العراق بعد الأميركيين..سيادة أم فضاء إستراتيجي؟
Backملخص الخبر
- أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مغادرة آخر القوات الأمريكية من العراق بعد مرور 23 عاما على التدخل العسكري.
- يوفر الانسحاب فرصة للعراق لتعزيز سيادته الوطنية وتقليص دوره كأرض للحروب بالوكالة بين القوى الإقليمية.
- يواجه العراق تحديات أمنية تتمثل في احتمالية عودة التنظيمات الإرهابية وفجوة أمنية نتيجة غياب الدعم الجوي والاستخباراتي الأمريكي.
- يفتح الانسحاب الباب لسيناريوهات متعددة تتراوح بين استعادة الدولة العراقية لقرارها، أو الارتِهان للنفوذ الإيراني، أو التحول لنقطة توازن إقليمية.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
بعد مرور 23 عاما على التدخل العسكري الأميركي في العراق، ها هم أخر الجنود يرحلون.
الأربعاء الماضي وعبر تروث سوشيال، كتب الرئيس الأميركي دونالد ترمب :” يسرني أن أعلن أن اخر القوات الأميركية تغادر العراق “.
هل تمثل هذه الخطوة بالفعل” براعة سياسية فائقة”، على حد تعبير ” توم باراك” سفير أميركا في تركيا، ومبعوث إدارة ترمب إلى سوريا؟
يمثل رحيل القوات الأميركية فرصة لطي صفحة التاريخ الأميركي المعقد في العراق، لكنه يترك تساؤلات مثيرة، ويفتح الباب لسينارويوهات متعددة ، ما بين الفرص والتحديات، في وقت فوضى جيوسياسية إقليمية وأممية على حد سواء .
بداية يمكن القول أن إكتمال الإنسحاب العسكري، يتيح للعراق أن يقدم نفسه بإعتباره صاحب الكلمة العليا، ومرجعية القرار الأمني داخل أراضيه، ومن دون أي رؤية فوقية أعلى منه، تفرض عليه رؤى بعينها تتسق ومصالحها، وفي هذه الفرضية محصلة إيجابية في وجه الفصائل التي تتهم الدولة بأنها منقوصة السيادة، ولهذا تحتفظ بحقها في حمل السلاح.
من مزايا الإنسحاب الأميركي العسكري، أنه يقلص من جعل العراق أرض حروب بالوكالة، ما بين الفصائل الموالية لإيران، وبين القوات الأميركية.
والإنسحاب عينه، يعطي العراقيين فرصة ربما الأولى من نوعها، منذ مارس 2003، لإثبات جدارتهم في إدارة شؤون دولتهم بأنفسهم، ومن غير تدخل خارجي.
لكن في مواجهة هذه الفرص، تظل هناك تحديات مقلقة للعراقيين ، ذلك أن الإنسحاب يأتي في ظل أزمة لا تزال جذوتها مشتعلة بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي يجعل مسألة تخليص روح الدولة من ربقة سلاح الفصائل أمرا مشكوك فيه، لا سيما بعد أن أخفقت الحكومة العراقية في تنفيذ الموعد الأصلي لنزع سلاح الجماعات المختلفة، وأرجات العملية إلى يونيو 2027.
في هذه الحال سيكون العراق أمام تحد بالغ الخطورة إذا إنسحبت القوات الأميركية من جهة، وظل السلاح خارج مقدرات الدولة، ما سيخلق حكما فجوة أمنية بالغة الخطوة، وهو سيناريو يمكن أن يؤثر على حالة السلم الأهلي في منطقة الخليج برمتها، وليس داخل العراق فحسب.
من بين التحديات التي يمكن أن يخلقها الإنسحاب العسكري الأميركي من العراق ، إحتمالات عودة التنظيمات الإرهابية وفي مقدمها داعش، حتى ولو لم يعد يمتلك الأرض والموارد التي أمتلكها عام 2014.
تقطع عدة تقديرات إستخبارية بأن التنظيم أصبح بالفعل أضعف بكثير، لكنها تؤكد وبما لا يدع مجالا للشك، أن هناك خلايا نائمة كثيرة، قادرة على التوسع والتمدد من جديد، حال ضعف اليد الأمنية المواجهة لها، مع الأخذ في عين الإعتبار، أن الأفكار له أجنحة تطير بها، أي يمكن أن تنفلش من جديد في منطقة تعاني بما يكفي من إرهاب الدولة المتمثلة في المخططات الإيرانية، وأعمال وكلاء الحروب.
هنا ليس سرا القول أن القوات الأميركية كانت تقدم للعراقيين ما لا يمكن تعويضه بسهولة : الدعم الجوي والإستطلاع، الطائرات المسيرة ، الزخم اللوجستي والقدرات التقنية، وكل هذا في إطار من التقديرات والبيانات الإستخبارية .
