الصراع الإسرائيلي التركي على سوريا.. ضربة أبو الظهور “الوقائية”
فجر الثلاثاء 18 أغسطس، شن سلاح الجو الإسرائيلي هجومًا بـ8 غارات، استهدفت مدارج الهبوط وحظائر الطائرات ومنشآت التخزين في قاعدة مطار أبو الظهور العسكري، الواقع شرقي محافظة إدلب السورية. ورغم أن القاعدة كانت خارج الخدمة منذ 2013، فإن استهدافها في هذا التوقيت، وموقعها القريب من الحدود التركية بنحو 70 كيلو مترًا، يمنح الضربة دلالة تتجاوز الهدف العسكري المباشر.

ولا تشير المعطيات إلى أن إسرائيل استهدفت وجودًا عسكريًا تركيًا قائمًا داخل مطار أبو الظهور، بقدر أنها محاولة لمنع تحول التعاون التركي– السوري في إعادة بناء الجيش السوري إلى بنية عسكرية يصعب على إسرائيل احتواؤها لاحقًا.
ولذلك تبدو الضربة أقرب إلى عملية وقائية ضد احتمال التموضع التركي، ورسالة إلى دمشق بشأن حدود إعادة بناء قوتها العسكرية، واختبارًا عمليًا لمدى قدرة التفاهمات الأمنية السورية– الإسرائيلية، برعاية أمريكية على تقييد استخدام إسرائيل للقوة داخل سوريا.
وتكشف الضربة، التي تمثل أول عمل عسكري إسرائيلي في الشمال السوري المتاخم لتركيا منذ سقوط الأسد في ديسمبر 2024، عن طبيعة الصراع على جغرافيا “سوريا الجديدة”. فالواقعة، وإن بدت تكتيكيًا عملية سريعة ضد منشأة جوية غير مأهولة، تتقاطع فيها ثلاثة مستويات استراتيجية: منع إعادة بناء قدرة عسكرية سورية مستقلة، وكبح تنامي الدور العسكري التركي في سوريا، واختبار حدود التفاهمات الأمنية الناشئة بين دمشق وتل أبيب.
ويأخذ البعد التركي في هذه المعادلة أهمية مركزية، بالنظر إلى طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه أنقرة في إعادة بناء الدولة والجيش، بما قد يُنتِج على المدى البعيد قوة عسكرية أكثر تماسكًا وارتباطًا بشريك إقليمي، يمتلك قوة جوية ودفاعًا جويًا وصناعات عسكرية متقدمة، ويملك في الوقت نفسه نفوذًا سياسيًا مباشرًا في دمشق.
وفي المقابل، تكشف سرعة التحرك الأمريكي بعد الضربة، عن أن واشنطن تنظر إلى التنافس الإسرائيلي– التركي في سوريا باعتباره خطرًا يمكن أن يتحول إلى احتكاك عسكري مباشر بين دولتين حليفتين لها، ومن هنا يأتي الدفع الأمريكي نحو إنشاء آلية لفض الاشتباك بين إسرائيل وتركيا وسوريا، بالتوازي مع استمرار الوساطة بين دمشق وتل أبيب.
وعليه، فإن ضربة أبو الظهور تطرح قضية الصراع على سوريا، وحدود المشروع الإسرائيلي فيها، وهل سيسمح لدمشق بإعادة بناء الجيش، وإلى أي حد يتم القبول بالدور التركي في هذه العملية.
الصراع على سوريا
يكشف هذا الهجوم، عن تحول استراتيجي في طبيعة الصراع الإقليمي المباشر على جغرافيا “سوريا الجديدة”، فالواقعة نقطة تقاطع لتحقيق أهداف استراتيجية:
*إصرار إسرائيل على منع إعادة بناء وتأهيل أي قدرات عسكرية سورية، حيث تهدف تل أبيب لتثبيت تفوقها المطلق وضمان حرية العمل الجوي الكامل لسلاح الجو الإسرائيلي فوق الأجواء السورية؛ وهي الميزة التي استعادتها بالكامل بعد تدمير الدفاعات السورية في ديسمبر 2024.
*كبح تنامي الدور العسكري لتركيا في سوريا: يسعى الهجوم إلى إجهاض مساعي أنقرة الرامية لبناء جيش سوري متماسك تحت عقيدة “دولة واحدة.. جيش واحد”، حيث تخشى إسرائيل تمدد النفوذ التركي جنوباً ونقل منظومات رادار (ASELSAN) ودفاعات جوية (SİPER) تعوق الهجمات الجوية الإسرائيلية.
*وثالثا اختبار حدود التفاهمات الأمنية الناشئة بين دمشق وتل أبيب: يأتي القصف ليعطل مسار المحادثات الأمنية التي استمرت نحو عام ونصف برعاية أمريكية، والتي توصل فيها الطرفان مطلع عام 2026 إلى مسودة اتفاق لإنشاء مناطق عازلة وانسحاب إسرائيلي من أراضي الجنوب التي احتلتها بعد سقوط الأسد، قبل أن تتهرب تل أبيب من التزاماتها، وتلجأ للضغط الميداني وتوسيع التوغل.
