«السوشيال ميديا» شر لا بد منه!
«شر كلها.. وشر ما فيها أنه لا بد منها»، مسكوكة من مسكوكات صاحب العبقريات، محمود عباس العقاد فى كتابه الشهير «عبقرية الإمام على بن أبى طالب». تنسحب على منصات التواصل الاجتماعى (السوشيال ميديا)، شر كلها، وشر ما فيها أنه لا يمكن الاستغناء عنها، صارت مثل أفيون الشعوب، يتعاطونها باستمتاع وشغف، باتت من لزوميات الحياة.
شر كلها، مسرح للحروب النفسية، والاغتيالات المعنوية، والفتن المجتمعية. إلا من رحم ربى، عرضه للاغتيال المعنوى على هذه المنصات الشريرة، لا يفلت من بين أسنانها الصفراء وزير ولا خفير، ولا رجل أعمال، ولا حطاب فى الجبال، ومن ساقه حظه العاثر وسقط فى براثنها، يا داهية دقى!!
دول وجماعات تستثمر فى هذه المنصات، وينفقون عليها إنفاق من لا يخشى الفقر، كتائب إلكترونية فى أقبية مسحورة، وذئاب وضباع مطلوقة على الآمنين، خبراء فى قلب الحقائق، وخلط الأوراق، وتشويه الرموز، وإشانة السمعة، ما يحرف بوصلة المجتمعات عن قبلتها، وشر ما فيها الانقياد الأعمى لعموم المستخدمين وراء الترندات التى تشيرها هذه المنصات الشريرة.
دول عتيدة تستثمر فى هذه المنصات، ما يعرف بالاستثمار الدبلوماسى والاستراتيجى لتعزيز حضورها، ورسم صورتها، والتوكيد على توجهاتها، ودول تضررت وتتكبد خسائر فادحة من استهداف المنصات العقورة، وجماعات إرهابية وكارتلات إجرامية تمتطى هذه المنصات، وتتموضع فى مفاصل الفضاء الإلكترونى، وتطلق مسيراتها الإلكترونية تقصف الرؤوس العارية، وتنخر فى أساسات السلم المجتمعى، وفق مخططات تستهدف فتن الشعوب، وتخريب الاقتصاديات، وإجهاض المشروعات الوطنية، فضلًا عن الاستهدافات الشخصية، ما يعرف بالاغتيالات المعنوية.
نعم، شر كلها.. التعويل على المنصات الشريرة نفسها فى كبح جماح شرورها، كمن يسلم القط مفتاح الكرار، يعبث ما شاء وشاء له الهوى. نموذج ومثال: عملاق مواقع التواصل الاجتماعى، شركة فيسبوك، اختارت الإخوانية اليمنية «توكل كرمان» عضوًا فى مجلس الإشراف على المحتوى (٢٠٢٠ م). فيسبوك كمن سلّم الإخوان مفتاح الكرار، وفى قمة هذه المنصات يتربصون بالدولة المصرية ورموزها.
والتعويل على القوانين العامة التى وضعت قبل الانفجار الإلكترونى العظيم، لم تعد تجابه هذه المنصات، ولم تعد قادرة على لجم شرورها. دول كبيرة قررت كبح شرور هذه المنصات؛ كندا، واليابان، والأرجنتين، نفرت إلى تطبيق قوانين الخصوصية، والتشهير، وحماية المستهلك من شرور السوشيال ميديا. وجنوب أفريقيا استحدثت قانون الجرائم الإلكترونية للتعامل مع التجاوزات، وروسيا تطبق إطارًا تنظيميًا صارمًا تفرضه قوانين متعددة، تهدف إلى التحكم فى تدفق البيانات والمحتوى الذى تعتبره مهددًا للأمن القومى والاستقرار المجتمعى.
إيطاليا ودول الاتحاد الأوروبى الأخرى تتبنى أطرًا تنظيمية موحدة ومتقدمة، تعتمد على مزيج من القوانين الوطنية ولوائح الاتحاد الأوروبى (مثل قانون الخدمات الرقمية)، التى تُلزم المنصات بشفافية أكبر ومكافحة المحتوى غير القانونى.
شر كلها، ماذا نحن فاعلون فى مواجهة شرور السوشيال ميديا؟
هل تقف الدولة المصرية مكتوفة الأيدى فى مواجهة قصف المسيرات الإلكترونية؟ القصف صار مركّزا وكثيفًا، ويستهدف كل ما هو مصرى، والجماعات الإرهابية (سيما الإخوان) تستخدم المنصات الإلكترونية فى شن الحروب النفسية الإلكترونية، وتشعل فتنًا وحرائق.
إطفاء الحرائق الإلكترونية بالطرق التقليدية لا يوفر حماية، حرب الاستنزاف الإلكترونية تستنزف الوقود الحيوى للدولة المصرية، والحل (قبة) قانونية حصينة، وإقامة منظومة دفاعية معلوماتية فى مواجهة الاختراقات فرط الصوتية. المعلومات بشفافية، وعلى وقتها هى الحل.
نقلاً عن المصري اليوم
المصدر: العربية – سياسة