تضعنا التحديدات المتقدمة أمام تساؤلات متعددة وفي مقدمها :” هل تغيب هذه الفرضيات عن عيون وآذان الإدارة الأميركية الحالية، وهي التي تعاني في الوقت الراهن من العنت الإيراني؟ وهل لإنسحاب جنودها في هذا التوقيت، ولو كان مجدولا بالفعل من قبل، علاقة بما يتم الترويج له من أخبار حول إستعدادات أميركية لمرحلة الحسم العسكري مع الإيرانيين ولهذا فضلت واشنطن أن تبقي جنودها خارج دائرة النار والدمار ؟
في حين تغادر القوات الأميركية،ربما ينبغي على أميركا البقاء في العراق ..هل من تناقض ظاهر في علامة الإستفهام المتقدمة؟
يبدو ذلك بالفعل، لكن تدقيق النظر في العبارة ربما تقودنا إلى رؤية تحليلة أعمق .
الحجة المؤيدة لإستمرار الإنخراط الأميركي في العراق، تتجاوز في واقع الأمر مجرد إنفاق الولايات المتحدة أموالا طائلة ودماء في العراق، إنها تتعلق بالمصالح الإستراتيجية الأميركية طويلة الأمد.
على مدى العقدين ونصف العقد الأخيرين، سعى كل رئيس أميركي إلى توجيه تركيزه نحو آسيا، وتقليص إهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط، إلا أن الواقع يخبرنا بأن كل الإدارات من بداية الألفية الثالثة، قد وجدت نفسها مضطرة للعودة إلى المنطقة، نتيجة للأزمات الأقليمية.
العراق بنوع خاص، لطالما كان له أثر إقليمي أوسع، وبفضل تعداد سسكانه البالغ 45 مليون نسمة، وموارده الهائلة من النفط والغاز، سيظل لاعبا مؤثرا في إقتصاد المنطقة، ويمكن أن يكون قوة دافعة للإستقرار أو عدم الإستقرار .
وبينما تحتفي إيران وحلفاؤها بالإنسحاب بإعتباره إنتصارا، يثير الرحيل تساؤلات بشان مستقبل التوازنات الأمنية والسياسية في العراق .
مغادرة القوات الأميركية، قد تمنح إيران مساحة أكبر لتعزيز نفوذها في بلاد الرافدين، وزوال قوة موازنة ظلت لسنوات تحد من نفوذ طهران هناك.
بالإضافة لذلك، فإن الفصائل المتحالفة مع إيران، سوف تسعى بشكل مؤكد إلى تحويل الإنسحاب إلى مكاسب غضافية في عملية صنع القرارات الأمنية والسياسية .
ما الذي على واشنطن أن تفعله، حفاظا على مصالحها بداية، وأمن واستقرار العراق تاليا، ومن دون تناسي التوازنات الأمنية في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط بصورة كاملة؟
بإمكان الولايات المتحدة تعزيز تعاونها الأمني الثنائي من خلال فريق صغير لكنه كفؤ من المستشارين الأمنيين، ووجود دبلوماسي أميركي قوي، بما في ذلك سفير معين، وجهود حثيثة لتوسيع العلاقات التجارية الأميركية في العراق.
هنا يبدو التواصل المستمر رفيع المستوى من كبار المسؤولين الأميركيين، كاف لدعم أولويات الولايات المتحدة، وبخاصة في عصر يركز فيه صناع السياسة الأميركية على تقييم أكثر دق للمخاطر والفوائد، ويمكن لإستثمار متواضع من وقت الولايات المتحدة وإهتمامها أن يحقق مكاسب كبيرة لمصالحها.
ومن خلال مشاركة أميركية متواصلة وإلتزام معقول بالموارد، تستطيع الولايات المتحدة غستخدام نفوذها الكبير، بما يخدم إستراتيجياتها الشرق أوسطية والىسيوية على حد سواء ، وفي ذات الوقت العمل على إعادة تشكيل التوجيه السياسي للعراق في المنطقة بعيدا عن دوائر النفوذ الإيراني .
الإنسحاب الأميركي من العراق وفي كل الأحوال، يعكس مخاوف من غشكالية أوسع تتعلق بالتوازن بين السيادة الوطنية والحاجة إلى الدعم العسكري والإستخباراتي الخارجي، ويترك العراق في نهاية الأمر أمام سيناريو من ثلاثة:
** صحوة الدولة العراقية وإنتصارها على التحديات السابقة والمخاوف المتقدمة، وهذا لن يتأتى إلا من خلال تضافر السبيكة المجتمعية العراقية.
غير أن هذا سيناريو صعب في ظل التشظي الدوغمائي، والولاءات السياسية الخارجية .
** دولة مرتهنة بالكامل للنظام الإيراني، وهذا إحتمال قائم، حال الإنسحاب الأميركي من المواجهة مع إيران، أو التوصل إلى إتفاق يحفظ ماء وجه واشنطن، من دون تنازلات وإلتزامات إيرانية، تكف يدها عن دول الجوار .
في هذا الحال سيكون العراق خطرا متجددا في جواره الإقليمي، وربما بأكثر من زمن صدام حسين .
** العراق نقطة توازن، وهذا أمر يقتضي نهاية المواجهات العسكرية في المنطقة، والتوصل إلى تفاهمات تنهي حالة الإشتباك التي طالت في المنطقة.
وفي كل الأحوال يبقى السؤال الأهم الذي ستجيب عنه الأيام :” العراق بعد الأميركيين ..هل تبدأ مرحلة السيادة أم يسود زمن الفراغ الإستراتيجي ؟.
المصدر: العربية – سياسة