العلم يفك لغز تكرار هجمات التماسيح في السودان
أعادت الحادثة المأساوية التي شهدتها جزيرة صاي، شمال السودان، وأسفرت عن مصرع الشاب عمر محمد عبد الخالق، ملف التماسيح إلى واجهة الاهتمام، بعدما أثارت تساؤلات واسعة حول أسباب تزايد ظهورها في المناطق المأهولة على امتداد نهر النيل.
ويرى الدكتور محمد المكي علي البدوي، الأستاذ بقسم الحياة البرية بكلية الموارد الطبيعية والدراسات البيئية بجامعة سنار، في دراسة علمية نشرها عبر صفحته على فيسبوك، أن تفسير الظاهرة لا يرتبط بازدياد شراسة التمساح، بل بعوامل بيئية وطبيعية، في مقدمتها موسم التكاثر، وتذبذب مناسيب المياه، واتساع التداخل بين النشاط البشري وموائل التماسيح، مؤكداً أن غياب الإحصاءات الدقيقة حول أعدادها وتوزيعها في السودان ما زال يشكل أكبر فجوة علمية أمام فهم الظاهرة ووضع حلول فعالة.

لماذا خرجت التماسيح من معاقلها؟
يُعد التمساح النيلي (Crocodylus niloticus) أحد أهم المفترسات المائية في أفريقيا، وعنصراً أساسياً في الحفاظ على التوازن البيئي داخل النظم النهرية. وينتشر تاريخياً في النيلين الأزرق والأبيض ونهر عطبرة ومستنقعات الدندر، بينما تمثل بحيرة النوبة أكبر موائله الطبيعية في السودان. كما كشفت دراسة علمية عام 2022 عن بقايا جمجمة تمساح قرب نهر عطبرة يعود عمرها إلى نحو 90 ألف عام، ما يؤكد الوجود التاريخي العريق لهذا الكائن في وادي النيل.
وبحسب الباحث، تتحرك التماسيح من بحيرة النوبة جنوباً على امتداد النيل بحثاً عن الغذاء أو مواقع جديدة للتكاثر، فيما توفر الجزر النيلية والشواطئ الرملية والجنادل الصخرية في الولاية الشمالية بيئة مناسبة لاستقرارها. كما أن التوسع الزراعي على ضفاف النيل، وضجيج مضخات الري، والتغير المستمر في مناسيب المياه، عوامل تدفع التماسيح إلى تغيير أماكن وجودها والاقتراب أحياناً من التجمعات السكانية.
موسم الرعب يبدأ مع الفيضان
ويعد موسم التكاثر من أبرز أسباب زيادة المشاهدات، إذ تضع الإناث بيضها بين مارس (آذار) ومايو (أيار)، وتخرج الصغار مع بداية موسم الفيضان. وخلال هذه الفترة تنتقل التماسيح الكبيرة إلى الخيران والأطراف الهادئة، بينما تنتشر الصغار في المناطق القريبة من الشواطئ، وهو ما يفسر تكرار مشاهدتها خلال هذه الأشهر.
ورغم الصورة الذهنية السائدة، يؤكد البدوي أن الإنسان ليس ضمن الغذاء الطبيعي للتمساح النيلي، لكن الهجمات قد تقع عندما يدافع عن أعشاشه أو صغاره، أو يخطئ في التمييز بين الإنسان والماشية في المياه العكرة، أو بعد مراقبة الأنماط اليومية لحركة الأشخاص الذين يترددون على المكان نفسه لجلب المياه أو غسل الملابس أو سقاية الماشية.
العلم يفك اللغز
ويشدد الباحث على أن الحد من الحوادث لا يتحقق بالقضاء على التماسيح، بل بإدارة علمية متوازنة تشمل إنشاء مواقع آمنة لجلب المياه وسقاية الماشية، والابتعاد عن ضفاف النيل خلال الفجر والغسق والليل، ولا سيما في موسم الفيضان، مع تحديد مواقع الأعشاش ووضع إشارات تحذيرية حولها، وإطلاق برنامج وطني لرصد أعداد التماسيح وحركتها الموسمية وتأثير التغيرات المناخية والأنشطة البشرية على سلوكها.
كما يحذر من أن القضاء العشوائي على التماسيح قد يخل بالتوازن البيئي، إذ تؤدي دوراً مهماً في التخلص من الجيف والحد من هيمنة بعض الأسماك المفترسة، بما يسهم في الحفاظ على صحة النظام النهري.
وتخلص الدراسة إلى أن مأساة جزيرة صاي أعادت التذكير بأن التمساح لم يغادر النيل، لكن التغيرات البيئية واتساع النشاط البشري على ضفافه جعلا الاحتكاك بين الإنسان و”سيد النيل” أكثر تكراراً. وبين الخوف المشروع وضرورة حماية التنوع البيولوجي، تبقى المعرفة العلمية والتخطيط السليم السبيل الأنجع لتقليل المخاطر وحماية الإنسان والحياة البرية في آن واحد.
المصدر: العربية