وقد نُفذت الغارة الإسرائيلية دون إخطار، ما أدى لارتفاع حالة الاستنفار ورصد الرادارات التركية للمقاتلات، وهي تتجه شمالاً نحو حدودها، واضعاً الطرفين على حافة اشتباك عسكري مباشر.
وقد انتقد المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص توم باراك الهجوم علناً بوصفه “تصعيداً غير ضروري يضر بالاستقرار الإقليمي”، مؤكداً سعي واشنطن الفوري لبناء “آلية فض اشتباك ثلاثية ملزمة” تضم إسرائيل وتركيا وسوريا لفرملة التصعيد ومنع انزلاقه لصدام واسع.
ويعكس هذا التدخل الدبلوماسي رهان واشنطن على استقرار إدارة الرئيس السوري أحمد الشرع، وهو الرهان الذي تُوج بإعلان الإدارة الأمريكية شطب سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودخوله حيز التنفيذ في 24 أغسطس 2026، وتراهن واشنطن على تماسك سوريا الجديدة لكونها ركيزةً لعزل نفوذ طهران الإقليمي وللمساعدة في حصر السلاح وفي جعل قرار الحرب بيد الدولة اللبنانية، وتأمين مشاريع خطوط إمداد ونقل نفط برية استراتيجية عبر الأراضي السورية، تلتف كلياً على مضيق هرمز ومخاطره الأمنية المتصاعدة.
أبو الظهور: الهدف العسكري والرسالة الاستراتيجية
تكتسب القاعدة أهميتها من موقعها في شمالي غربي سوريا، على مسافة تقارب 70 كيلو مترًا من الحدود التركية، في نطاق يُصنف ميدانياً ضمن مناطق النفوذ التركي المباشر منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.
ومن كونها منشأة جوية قديمة يجري العمل على إعادة تأهيلها، كما كشف تحليل صور الأقمار الصناعية مطلع يوليو 2026، بما في ذلك أعمال تمهيد وإعادة تأهيل وتحديث.
وقد خرج المطار من الخدمة منذ عام 2013، والقاعدة هي ثاني أكبر قاعدة عسكرية في سوريا وتمتد على مساحة تقارب 8 كيلو مترات مربعة، وتضم 22 مدرجاً.
وقالت إسرائيل إن الضربة جاءت لمنع انتشار قوات تركية في القاعدة، معتبرة أن ذلك سيشكل خرقًا لـ”الوضع القائم” الأمني الذي تفاهمت عليه مع دمشق.
ووفق الرواية الإسرائيلية، لم تكن المسألة مرتبطة بمجرد وجود فنيين أتراك، وإنما باحتمال تحويل المنشأة إلى موقع عسكري تركي، يمكن أن يغير البيئة الأمنية في شمال سوريا.

وربط مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الضربة مباشرة، بما وصفه بـ”الوضع القائم” الأمني المتفق عليه بين إسرائيل وسوريا، في إشارة إلى نتائج محادثات سابقة بين دمشق وتل أبيب برعاية أمريكية، وعقب الضربة قال مكتب نتنياهو في بيان صادر باللغة الإنجليزية، مبرراً الهجوم بكونه خطوة لمنع انتشار وشيك لقوات تركية.
وفى تصريح مسجل قال: إسرائيل رصدت مساعي تركية لتأسيس موطئ قدم عسكري في القاعدة، يمتد جنوباً باتجاه حلب، معتبراً أن سماح دمشق بهذا الانتشار يمثل خرقاً صريحاً لـ”الوضع الأمني القائم” الذي جرى التفاهم عليه بين إسرائيل وسوريا عبر قنوات التفاوض التي رعتها واشنطن.
في المقابل، نفت سوريا وتركيا وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية أو نشر دائم للقوات التركية في أبو الظهور.
وأكدت دمشق أن التعاون التركي يندرج في إطار المساعدة الفنية والتدريب وإعادة تأهيل المنشآت العسكرية السورية، وذلك في تصريح لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، موضحاً أن الوجود التركي اقتصر على زيارات مستشارين وضباط أتراك لتقديم استشارات فنية لإعادة تشغيل المدارج كحق سيادي للدولة لبناء جيشها الوطني.
بينما نفت أنقرة وجود انتشار عسكري تركي في القاعدة، وأوضحت الرئاسة التركية أن الاتهامات الواردة في بيان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ضد تركيا، تنبع من نية نتنياهو مواصلة سياساته التوسعية في المنطقة قبل الانتخابات العامة الوشيكة في إسرائيل، ونفت وزارة الدفاع بصورة قاطعة تواجد أي وفد أو عسكريين تابعين لها داخل المطار قبيل أو في أثناء الغارات.
وشددت أنها لن تتوقف عن دعم وتحديث القدرات الدفاعية والبنية التحتية للجيش السوري الجديد على أساس مبدأ “دولة واحدة.. جيش واحد”.
