العقبة… والرسالة التي لم تسقط على إيلات!
أكثر سؤال تردد في المنطقة خلال الأيام الأخيرة كان: لماذا استهدفت إيران البحرين والكويت والأردن، بينما بقيت إسرائيل بمنأى عن الضربات؟ وتحديدًا، لماذا سقطت الصواريخ في مدينة العقبة الأردنية، فيما بقيت مدينة إيلات المجاورة خارج المشهد؟
هذا السؤال لا يفرضه الجدل السياسي وحده، بل تفرضه الجغرافيا أيضًا.
فمن يقف على شاطئ العقبة يستطيع أن يرى مباني إيلات ورواد شواطئها بالعين المجردة. فالمسافة بين المدينتين ليست مسافة خرائط، بل مسافة نظر.
إذن، كيف وصلت صواريخ نظامٍ عبّأ جمهوره طوال سبعةٍ وأربعين عامًا بهتافات «الموت لإسرائيل» إلى مدينة عربية، فيما بقي مطار رامون في إيلات، الذي لا يفصله عنها سوى بضعة كيلومترات، خارج بنك الأهداف؟
نحن هنا لا نتحدث عن صاروخ ضلّ طريقه، وسقط في مدينة أردنية، بل عن هجمات عسكرية استهدفت دولًا عربية، واستُبعدت منها دولة يتباهى وزير دفاعها يسرائيل كاتس بأن الطائرات الأمريكية تنطلق من قواعدها نحو أهدافها في إيران!
وهنا تكمن القصة.
منذ قيام الجمهورية الإسلامية، جعلت إيران من العداء لإسرائيل رأس مالها السياسي. فأمن إسرائيل ليس ملفًا يتغير بتغيّر الإدارات الأمريكية، بل ثابتًا من ثوابت السياسة الأمريكية. لذلك حوّلت طهران هذا الثابت إلى ورقة مساومة للحصول على مكاسب من المنطقة العربية، مستثمرةً القضية الأكثر حضورًا في وجدان العرب.
قد يبدو أن هذا الدرس الذي استخلصه نظام الولي الفقيه من تجربة الشاه؛ الحليف الذي تخلى عنه الغرب، واستبدله بالإسلام السياسي، وأن أمريكا تبدل حلفاءها، لكنها تفاوض أعداءه.
لكنها لا تعكس دهاءً إيرانيًا استثنائيًا كما يروّج المصابون بعقدة الدونية أمام الفارسي، الذين يفسرون كل خطوة إيرانية بأنها «حنكة حائك السجاد». الحقيقة أنها ليست سوى المنهج الذي يتبعه الإسلام السياسي، بنسختيه السنية والشيعية: العداء المعلن لأمريكا وإسرائيل لكسب الجماهير، والتفاوض معهما على المكاسب.
هذه ليست استنتاجات بلا شواهد.
ففي الثمانينيات كشفت فضيحة «إيران-كونترا» أن هتافات «الموت لأمريكا» لم تمنع نظام الولي الفقيه من الحصول على السلاح من واشنطن وإسرائيل خلال حربه مع العراق.
كما تعاونت طهران مع الولايات المتحدة في غزو أفغانستان والعراق، لتتخلص من أكبر خصومها وتحوّل العراق إلى ساحة نفوذ لها، يستقوي فيها اللص والخائن بإيران على وطنه بشيعته وسنته.
ثم جاء الاتفاق النووي عام 2015؛ أعلن باراك أوباما أنه يعزز أمن إسرائيل، بينما خرجت إيران بأموال ونفوذ أوسع في العراق ولبنان واليمن، في وقت تُرك فيه السوريون يواجهون الميليشيات الموالية لطهران؛ لأن الاتفاق النووي أصبح أولوية لدى واشنطن.
هذه ليست أحداثًا متفرقة، بل محطات في سياسة واحدة!
واليوم ما الذي تغير؟
الذي تغيّر أن إيران لم تعد تفاوض على نفوذها، بل على شرعنته. فمنذ 28 فبراير سعت إلى تثبيت ما فرضته بالقوة، فيما تحولت ميليشياتها في الدول العربية من أدوات نفوذ إلى جيوش عقائدية من المرتزقة، مستعدة لقتال أوطانها، سُنّةً وشيعةً، خدمةً لمشروع أيديولوجي لا يختلف في جوهره عن التنظيمات التي زعمت أنها حملت السلاح لمحاربتها، وفي مقدمتها داعش.
لقد اختصر استهداف العقبة سبعةً وأربعين عامًا من الدجل الذي مارسته إيران باسم فلسطين؛ عداءٌ معلن لإسرائيل، فيما كان الهدف الحقيقي دائمًا الدول العربية.
لكن الأسوأ من الدجل الإيراني نفسه، ما كشفه العدوان من خلل في الوعي العربي، امتد حتى إلى من قُدِّموا بوصفهم نخبًا فكرية. فمنهم من لا يزال أسير شعارات الستينيات، ويخشى مغادرة «كتابه» الأيديولوجي، ومنهم من يخشى تهمة «التصهين» التي يلوّح بها أوباش الإسلام السياسي في وجه كل من يحذر من المشروع الإيراني. والمفارقة أن من رحّبوا بالغزو الأمريكي لبلادهم، ووصفوا جنوده ب«الضيف»، واعتلوا السلطة على دباباته، باتوا اليوم يزايدون على دول الخليج والأردن باسم فلسطين.
النظام الإيراني يذكرنا بفرع المخابرات العسكرية السورية رقم 235 في عهد نظام الأسد، المعروف باسم «فرع فلسطين». داخل ذلك الفرع مورست أبشع صنوف التعذيب والقهر والإذلال، وهُدرت الكرامة واستشرى الفساد، ومع ذلك ظل يرفع اسم «فلسطين» حتى في اللحظة التي تسحق فيها إنسانيتك، كان آخر ما تراه اسم «فلسطين»!
نقلاً عن الأيام
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)