السياحة المصرية.. والطريق الذي لم نسلكه!
مع كل مرة أسافر فيها على طائرات ناقلنا الوطنى «مصر للطيران»، أو أمر من خلال مطار القاهرة الدولى، أو أزور منطقة أهرامات الجيزة، أو أذهب إلى المواقع التراثية فى القاهرة القديمة؛ مثل «شارع المُعز»، أو منطقة الحسين، أشعر أن بعضنا يبذل جهودًا منهجية لتقويض صناعة السياحة فى بلادنا.
ليست تلك مبالغة، بل هى محاولة جديدة للتنبيه إلى أن سعينا الدؤوب والمشروع لتعظيم مواردنا المادية والمعنوية من صناعة السياحة، يجد أيادى عابثة، تُعوقه، وتجعل ثمرته بعيدة وصعبة.
فالكثير من طائرات «مصر للطيران» قديم، وغير مُجهز، للصمود فى المقارنة الصعبة مع شركات الطيران الإقليمية والدولية المُنافسة. والمطار مازال يعانى مشكلات إدارة غير منضبطة وغير احترافية. أما منطقة الأهرامات، التى تُعد معلمًا سياحيًا وأثريًا لا يُضاهى على الصعيد العالمى، فمازالت تجربة زيارتها صعبة ومُعقدة وقادرة على إفساد أى فائدة أو متعة. وبموازاة ذلك، فإن ما يحدث فى «شارع المُعز»، وغيره من مناطق القاهرة القديمة من إساءة وتنطع، لا يمكن وصفه سوى بأنه مسلسل ابتذال وابتزاز لا تنقطع حلقاته، بشكل يشوه تجربة الزيارة، ويمنع تكرارها.
يحدث ذلك فى وقت تُقبل فيه مصر على تطور سياحى لا تُخطئه العين، فقد استقبلت البلاد خلال عام 2025 نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو يقارب 21 بالمائة مقارنة بالعام الذى سبقه، فيما ناهزت العائدات 18 مليار دولار أمريكى، وهى أرقام لم تعرفها صناعة السياحة المصرية من قبل.
وقد جاء افتتاح «المتحف المصرى الكبير»، ليكون علامة فارقة فى هذا الزخم، إذ تجاوز البث العالمى لحفل الافتتاح المليار مشاهدة، ليعيد رسم صورة مصر بوصفها وجهة ثقافية متكاملة لا مجرد مقصد سياحى عابر. إنها أرقام تستحق التوقف عندها بإنصاف، فهى ليست يسيرة، ولا هى وليدة الصدفة، بل ثمرة جهد مؤسسى واضح فى البنية التحتية والتسويق والخدمات، كما أنها تعزز الطموح فى أن تبلغ السياحة المصرية مكانتها المُستحقة فى يوم قريب.
غير أن الإنصاف أيضًا يقتضى وقفة أخرى أشد جرأة؛ فهذه الأرقام، على ضخامتها الظاهرة، تظل بعيدة كل البعد عما تختزنه مصر من إمكانيات كامنة. فحين تُقارَن بدول أصغر مساحة وأقل تنوعًا فى مقوماتها الأثرية والطبيعية- كإسبانيا أو تركيا، اللتين تستقبلان عشرات الملايين سنويًا بعائدات تفوق ما تحققه مصر أضعافًا- يتكشف أن المسافة بين الإمكان والمُنجز لاتزال شاسعة. فمصر تملك حضارة تمتد آلاف السنين، وساحلين، وصحراء، ونيلًا، وموقعًا فريدًا يجمع بين أفريقيا وآسيا، وأهم من ذلك مجتمع حى ومتنوع وفريد، ومع ذلك تظل حصتها من السوق السياحية العالمية أقل بكثير مما تستحقه هذه الثروة النادرة.
يبادر كثيرون إلى تفسير هذه الفجوة بأسباب عملية بحتة؛ فيتحدثون عن نقص الغرف الفندقية، وتعثر منظومة النقل الداخلى، وضعف الربط بين المقاصد السياحية المتباعدة، وتأخر بعض الخدمات اللوجستية عن مواكبة الطموح المُعلن. وهذه أسباب حقيقية لا يجوز التهوين من شأنها، غير أنها تبقى قشرة السطح لا لُب المشكلة، إذ يمكن معالجتها باستثمار كافٍ وزمن كافٍ، بينما هناك طبقة أعمق من الأسباب لا تُحل بالأسمنت واللوجستيات وحدهما.
فثمة بُعد ثقافى يتصل بنظرة المجتمع ذاته إلى مهنة الضيافة، إذ لا تحظى الخدمة السياحية بالمكانة الاجتماعية التى تليق بها، فتُترك غالبًا لغير المؤهلين، بينما تتعامل معها أمم مُنافسة بوصفها حرفة تُصقل وتُورّث جيلًا بعد جيل. وثمة بُعد سلوكى أشد التصاقًا بالتجربة اليومية للزائر، حين تتسلل إلى المشهد نزعة الربح العاجل، فتتحول المساومة إلى إلحاح، والود إلى تحرش لفظى أحيانًا، ويترك موقف عابر أثرًا يفوق حجمه الفعلى على صفحات التقييم الإلكترونى، التى باتت المرجع الأول لملايين المسافرين. وثمة بُعد تاريخى أكثر خفاء، يتمثل فى التباس علاقة المصريين أنفسهم بإرثهم الفرعونى، بين من يراه مبعث فخر واعتزاز، ومن يقف منه موقف الحياد أو حتى التحفظ، فيتردد الخطاب العام فى تسويق هذا التراث بكل ثقة، بينما يقدمه العالم بوصفه أعظم حضارة إنسانية عرفها التاريخ. وأخيرا بُعد اجتماعى يتجلى فى الفجوة بين صورة الضيافة المصرية التى يبثها الإعلام، وبين واقع الاحتكاك اليومى، الذى قد يحمل استغلالًا وتنطعًا، أو نظرة دونية لبعض الزوار، فى غياب وعى جمعى بأن السياحة مسؤولية وطنية مشتركة لا مجرد شأن فردى عابر. وإذا كانت هذه الأبعاد قد ظلت خارج دائرة الاهتمام الرسمى المُعتاد، فإن معالجتها تستدعى مسارًا موازيًا للبنية التحتية لا بديلًا عنها؛ وهو مسار يبدأ بحملات توعية مجتمعية مُمتدة، تربط رخاء الأسرة المصرية بازدهار السياحة، وتربية مهنية ترفع مكانة خدمة الضيافة اجتماعيًا ومعنويا قبل أن ترفعها ماديًا. وإضافة إلى ذلك، تطوير خطاب إعلامى وتعليمى مُقنع وجذاب، يقدم الحضارة القديمة هوية وطنية خالصة لا يشوبها التباس، وتشديد فعلى على قضايا التحرش والاحتيال بآليات تبليغ شفافة تبنى الثقة تدريجيًا، وإشراك المجتمعات المحلية فى العائد الاقتصادى المباشر بما يذيب نزعة الاستغلال الفردى.
عندئذ فقط يكتمل المشهد، فتلتقى قوة المعلم السياحى باحترافية وكفاءة الإنسان الفرد المُضيف، ويصبح كل رقم قياسى جديد محطة على طريق طويل، لا غاية فى ذاته، وتبلغ مصر مكانتها السياحية المُستحقة، بعائدها الاقتصادى والثقافى والإنسانى معًا.
نقلاً عن “المصري اليوم”
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)