السعودية تفتح مساراً واسعاً أمام الشركات الفرنسية للنمو والاستثمار
تتجه العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين السعودية وفرنسا إلى مرحلة أكثر عمقاً، مع اتساع حضور الشركات الفرنسية في المملكة وتزايد الفرص التي تتيحها مشاريع التحول الاقتصادي ضمن رؤية السعودية 2030.
وتنطلق فرنسا من قاعدة استثمارية راسخة في السوق السعودية، بعدما تمكنت شركاتها من بناء حضور يمتد إلى قطاعات الطاقة والنقل والمياه والضيافة والخدمات المالية والصناعات والتقنية والبنية التحتية، ما يمنح الشركات الفرنسية الجديدة مساراً أكثر وضوحاً لدخول السوق والاستفادة من المشاريع الكبرى التي تشهدها المملكة.
وبحسب البيانات الرسمية، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الفرنسي في السعودية نحو 16.3 مليار يورو في 2024، لتحتل فرنسا المرتبة الرابعة بين الدول المصدرة للاستثمار الأجنبي المباشر من حيث الرصيد.
وتضم قاعدة الحضور الفرنسي في المملكة 651 ترخيصاً استثمارياً عبر 18 قطاعاً، بينها 90 ترخيصاً جديداً في 2024 و127 ترخيصاً في 2025، فيما تضاعف رصيد الاستثمارات الفرنسية خلال السنوات الثلاث الماضية، في مؤشر على توسع النشاط وليس مجرد دخول شركات جديدة إلى السوق.
إعادة الاستثمار.. مؤشر على جاذبية السوق
ولا يقتصر الحضور الفرنسي على الشركات التي بدأت أعمالها حديثاً في السعودية، إذ تواصل شركات فرنسية ذات خبرة طويلة في المملكة توسيع استثماراتها وأعمالها، بما يعكس تحول السوق السعودية من وجهة للتصدير والمشروعات الفردية إلى سوق استراتيجية طويلة الأجل.
وتبرز “توتال إنرجيز”، التي تواصل تعزيز حضورها في المملكة، ومن ذلك توسعة مشروع “أميرال”، في وقت تتمتع فيه شركات فرنسية أخرى بحضور قوي في قطاعات حيوية تتماشى مع أولويات التنمية السعودية.
وفي قطاع النقل والتنقل، يحضر اسما “ألستوم” و”RATP Dev” من خلال مشروعات وخدمات مرتبطة بتطوير منظومة النقل في المملكة، بينما تعمل “فيوليا” في السوق السعودية منذ أكثر من 35 عاماً، ما يجعلها من أقدم النماذج على استدامة الاستثمار الفرنسي في المملكة.
كما تواصل مجموعة “أكور” تعزيز حضورها في قطاع الضيافة، وهو قطاع مرشح لمزيد من النمو مع توسع السياحة السعودية وارتفاع الاستثمارات في الوجهات والمشروعات السياحية الكبرى.
“العلا” بوابة رئيسية للشركات الفرنسية
يمثل مشروع تطوير العلا أحد أبرز نماذج الشراكة الاقتصادية الفرنسية السعودية، إذ تحولت المنطقة إلى منصة لاستقطاب الخبرات والشركات الفرنسية في قطاعات الثقافة والسياحة والتراث والبنية التحتية والتصميم والخدمات.
وتعمل الوكالة الفرنسية لتطوير العلا “AFALULA” مع الهيئة الملكية لمحافظة العلا على دعم تطوير المنطقة وتحويلها إلى وجهة ثقافية وسياحية عالمية، ووفق الهيئة الملكية لمحافظة العلا، أسفرت الشراكة منذ عام 2019 عن إسناد أكثر من 170 عقداً لشركات فرنسية بقيمة إجمالية تتجاوز 200 مليون دولار.
وتشير المعطيات الفرنسية إلى أن “AFALULA” أسهمت في حشد نحو 1.6 مليار يورو ودعمت إبرام أكثر من 170 عقداً للشركات الفرنسية، بما يعكس الدور الذي تلعبه المشروعات السعودية الكبرى في فتح قنوات جديدة أمام الشركات الأجنبية.
وتتجاوز أهمية “العلا” قيمة العقود المباشرة، إذ توفر المشروعات المرتبطة بها فرصاً للشركات المتخصصة في السياحة وإدارة الوجهات وحماية التراث والهندسة المعمارية والنقل والخدمات الثقافية والاستدامة.
قائمة واسعة من الشركات الفرنسية في السعودية
ولا تقتصر الاستثمارات الفرنسية على عدد محدود من الشركات الكبرى، إذ تضم قائمة الشركات العاملة في المملكة أسماء بارزة مثل “EDF”، و”RATP Dev”، و”فيوليا”، و”سويز”، و”شنايدر إلكتريك”، و”CMA CGM”، و”Bouygues”، و”Egis”، و”Thales”، و”BNP Paribas”، و”Crédit Agricole”، و”Société Générale”.
