الصين.. تجربة مختلفة في بناء الدولة وتحديث الاقتصاد
Backملخص الخبر
- تقدم الصين تجربة فريدة في بناء الدولة وتحديث الاقتصاد تعتمد على مفهوم الدولة الحضارية.
- تتبنى الصين استراتيجية توحيد وازدهار تعتمد على بناء الروابط الاقتصادية وتطوير البنية التحتية.
- تركز الرؤية الصينية على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة وإدارة الخلافات دون تحويلها إلى مواجهة شاملة.
- تطرح الصين مبادرة الحوكمة العالمية كأداة لإصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية والمساواة في السيادة.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
ستظل “الظاهرةالصينية” تشغل الباحثين وصانعي القرارات الدولية لانعكاساتها المتحققة والمرتقبة على النظام في العالم وموازين القوة فيه والاقتصاد والدبلوماسية.
من هذه الأهمية الاستثنائية المشهودة تناول البروفيسور تشانج وي وي، مدير معهد الصين بجامعة فودان في شنجهاي، في كلمته خلال منتدى الشرق والغرب الذي انعقد مؤخرا في إسطنبول، تجربة بلاده من خلال خصوصيتها وما أسماه مفهوم «الدولة الحضارية».
يرى البروفيسور وي وي، أن العالم يمر بمرحلة انتقالية تتراجع فيها الأحادية القطبية، من دون أن تكون التعددية القطبية قد اكتملت بعد.
ويستدل على تغير موازين القوة بصعود الاقتصادات الناشئة، مشيراً إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لأربع من دول بريكس يتجاوز، وفق المقارنة التي يستند إليها، حجم مجموعة السبع.
لكن التحول الاقتصادي لا يعني بالضرورة انتقال سلطة اتخاذ القرار ووضع القواعد الدولية.
فقد تتوزع الثروة والإنتاج بين دول أكثر، بينما تظل القدرة على تحديد قواعد التجارة والتمويل والأمن والتكنولوجيا مركزة في عدد محدود من القوى.
كما أن دول بريكس ليست كتلة متجانسة، بل تتباين مصالحها الاستراتيجية، كما يظهر في التنافس بين الصين والهند.
ومن ثم، فإن التحدي لا يتمثل فقط في صعود قوى جديدة، وإنما في قدرتها على بناء مؤسسات وقواعد مشتركة لإدارة التنافس.
فقد تقود التعددية القطبية إلى نظام أكثر توازناً، أو إلى تنافس بين مراكز قوة متعددة يسعى كل منها إلى توسيع نفوذه.
الخصوصية الصينية والدولة الحضارية
هنا يستند تشانج إلى مفهوم «الدولة الحضارية» لتفسير الدور الصيني، مستشهداً بعدد سكان الصين، واتساع مساحتها، وتاريخها الطويل وثقافتها الغنية.
وبهذا يقدم الصين باعتبارها كياناً سياسياً يستمد هويته من استمرارية حضارية، وليس مجرد دولة حديثة صاعدة اقتصادياً.
ويعكس هذا التصور رفض افتراض أن التجربة الغربية هي المسار الوحيد للتطور السياسي والاجتماعي، وأن على المجتمعات الأخرى استنساخها لتحقيق التحديث. فالصين وفق هذه الرؤية تقدم تجربة مختلفة في بناء الدولة وتحديث الاقتصاد.
غير أن الخصوصية الحضارية لا تثبت وحدها تفوق نموذج سياسي بعينه. كما أن استدعاء الحضارة في الخطاب السياسي قد يتحول إلى وسيلة لربط شرعية السلطة بالهوية التاريخية للمجتمع.
وتستخدم دول أخرى، مثل روسيا والهند وإيران، سرديات حضارية لتأكيد استقلالها عن الهيمنة الغربية، وقد تشكل هذه السرديات أساساً للمطالبة بنظام دولي أكثر تعددية.
