العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن
في القلب من دورة جديدة من دورات أعمال الجمعِيّة العامّة للأمم المتّحدة، تبدو هناك العديد من الملفّات الساخنة المتعلّقة بحالة السلم الدوليّ، والتي نشأت هيئةُ الأمم المتّحدة لصيانتها، بعد أن خَبَر العالمُ حربَيْن كونِيّتَين كبيرتَيْن، دفع العالمُ أثمانَهما من خلال ملايين القتلى ومليارات الدولارات.
لا تبدو حالةُ السلام العالميّ هذه الأيّام مطمئنةً، لا سِيّما في ظلّ التلويح الذي لا يتوَقَّف بإمكانِيّة استخدام الأسلحة النوويّة، الأمر الذي سيُدخل البشريّة في حقبة غير مسبوقة من الصراعات ما بعد التقليديّة.
في الوقت عينه، لا تزال قضايا بعينها في حاجةٍ إلى المزيد من الحسم، وفي مقدّمها المعضلة الإيكولوجيّة التي تمُرّ بها الكرة الأرضِيّة، والمخاوف من حدوث أزمةٍ اقتصادِيّة كبرى، تتجاوز ما عرفه العالم مؤخّرًا في 2008.
وما بين السياسيّ والاقتصاديّ، العسكريّ والاستخباراتيّ، تطلّ إشكالية بينِيّة تهمّ الأمم المتّحدة بصورةٍ خاصّة، وهي مهمّة الإصلاح، لا سِيّما في ضوء حالة اللاعدالة القائمة وراء جدران مبناها الزجاجيّ الشهير في مدينة التفاحة الأميركِيّة، نيويورك.
حتّى الساعة ورغم ارتفاع الأصوات المطالبة بإحداث إصلاحيّات هيكليّة تَتَّسق ومواكبة الأحداث العالمِيّة، على مقربة من نهاية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، إلّا أنّ شيئًا لم تمضِ به المقاديرُ.
اليوم تتغير ملامح ومعالم الكتل السياسيّة والأوزان الإستراتيجية للأمم والشعوب حول العالم، ومع ذلك تظَلّ مجريات القرار داخل المؤسّسة الأممِيّة ثابتة من غير تعديل ولا تبديل.
غير خافٍ على أحد، أنّ مجلس الأمن الدوليّ يُعَدُّ القلبَ النابض للمنظمة الدوليّة، ومنه تخرج القرارات الأممِيّة، التي ترسم مسارات السياسة الدوليّة، وتنهى وتأمر في شأن الخلافات الكونيّة.
حتّى الساعة يتكوّن المجلس من خمس دول دائمة العضويّة: روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا، الولايات المتّحدة.
كما يوجد عشرة أعضاء غير دائمين يتمّ انتخابهم لفترات مدّتها سنتان، تشغلها دول من مختلف أنحاء العالم.
السؤال المطروح الآن: “هل تواكب هذه التركيبةُ التمثيلِيّة واقعَ عالمنا المعاصر الحاضر؟”
بالعودة إلى الوراء قرابة ثمانية عقود، أي حين تمّت كتابة السطور المؤسِّسة لميثاق الأمم المُتَّحدة، نجد أنّ هناك “خطًّا إستراتيجيًّا” تمّ ارتكابه من جانب القوى الكبرى المسيطرة والمنتصرة في الحرب العالميّة الثانية.
تمثَّلَ الخطأ في تثبيت خمس دول، وتغيير العشرة الباقين من جهة، ومن جهة ثانية، حيازة أولئك الخمس لما يعرف اليوم بحقّ النقض أو الڤيتو، والذي يعدّ دون تهوين أو تهويل أداة فوقِيّة لصالح تلك الدول، ما يزخم إرادتها فوق كلّ الإرادات، ويعلي من كلماتها أعلى من جميع الأصوات.
لم يتنبه هؤلاء إلى أنّ فعل الحياة ديناميكِيٌّ وليس إستاتيكيًّا، وخُيِّل إليهم أنّ الحياة قد بلغت نهايتها بانتصار دول الحلفاء على جماعة دول المحور، وكأنّ الأمر كان من قبيل النبوءة المبكّرة لما سيأتي به المفكر اليابانيّ الأصل، الأميركيّ الجنسِيّة فرنسيس فوكاياما لاحقًا بشأن نهاية التاريخ.
اليوم يتَّفق الجميعُ على ضرورة إصلاح هيئة الأمم المُتّحدة، لكنَّ السؤال العقدة إنْ جاز التعبير هو: “كيف يمكن أن يحدث هذا التغيير؟”
القصة ببساطة هي أنّ عشرات الدول تدعم اليوم فكرة التغيير، لكنّ الكبار يرون أنّ بقاءَ الوضع على ما هو عليه، أمرٌ يمثّل الحفاظ على المكتسبات التاريخِيّة لهم.
غير أنّ هذه المنظومة الأممِيَّة بدأت تُصاب بالاهتراء، وفي أعين العالم تتراجع مصداقِيّة وموثوقِيّة الأمم المُتَّحدة يومًا تلو الآخر، وبخاصّة بعد غياب سقفٍ زمنيٍّ يتّفق عليه للمدى الزمنيّ للإصلاح لا سِيّما أنّ هناك أمينًا عامًّا جديدًا سيبدأ مرَّةً أخرى مراجعة أوراق الهيئة.
