العالم بين صراع السيطرة على العقول.. والبحث عن الحقيقة
فى عالم يشهد تصاعدًا فى الحروب، واحتدامًا فى المنافسة بين القوى الكبرى، وتشابكًا متزايدًا فى الأزمات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية، يبدو النظام الدولى وكأنه يمر بمرحلة غير مسبوقة من السيولة. فلم يعد الصراع بين الدول يدور حول المصالح والنفوذ وحدهما، بل امتد إلى من يملك القدرة على تشكيل الوعى، والتأثير فى العقول، وتعريف الحقيقة، وتحديد القيم، ورسم ملامح النظام الدولى الجديد. ومع تسارع ثورة الذكاء الاصطناعى، وتراجع الثقة فى المؤسسات التقليدية، وتدفق المعلومات المتناقضة عبر الفضاء الرقمى، يجد الإنسان نفسه أمام سؤال جوهرى: كيف وصل العالم إلى هذه المرحلة من الشك والاضطراب والفوضى؟.
وللإجابة، لا يكفى تحليل السياسة والاقتصاد، بل ينبغى العودة إلى أحد أهم التحولات الفكرية فى التاريخ الحديث، وهو الانتقال من مشروع الحداثة Modernism إلى النقد الذى عُرف لاحقًا باسم ما بعد الحداثة Postmodernism. فما نشهده اليوم ليس مجرد تغيرات سياسية أو تكنولوجية، وإنما هو انعكاس لتحول أعمق فى نظرة الإنسان إلى الحقيقة والمعرفة والسلطة والتقدم.
شكّلت «الحداثة» نقطة تحول كبرى فى تاريخ الفكر الإنسانى، إذ قامت على الإيمان بأن العقل والعلم قادران على فهم العالم وبناء مستقبل أكثر حرية وعدالة وازدهارًا. ونشأ هذا المشروع فى أوروبا بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، متزامنًا مع عصر النهضة، والثورة العلمية، وعصر التنوير، ثم الثورتين الفرنسية والصناعية. ومن خلاله ترسخت أسس الدولة الحديثة والدساتير والجامعات والاقتصاد الرأسمالى، كما تعززت مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان. وكان من أبرز مفكريه رينيه ديكارت، الذى جعل العقل أساسًا للمعرفة، وإيمانويل كانت، الذى دعا إلى تحرير العقل من الوصاية، وهيجل، الذى رأى التاريخ مسيرة نحو التقدم، ثم ماكس فيبر، الذى حلّل أثر العقلانية فى بناء الدولة والمجتمع الحديثين.
لكن القرن العشرين وجّه ضربة قاسية لهذا التفاؤل. فالعقل الذى وعد بالتقدم كان هو نفسه الذى أنتج الحربين العالميتين، ومعسكرات الإبادة، والقنبلة النووية، وأدوات الهيمنة الشاملة. ومن هنا برزت “ما بعد الحداثة” بوصفها مراجعة نقدية لافتراضات الحداثة، وليس قطيعة كاملة معها. فقد شكك مفكروها فى إمكانية الوصول إلى حقيقة واحدة مطلقة أو تفسير شامل للتاريخ والإنسان، ولم يكن نقدهم موجّهًا إلى العقل والعلم فى ذاتهما، بقدر ما كان موجّهًا إلى استخدامهما لاحتكار الحقيقة والسلطة.
وكان ميشيل فوكو من أبرز هؤلاء المفكرين، إذ رأى أن المعرفة ليست محايدة تمامًا، بل ترتبط بعلاقات القوة والسلطة. أما جاك دريدا، فدعا إلى إعادة قراءة النصوص والأفكار للكشف عن المعانى والافتراضات الكامنة فيها. وذهب جان فرانسوا ليوتار إلى أن العصر الحديث فقد ثقته ب«السرديات الكبرى»، أى النظريات الشاملة التى تدّعى تفسير التاريخ والإنسان تفسيرًا كاملًا، سواء كانت ليبرالية أو ماركسية. بينما رأى جان بودريار أن وسائل الإعلام والتكنولوجيا لا تكتفى بعكس الواقع، بل تستطيع صناعة واقع بديل، بحيث تصبح الصور والرموز أحيانًا أكثر حضورًا من الواقع نفسه.
ولا يزال هذا التحول الفكرى حاضرًا بقوة فى عالمنا المعاصر. فالعولمة والاقتصاد الرقمى والذكاء الاصطناعى تمثل امتدادًا مباشرًا للمشروع العلمى للحداثة، بينما تعكس وسائل التواصل الاجتماعى، والأخبار المضللة، وصعود الشعبوية، وأزمات الهوية، وتراجع الثقة فى المؤسسات، كثيرًا من أسئلة ما بعد الحداثة. ولم يعد السؤال فقط: «ما الحقيقة؟»، بل أصبح: «من يملك حق تعريف الحقيقة؟ ومن يصوغ السردية؟ ومن يمتلك القدرة على نشرها وإقناع الآخرين بها؟».
وهنا ينتقل الصراع الدولى من ميادين الحرب التقليدية إلى ميادين الوعى والإعلام والفضاء الرقمى. فلم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الاقتصاد أو عدد الجنود والأسلحة، بل أصبحت القدرة على إنتاج المعرفة وصناعة السرديات والتأثير فى الرأى العام جزءًا أساسيًا من القوة الوطنية. وقد تصبح السيطرة على العقول أكثر أهمية من السيطرة على الأرض، لأنها قد تكون الطريق إلى السيطرة عليها.
وربما لا يكمن مستقبل الحضارة فى انتصار الحداثة على ما بعد الحداثة، أو العكس، بل فى قدرة الإنسان على الجمع بين ثقة العقل وتواضع الحكمة. فالعقل بلا مراجعة قد يتحول إلى أداة للهيمنة والدمار، والشك بلا ضوابط قد ينتهى إلى فوضى معرفية تنكر الحقيقة نفسها. وما يحتاجه العالم اليوم هو ثقافة تؤمن بأن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها فرد أو أيديولوجيا أو دولة أو حضارة، وأن المعرفة رحلة مفتوحة بين العقل والخبرة، وبين اليقين والتساؤل
فالعاقل ليس من يزعم امتلاك الحقيقة، بل من يدرك أن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها عقل واحد، أو جيل واحد، أو نظام سياسى واحد، أو حضارة واحدة. فهى أفق يقترب منه الإنسان كلما اتسعت معارفه، وقد لا يبلغ منتهاه، وهذا لا ينطبق على الإنسان وحده، بل على الدول أيضًا؛ فكما لا يحتكر فرد الحقيقة، لا تستطيع دولة أن تدّعى امتلاكها.. والتاريخ يعلمنا أن الأمم التى تتوقف عن مراجعة مسلماتها وموروثاتها الباليه تبدأ، دون أن تشعر، رحلة التراجع، بينما تبقى الأمم التى تراجع أفكارها، وتتعلم من تجاربها وتجارب غيرها، أكثر قدرة على التكيف، وصناعة المستقبل، والارتقاء بمكانتها فى عالم سريع الحركه ودائم التغير.
نقلاً عن “المصري اليوم”
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)