«التوحيد والازدهار» في مواجهة «فرّق تسد»
يقارن تشانج بين الفلسفة السياسية الصينية “خارجيا”، التي يصفها بمنطق «التوحيد والازدهار»، والمنطق الأمريكي الذي يختزله في عبارة «فرّق تسد».
وتعكس هذه المقارنة محاولة لتقديم نموذج مختلف لممارسة القوة، يقوم على بناء الروابط الاقتصادية، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع الأسواق والمصالح المشتركة.
لكن المقارنة لا ينبغي أن تتحول إلى ثنائية أخلاقية تجعل الصين قوة للتعاون والولايات المتحدة قوة للتفكيك.
فكلا البلدين يستخدم أدوات اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية لحماية مصالحه وتوسيع نفوذه، وإن اختلفت أساليبهما.
فالمشروعات والاستثمارات الصينية قد تحقق منافع اقتصادية حقيقية للدول المشاركة، لكنها تعمق أيضاً روابطها بالصين وتزيد نفوذها.
لذلك، فإن وجود المنفعة المتبادلة لا يلغي تفاوت القوة، كما أن تفاوت القوة لا يعني بالضرورة أن التعاون مجرد شكل من أشكال الهيمنة.
والسؤال هنا هو: من يحدد شروط التعاون، وكيف تتوزع منافعه ومخاطره، وهل تستطيع الدول الأصغر رفض المطالب الصينية دون التعرض لضغوط اقتصادية أو سياسية؟
الرؤية الصينية والرؤية الغربية
يقول تشانج إن الغرب يميل إلى تقسيم الدول إلى أصدقاء وأعداء، بينما تنظر الصين إليها باعتبارها أصدقاء أو أصدقاء محتملين، بمنظور أبعد مدى.
ويعكس هذا الطرح استراتيجية تقوم على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وبناء علاقات طويلة الأجل، وإدارة الخلافات دون تحويلها بالضرورة إلى مواجهة شاملة. فالتعاون الاقتصادي والدبلوماسي قد يخلق مصالح مشتركة تجعل الصراع أكثر تكلفة.
لكن هذا النهج لا يعني التخلي عن منطق القوة والمصلحة. فالاختبار الحقيقي يتمثل في مدى استعداد الصين لقبول استقلال قرارات الدول الأخرى عندما تتعارض مع مصالحها.
فالتعاون القائم على المصالح المتبادلة يختلف عن علاقة تستمر ما دامت الأطراف الأخرى ملتزمة بالحدود التي ترسمها القوة الأكبر.
فن الحرب وتجنب المواجهة
يربط تشانج النهج الصيني بكتاب «فن الحرب» لسون تزو، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة أسرع إلى استخدام القوة، بينما تميل الصين إلى تجنب الحروب وتحقيق أهدافها دون قتال مباشر.
ويقوم هذا التصور على مبدأ أن إخضاع الخصم دون خوض معركة يمثل ذروة المهارة الاستراتيجية. فالانتصار قد يتحقق عبر تغيير حسابات الخصم أو تقليص خياراته أو دفعه إلى قبول شروط الطرف الآخر.
لكن تجنب الحرب المباشرة لا يعني التخلي عن الإكراه؛ إذ يمكن تحقيق الأهداف الاستراتيجية من خلال الردع والعقوبات والضغوط الدبلوماسية والتكنولوجية.
كما أن الدول قد تتجنب الحرب بسبب تكلفتها أو عدم ضمان النصر، وليس بالضرورة رفضاً لها من حيث المبدأ.
لذلك، فإن تقييم السياسة الصينية لا ينبغي أن يقتصر على عدد الحروب التي تخوضها، وإنما يجب أن يشمل تعاملها مع الدول التي ترفض مطالبها، ومدى استعدادها للتفاوض والتسوية واحترام الخيارات المستقلة.
فالسلام لا يُقاس فقط بغياب الحرب المباشرة، وإنما أيضاً بقدرة الدول على تسوية خلافاتها دون تهديد مستمر باستخدام القوة.
