدخال بدائل في خطط الطوارئ. فالقوة العسكرية الأمريكية لا تزال لا غنى عنها، لكنها لا تحصن السعودية من التعرض للهجمات، ولا تضمن أن تتطابق استجابة واشنطن دائمًا مع الأولويات السعودية.
وقد رحبت إدارة ترامب بالاتفاق، انطلاقًا من رغبتها في أن يتحمل الحلفاء قدرًا أكبر من أعباء الدفاع الإقليمي. لكن افتراض أن تركيا وباكستان ستستخدمان الاتفاق لاحتواء إيران قد يكون مبالغًا فيه؛ فاهتمامات أنقرة الاستراتيجية تتركز بدرجة كبيرة على سوريا، كما أن تدهور علاقتها بإسرائيل أصبح في نظرها تحديًا إقليميًا رئيسيًا. أما باكستان فشاغلها الاستراتيجي الأول يظل منصبا على الهند.
هل ترى الأطراف الدولية الاتفاق كتلة عسكرية جديدة؟
جاء الرد الإيراني على الاتفاق حذرًا إلى حد كبير. فقد رحب وزير الخارجية عباس عراقجي به، داعيًا الدول الإسلامية إلى الاعتماد على نفسها، في حين قلل مسؤولون آخرون من قيمته الأمنية. ويرى بعض المحللين الإيرانيين أن تركيا وباكستان قد تتخذان موقفًا يقع بين عدم التدخل والتدخل، من خلال تقديم الدعم السياسي والاستخباراتي واللوجستي، دون الدخول في الحرب مباشرة.
أما الصين، فلم تصدر موقفًا رسميًا واضحًا، لكنها رأت في الاتفاق مؤشرًا إلى تغير موازين القوى الإقليمية وإلى هشاشة الاعتماد على الولايات المتحدة. وتتيح استراتيجية السعودية لتنويع أمنها فرصًا لبكين في التدريب والتسليح والدبلوماسية العسكرية، لكن الصناعة الدفاعية التركية تنافس الصادرات الصينية، كما أن تحول الاتفاق إلى تحالف عسكري فعلي في مواجهة إيران قد يتعارض مع رغبة الصين في تجنب الانخراط المباشر في صراعات المنطقة.
أما إسرائيل، فالتزمت الصمت، رغم تنامي حساسيتها تجاه الدور التركي. وقد حذر سياسيون إسرائيليون من ظهور محور إقليمي جديد، لكن محللين إسرائيليين يستبعدون تحول الاتفاق قريبًا إلى قوة عسكرية.
كما أثار غياب مصر عن الاتفاق اهتمامًا، إلا أن القاهرة قد تكون متحفظة أصلًا على الانضمام إلى تحالف أمني إقليمي، فيما تشير تقارير غير مؤكدة إلى أن الرياض لم تكن متحمسة لإشراكها. وبوجه عام، لا تتعامل أي من العواصم المعنية حاليًا مع اتفاق مكة باعتباره بنية عسكرية متكاملة.
الخلاصة
لا يحل اتفاق مكة محل الولايات المتحدة، باعتبارها الضامن الأمني الرئيسي للسعودية، ولا يبدو أن الرياض تسعى إلى أن يؤدي هذا الدور. فما تزال الأسلحة الأمريكية والاستخبارات ومنظومات الدفاع الجوي المتكاملة المعتمدة على الولايات المتحدة عناصر أساسية في القدرات الدفاعية السعودية، ولا يوجد حاليًا بديل يقترب من مستوى الدور الأمريكي.
كما أن الاتفاق استجابة لقلق سعودي متزايد من الاعتماد على ضامن أمني واحد. فالدول الثلاث تختلف في تعريفها للتهديدات، ولا توجد قيادة عسكرية مشتركة أو آليات منشورة لتفعيل الدفاع الجماعي، كما أن الاتفاق لا يبدو واضحًا في التعامل مع هجمات الطائرات المسيرة، وهي من أبرز التهديدات التي تواجه المملكة.
ومع ذلك، يمنح الاتفاق السعودية خيارات جديدة في التعاون العسكري والتدريب ونقل التكنولوجيا والخبرة، ويدعم مساعيها إلى تطوير قطاع دفاعي أكثر استقلالًا. وهي، بذلك، لا تحصل على شريك مستعد بالضرورة لخوض حرب ضد إيران أو الحوثيين، وإنما على طبقة إضافية من الشراكات والقدرات.
وعليه، فإن التقدير أن اتفاق مكة يمثل تنويعًا للأمن السعودي، وتكمن قيمته الأبرز في التعاون الصناعي الدفاعي، ونقل التكنولوجيا، والتدريب، وتوسيع الخيارات السياسية والدبلوماسية. أما قيمته في الردع والدفاع الجماعي فتظل محدودة في ظل غياب القيادة المشتركة وآليات التنفيذ وتباين مصالح الدول الثلاث.
ويعكس تحولًا في التفكير السعودي نحو بناء منظومة أمنية متعددة الطبقات، تقلل مخاطر الاعتماد على شريك واحد، وتمنح المملكة أدوات إضافية لبناء قدراتها الدفاعية والصناعية؛ استعدادًا لمرحلة ما بعد الحرب مع إيران.
<p>The post الردع والدفاع.. ما لا يقدمه “اتفاق مكة” الثلاثي للسعودية first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360



