السودان بين الحسم وشبح التقسيم
٣٨ منظمة حقوقية، بينها «العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش»، دعت مجلس حقوق الإنسان لسرعة التحرك منعًا لوقوع فظائع إنسانية، نتيجة هجوم وشيك لميليشيات الدعم السريع على مدينة «الأبيض» المحاصرة، مثلما حدث بالفاشر، الجيش تابع عمليات الحشد، وقرر الانتقال من الدفاع عن المدن إلى الهجوم.. «بارا» ثانى أكبر مدن شمال كردفان، تقع شمال شرق الأبيض بقرابة ٤٥ كيلومترًا، تتحكم فى الطريق الذى يربط الأبيض وأم درمان، لذلك تؤمِّن الأبيض من الشرق، وتحكم حركة القوات والإمدادات بين وسط السودان وغربه، وتحد من قدرة الميليشيات على التطلع للعاصمة، وتمهد لإعادة تشغيل طريق الصادرات، الشريان الاقتصادى الحيوى للبلاد.
لكن الجيش دخل بارا عدة مرات، وسرعان ما استردتها الميليشيات، انطلاقًا من تمركزها فى أم سيالة وجبرة الشيخ وسيطرتها على طريق الصادرات، وهو ما تلافاه الجيش هذه المرة، حيث بدأ عملياته باسترداد «رهيد النوبة» المتاخمة لحدود أم درمان الغربية لمنع الميليشيات من التسلل للعاصمة، ثم انطلق باتجاه الجنوب والغرب على محورين، وشن هجمات متزامنة على المراكز الحضرية حول «طريق الصادرات» فاسترد بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وأم قرفة وجِريجِخ وغيرها، ما فرض تراجع خطوط إمداد الميليشيات نحو أم بادر وحمرة الشيخ فى أقصى شمال غرب ولاية شمال كردفان، وبات الجيش يسيطر على معظم مناطق الولاية، ومحور الاتصال بشرق دارفور.
المشكلة بالنسبة للميليشيات أن «رهيد النوبة وأم سيالة وأم قرفة وجبرة الشيخ» كانت تتمركز بها «قوات النخبة»، وهزيمتها أحدثت انهيارًا فى الروح المعنوية وفقدان الأمل فى المحافظة على ما تحتله من أراضٍ، خاصة بعد خسارتها طريق الإمدادات من الغرب، وأعدادًا كبيرة من قادتها الميدانيين، وأهم مراكز تجميع القوات القادمة من دارفور، ومستودعات الذخائر والعربات القتالية، ونقاط الانطلاق الرئيسية للهجمات باتجاه الأبيض، وقد رُصِد قيام مجموعات منهم بدفن قتلاهم بمناطق «الجنانة والمرزوب وعيال بخيت والنهود»، حيث اتجهوا لإعادة التجمع، لكنهم فوجئوا بمقاطعة الأهالى جراء ما قاموا به من انتهاكات وقتل واختطاف ونهب وسلب وابتزاز.
قائد استخبارات الميليشيات «أبشر بلائل» اتهم القيادى «سليمان صندل حقار» بالتواطؤ، وحث قواته للهروب من الاشتباكات، لولائه للقوات المسلحة والتخابر من خلال أهله بالقوة المشتركة الموالية للجيش.. «عبدالعزيز الحلو»، حليف حميدتى، رفض إرسال أى دعم لدارفور، بعد فقدانه أكثر من ٢٥٠ فردًا من «كتيبة جاموس» بمحور بارا، متهمًا القادة الميدانيين بتصدير قواته ككبش فداء.
حميدتى ألقى خطابًا عكس حالة الفوضى بين التشكيلات وفقدان تواصلها مع القيادة، منحهم حرية التصرف والتحرك المباشر، دون انتظار تعليمات مركزية، وشدد على تغيير أساليب القتال والتعامل بصرامة لمواجهة «الطابور الخامس» داخلهم، ملمحًا لتعدد الانشقاقات والانضمام للجيش، وحذر: «المعركة بعد اليوم ستكون نكون أو لا نكون، سنغير قواعد اللعبة، وسأكون معكم بالخطوط الأمامية»، فقد أدرك أن غيابه عن المعارك واعتماده على شقيقه عبدالرحيم تسبب فى الهزائم، مقابل تواجد البرهان وقادة الجيش والقوات المتحالفة بالصفوف الأمامية فى الميدان.