مبادرة الحوكمة وإصلاح النظام الدولي
يستشهد تشانج بمبادرة الحوكمة العالمية التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينج في سبتمبر 2025 خلال اجتماع منظمة شنجهاي للتعاون، ويربطها بالمبادرات الصينية المتعلقة بالتنمية والأمن والحضارة.
وتدعو المبادرة إلى المساواة في السيادة بين الدول، واحترام القانون الدولي، وتعزيز التعددية، ووضع الإنسان في مركز الحوكمة، وتحقيق نتائج عملية. وهي تُطرح رسمياً باعتبارها وسيلة لإصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيزها، لا بديلاً عن الأمم المتحدة.
وتعكس هذه المبادئ اعتراضاً على اختلالات النظام الدولي القائم، حيث لا تتناسب سلطة اتخاذ القرار دائماً مع التحولات الاقتصادية والسياسية العالمية.
كما تتيح للصين تقديم نفسها شريكاً للدول النامية التي تطالب بتمثيل أكبر في المؤسسات الدولية.
لكن نجاح هذا المشروع يتوقف على مدى استعداد الصين لقبول مشاركة الدول الأخرى في صنع القرار، حتى عندما تتعارض خياراتها مع المصالح الصينية.
فالمساواة في السيادة تكتسب معناها الحقيقي، عندما تستطيع الدول الصغيرة اتخاذ قرارات مستقلة دون إكراه من القوى الكبرى.
الصين وآسيا هل يصنع الترابط الاقتصادي السلام؟
يشير تشانج إلى مساهمة الصين بنحو 30% من النمو الاقتصادي العالمي، مقابل 7–8% لاقتصادات رابطة دول جنوب شرق آسيا، مستشهداً بالتعاون بين الطرفين باعتباره نموذجاً للتنمية والاستقرار.
وهذه الأرقام تحتاج إلى تحديد الفترة الزمنية ومقياس الحساب، إذ إن المساهمة في النمو تختلف عن الحصة من إجمالي الناتج الاقتصادي العالمي.
وتقوم الفكرة الأساسية على أن التجارة والاستثمار والتكامل في سلاسل الإنتاج تخلق مصالح مشتركة، وتجعل الحرب أكثر تكلفة.
لكن الترابط الاقتصادي لا يضمن السلام؛ فقد يتعايش التعاون التجاري مع التنافس الأمني، كما تظهر الخلافات البحرية في بحر الصين الجنوبي.
وقد يمنح الاعتماد الاقتصادي الدولة الأقوى أدوات إضافية للضغط على شركائها.
لذلك، فإن المسألة ليست في وجود الترابط الاقتصادي وحده، وإنما في مدى توازن العلاقة وتوزيع المنافع والقدرة على اتخاذ القرار.
فالسلام القائم على تسوية مقبولة من الأطراف يختلف عن الاستقرار الناتج عن اختلال موازين القوة، حيث قد تغيب الحرب المفتوحة، بينما تستمر التوترات دون حل.
ويستشهد تشانج بالسلام النسبي في مناطق من أوراسيا، تشمل روسيا وآسيا الوسطى والصين وجنوب شرق آسيا، لدعم فكرة أن الدور الصيني يمكن أن يسهم في بناء نظام دولي أكثر استقراراً.
وتقدم التجربة الآسيوية دروساً مهمة عن دور الاقتصاد والدبلوماسية في الحد من الصراعات، لكنها لا تثبت وحدها أن النموذج الصيني قادر على إنتاج سلام دائم.
تكشف كلمة تشانج وي وي عن مشروع يتجاوز المنافسة الاقتصادية والعسكرية بين الصين والولايات المتحدة. فالصين تسعى إلى تعزيز موقعها في موازين القوة، وتقديم تصور للنظام الدولي يستند إلى الخصوصية الحضارية، والتعددية القطبية، والتنمية المشتركة، وإصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية.
<p>The post الصين.. تجربة مختلفة في بناء الدولة وتحديث الاقتصاد first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360