وقد عزز الموقف الأمريكي رواية النفي السورية– التركية؛ إذ كشف المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية تحققت من الادعاءات الإسرائيلية قبل الضربة بـ 6 أيام، وخلصت إلى خلو المطار من أي أصول عسكرية تركية، مقدراً أن إسرائيل ربما استندت لبيانات خاطئة، خلطت بين الحشد وبرنامج تدريب تركي فني اعتيادي.
كما أعلن توم باراك، أن واشنطن تعمل على إنشاء آلية لتجنب الصدام بين إسرائيل وتركيا وسوريا.
وتكشف الروايات المتعارضة أن جوهر الصراع يرتبط برفض إسرائيل تحول التعاون التركي– السوري إلى بنية عسكرية أكثر رسوخًا مستقبلًا. ومنع بناء قدرة محتملة للجيش السوري قبل أن تتحول إلى واقع عسكري مسنود بوجود تركي منظم وقواعد ومعدات وقدرات دفاعية.
وبهذا المعنى، الهجوم يختبر عمليًا الحد الذي ستسمح عنده إسرائيل لسوريا الجديدة بإعادة بناء قوتها العسكرية، وكذلك الحد الذي ستقبل عنده بالدور التركي في هذه العملية، وربما أطراف أخرى عربية وإقليمية تسعى للانخراط في سوريا ما بعد الأسد.
لماذا أصبحت تركيا مشكلة أمنية لإسرائيل؟
يتمثل المتغير الأساسي في أن تركيا لم تعد في الحسابات الإسرائيلية، طرفًا سياسيًا له مصالح في سوريا فحسب، وإنما قوة مرشحة للتأثير في مستقبل الدولة السورية نفسها.

منذ سقوط نظام بشار الأسد، دعمت أنقرة السلطة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، وسعت إلى المساهمة في إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش والأمن.
وكانت تقارير في إبريل 2025 قد تحدثت عن تقييمات تركية لقواعد جوية سورية وإمكان إقامة ترتيبات دفاعية معها.
ورصدت الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية تحركات فنية لفرق هندسية لتقييم القواعد الجوية السورية (مثل مطار T4 العسكري)، وبحث إقامة ترتيبات دفاعية وجوية مشتركة، وهو ما استدعى رداً مبكراً بشن غارة جوية على ذات القاعدة لإحباط تموضع تركي، كاشفاً عن تصادم في المصالح الاستراتيجية بين الجانبين. وتبع ذلك في يوليو 2025 تقديم أنقرة لـ 4 ناقلات جند مدرعة حديثة الصنع كهدية عسكرية للجيش السوري.
وتكمن حساسية الدور التركي، في أن تركيا تختلف عن إيران من حيث طبيعة التحدي.
فقد اعتمدت طهران بدرجة كبيرة على شبكات من الحلفاء والميليشيات والبنية غير الحكومية؛ أما تركيا فتتعامل مع الدولة السورية مباشرة، وتمتلك قوة جوية ودفاعًا جويًا وصناعات عسكرية متقدمة، وهي عضو في حلف الناتو ولها نفوذ سياسي مباشر في دمشق.
وانخراط تركيا في إعادة هيكلة وتدريب الجيش السوري تحت عقيدة “دولة واحدة.. جيش واحد” التي تتبناها أنقرة ودمشق، يمكن أن ينتج على المدى البعيد جيشاً نظامياً عالي الكفاءة مرتبطاً بشريك إقليمي قوي ومجهز تكنولوجيا، وهذا هو السيناريو الذي يمكن أن يحد من حرية إسرائيل في استخدام المجال الجوي السوري، ويجعل عملياتها المستقبلية أكثر تكلفة ومخاطرة.
وتزداد حساسية ذلك في ظل الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية جنوبًا، واتساع الخلاف حول ترتيبات الأمن والانتشار والسيادة، واستمرار التوغل البري الإسرائيلي في الجنوب السوري وتجاوز خط “ألفا” لفك الاشتباك لعام 1974.
كما فرضت إسرائيل سيطرة ميدانية داخل المنطقة العازلة وأنشأت 9 مواقع عسكرية جديدة، بجانب أعمال حفر خنادق ضخمة وسواتر ترابية ممتدة من مجدل شمس حتى حوض اليرموك لترسيم واقع جغرافي جديد.
على جانب آخر، يصطدم هذا التمدد بالرؤية التركية التي تدفع نحو بناء دولة سورية موحدة ومركزية ذات سيادة على أراضيها.
لذلك، فإن المشكلة الأمنية لإسرائيل مع تركيا لا تقتصر على وجودها جغرافياً في قاعدة معينة كأبو الظهور، إنما ترتبط كذلك بشكل وثيق بالدور الجيو سياسي والاقتصادي والعسكري الشامل الذي تلعبه أنقرة كضامن أمني وسياسي، يعيد تشكيل سوريا الجديدة، مستفيدة من عمقها الجغرافي واتفاقياتها الإقليمية كتحالف مكة الثلاثي أغسطس 2026 مع السعودية وباكستان لتأسيس توازن مع النفوذ الإسرائيلي، ومن بين ذلك الحد من احتلال أراضي سوريا.
<p>The post الصراع الإسرائيلي التركي على سوريا.. ضربة أبو الظهور “الوقائية” first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360