هنا نوَدُّ أن نطرح سؤالًا موضوعيًّا: “أليس من حقِّ العالم العربِيّ أن يكون له مقعدٌ دائم في مجلس الأمن، غداة توسيع عضويّته الدائمة، أو إلغاء حقّ النقض وربّما الأمرَيْن معًا؟”
الجواب يأخذنا حكمًا في طريق تبيان الوزن النسبِيّ للعالم العربِيّ، والحقائق التي على أساسها تقوم مقدّرات مقعد عربيّ دائم العضوِيّة في مجلس الأمن.
بالنظر إلى حقائق الجغرافيا، يحتلّ العالمُ العربيّ موقعًا إستراتيجيًّا فريدًا، ويمثّل همزة وصل بين ثلاث قارات آسيا وأفريقيا وأوروبّا، واليوم وكما هو واضح باتت الجغرافيا تُلقي بظلالها الثابتة على مسارات الأحداث السياسِيّة.
يشرف العالم العربي على أهمّ المَمَرَّات الحيويّة المائيّة الحاكمة للتجارة والملاحة البحريّة الدوليّة، مثل مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، ومضيق جبل طارق، وقناة السويس.
والثابت أنّه إذا كانت الجغرافيا هي ظلُّ الله على الطبيعة، فإنّ الديموغرافيا، هي بصمة الإنسان في الكون.
هنا لا يمكن لأحدٍ أن ينكر أهمّيّة الوزن النسبِيّ السكانِيّ للعالم العربيّ والذي يبلغ 500 مليون نسمة، ممّا يضعه في المرتبة الثالثة عالمِيًّا ككتلةٍ بشريّة متجانسه بعد الهند والصين.
يمثّل سكانُ العالم العربيّ ما يقارب من 6% من إجماليّ سكّان العالم، مع ميزة تقدُّمِيّة، وهي أنَّ الفئات الشبابيّة فيه هي القوّة الفاعلة والأكثريّة الغالبة، ما يعطيه ميزة تنافسِيّة مع الكثير من البقاع والأصقاع العالمِيّة التي تتراجع فيها معدلات المواليد وتعاني من “الشتاء الديموغرافيّ”، كما الحال في روسيا وأوروبّا والكثير من دول العالم.
حين نتحدث عن حقّ العالم العربيّ في مقعدٍ دائم العضويّة في مجلس الأمن، فإنّنا نستند ضمن ما نستند على ثوابت وأرقام حقيقيّة، تظهر الأهمية التي تمثّلها هذه الكتلة من الكتل الأمميّة الناهضة.
خُذْ إليك على سبيل المثال الناتج الإجماليّ الرسميّ للدول العربيّة والذي يبلغ نحو 3.5 تريليون دولار، ومعدّلات نموّ تصل إلى 4.3% متجاوزًا متوسّط النمُوّ العالمِيّ، مع الاحتفاظ ببعض أضخم الصناديق السياديّة في العالم.
يحقّ للعرب مقعدٌ دائمٌ في مجلس الأمن، انطلاقًا من مقدّراتهم الطاقويّة، والتي تجعل من أراضيه وخيراتها رقمًا صعبًا في المعادلة العالميّة، لا حديثًا هامشيًّا، والأرقام من جديد تفتح لنا الأبواب واسعةً.
يحتضن العالم العربي حوالي 57.6% من الاحتياطِيّ العالميّ المؤكّد من النفط، ويساهم بنحو 31.7% من الإنتاج اليوميّ العالميّ.
أمّا عن الغاز فيحوز العرب على 29.5% من احتياطيّ الغاز العالميّ، ممّا يجعل منهم شريكًا إستراتيجيًّا لا غنى عنه لأمن الطاقة العالميّ، خصوصًا للدول الصناعيّة الكبرى في أوروبا وآسيا.
وللعدالة والموضوعِيّة نقول إنّه كما يحقّ للعالم العربيّ مقعدٌ دائمٌ في مجلس الأمن، فإنّ الأمرَ عينه ينسحب على القارة الإفريقِيّة، والمرشَّحة لأن تكون قارّة النمُوّ والتنمية العالمِيّين بقيّة القرن الحالِيّ.
والأمر نفسه ينطبق على القارة الأميركيّة اللاتينِيّة، والتي تبدو حتّى الساعة ليست أكثر من خلفيّة چيوسياسيّة ولوحة شطرنج تنافسيّة بين القوى العظمى.
الأمم المُتّحدة اليوم أمام اختبار حقيقيّ، فإمّا إصلاحات جذريّة، تبسط العدالة والمساواة للجميع، وإمّا تراجع أهمّيّتها، وقَدْر أدوارها حول العالم، ما يفتح الباب واسعًا لنشوء وارتقاء مؤسّسات إقليمِيّة براغماتِيّة تسعى في طريق مصالحها في مواجهة هيمنة الكبار القابضين على جمر الڤيتو.. فانظرْ ماذا ترى؟
المصدر: العربية – سياسة