ويعكس تنوع هذه الشركات اتساع نطاق الفرص المتاحة أمام الاستثمارات الفرنسية، من الطاقة والمياه والنقل واللوجستيات إلى الخدمات المالية والبنية التحتية والتقنيات والصناعات.
كما أن وجود شركات فرنسية في قطاعات مختلفة يوفر للشركات الجديدة ميزة إضافية، تتمثل في إمكانية الاستفادة من الخبرات المتراكمة والشراكات المحلية وسلاسل التوريد التي تطورت مع مرور الوقت.
رؤية 2030 توسع الفرص أمام المستثمرين
وتأتي هذه التطورات في وقت تعمل فيه السعودية على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية ضمن مستهدفات رؤية 2030 والاستراتيجية الوطنية للاستثمار.
وتشمل الأولويات السعودية قطاعات مثل التصنيع والطاقة المتجددة والنقل والخدمات اللوجستية والسياحة والبنية التحتية الرقمية والرعاية الصحية، إلى جانب مشروعات المدن والمشروعات الكبرى.
وتشير وزارة الخارجية الأميركية، نقلاً عن الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، إلى أن السعودية تستهدف زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 103 مليارات دولار سنوياً بحلول 2030.
ومن ثم، فإن الفرصة أمام الشركات الفرنسية لا ترتبط فقط بالمشروعات العملاقة الحالية، وإنما تمتد إلى منظومة أوسع من القطاعات التي تحتاجها عملية تنويع الاقتصاد السعودي وزيادة مساهمة القطاع الخاص.
شراكة تتجاوز التجارة إلى الاستثمار
وعلى الرغم من قوة العلاقات التجارية بين البلدين، فإن الاستثمار أصبح بصورة متزايدة محوراً رئيسياً في الشراكة الاقتصادية السعودية الفرنسية.
وبلغ حجم تجارة السلع بين السعودية وفرنسا، باستثناء المعدات العسكرية، نحو 7.6 مليار يورو في 2024، وفق بيانات الخزانة الفرنسية، منها 3.6 مليار يورو صادرات فرنسية إلى المملكة و4 مليارات يورو واردات فرنسية.
كما اتخذ التعاون الاستثماري بعداً إضافياً في ديسمبر 2024، عندما وقع صندوق الاستثمارات العامة والبنك الاستثماري الوطني الفرنسي Bpifrance Assurance Export مذكرة تفاهم لتقديم خدمات دعم تمويلي تصل قيمتها إلى 10 مليارات دولار لصالح صندوق الاستثمارات العامة وشركات محفظته.
وتشير هذه الخطوة إلى أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين لم تعد تقتصر على التبادل التجاري أو تنفيذ العقود، بل تتجه نحو شراكات تمويلية واستثمارية أكثر تعقيداً، يمكن أن تدعم دخول الشركات الفرنسية في مشروعات سعودية جديدة.
من “دخول السوق” إلى “النمو داخل السوق”
وتبدو الميزة الأهم بالنسبة للشركات الفرنسية في السعودية هي إمكانية الانتقال من نموذج تنفيذ المشروعات إلى نموذج الاستثمار طويل الأجل.
فالشركات التي تدخل السوق السعودية للمشاركة في مشروع واحد تستطيع، مع تراكم الخبرة والعلاقات المحلية، توسيع نشاطها إلى مشروعات أخرى وقطاعات مرتبطة، وهو ما توضحه نماذج “توتال إنرجيز” و”فيوليا” و”أكور” و”ألستوم” وغيرها.
ومع استمرار الإنفاق على البنية التحتية والسياحة والطاقة والنقل والخدمات، تصبح المملكة بالنسبة للشركات الفرنسية سوقاً للنمو وليس مجرد سوق للتصدير.
وبذلك، فإن 651 ترخيصاً استثمارياً فرنسياً موزعة على 18 قطاعاً، إلى جانب الاستثمارات القائمة والمشروعات الجديدة، تعكس انتقال الحضور الفرنسي في السعودية إلى مرحلة أكثر رسوخاً، فيما توفر رؤية 2030 والمشروعات الكبرى أرضية لمزيد من التوسع خلال السنوات المقبلة.
والنتيجة أن الطريق أمام الشركات الفرنسية لدخول السوق السعودية أصبح أكثر وضوحاً، لكن الفرصة الأكبر قد تكون للشركات القادرة على بناء حضور طويل الأجل، وتوطين جزء من أعمالها، وتطوير شراكات مع الشركات السعودية، والاستفادة من الطلب المتزايد على الخبرات والتقنيات والخدمات التي تحتاجها مرحلة التحول الاقتصادي في المملكة.
المصدر: العربية – اقتصاد