مقر الفرقة الخامسة للجيش وقواعده العسكرية المحاصرة بالأبيض، تحولت لقواعد انطلاق استراتيجية، تتلقى الدعم المباشر من العاصمة، ضمن خطة أوسع يتم تنفيذ محاورها؛ الأول: حرمان جيوب المقاومة شمال كردفان من الدعم القادم من دارفور، الثانى: نقل المعارك تدريجيًا نحو غرب كردفان وتخوم دارفور، والسيطرة على محاور الحركة، وتقاطعات الطرق، وشبكات الإمداد، الثالث: التحرك من شمال غرب دارفور بمحاذاة الحدود الغربية جنوبًا للوصول إلى «الجنينة» لقطع طريق الدعم بالتموين والوقود من تشاد، وإحكام الحصار استعدادًا لمعركة الحسم.
وسط التقدم المتسارع للجيش فى كردفان والنيل الأزرق وتراجع الميليشيات، تقدم «مسعد بولس»، مستشار ترامب للشؤون العربية والأفريقية، بمقترح يتضمن انسحابًا محدودًا للميليشيات من مناطق بولاية النيل الأزرق فقط، وإعادة تموضعها داخل «نقاط التماس»، خلال هدنة «٩٠ يومًا».. المقترح يمتص زخم هجوم الجيش ويوقف تقدمه، ويكرس سيطرة الميليشيات على دارفور والشريط الموازى لها من الولاية الشمالية ومنطقة الحدود الغربية حتى المثلث الحدودى مع مصر وليبيا، وخلا من الجداول الزمنية للتنفيذ، أو تاريخ استعادة سلطة الدولة، فى تسليم ضمنى بالتقسيم، الحكومة تحفظت على المقترح، وتمسكت بانسحاب الميليشيات من كافة مواقعها على مراحل، وتجميعها فى نقاط محددة، تمهيدًا لحل نهائى للملف.
فى نفس الوقت تشكلت شبكة لوجستية إقليمية لدعم الميليشيات؛ «رويترز» ومسودة تقرير «لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة» كشفتا أن شركات مرتبطة بالمتعاقد العسكرى الأمريكى السابق «ستيفن شوليس»، وشريكه «كريج مونرو»، العنصر السابق بالقوات الخاصة الأمريكية، شغّلت ثلاث طائرات «بوينج ٧٢٧» لنقل الإمدادات لمطار «نيالا».. كما تقدمت قوات إثيوبية بداية أغسطس ٢٠٢٦ بقطاع «أم بركيت» الحدودى، فى تحرك أثار مخاوف فتح جبهة «الفشقة» بولاية القضارف، لتشتيت الجيش السودانى وتخفيف الضغط عن الميليشيات.. وذلك بخلاف تنشيط معسكرات التدريب داخل إثيوبيا، والتسهيلات المرتبطة باستخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة وخطوط الإمداد الحدودية.. وأخيرًا تتم ممارسة الضغوط على تشاد وليبيا للسماح بمرور قوافل الوقود، الذى تعانى الميليشيات من نقص حاد به.
انتبهوا أيها السادة، الحرب السودانية فى مفترق طرق؛ إما أن يحافظ الجيش على زخم هجماته ويغلق منافذ الدعم، ويستقطب المزيد من قادة الميليشيات، مستندًا إلى الدعم العسكرى الذى يتدفق عليه من حلفائه الإقليميين، ما يعجل بانهيار الدعم السريع، أو- لا قدر الله- يعجز عن ذلك فتتوفر فرص نجاح ضغوط وقف الحرب، وتثبيت خطوط التماس، ليشهد السودان مرحلة ثانية من التقسيم بعد انفصال جنوبه عام ٢٠١١.
*نقلاً عن “المصري اليوم“
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)