“الفقراء الأثرياء” في إيران.. حين تبقى الأصول وتتآكل القدرة على الإنفاق
لم يعد الفقر في إيران يبدأ بالضرورة من مائدة خالية أو فقدان وظيفة، بل قد يبدأ من أسرة ما زالت تعمل وتمتلك منزلاً أو سيارة، لكنها تؤجل علاجًا طبيًا، أو إصلاح سيارتها، أو ترميم منزلها، أو حتى رحلة بسيطة. ويكشف هذا التحول عن تراجع القوة الشرائية وتآكل الهامش الاقتصادي الذي كانت الأسر تعتمد عليه لمواجهة الأزمات.
وفي مقابلة مع “اقتصاد نيوز”، تناول الخبير الاقتصادي علي سعدوندي ظاهرة اتساع رقعة الفقر في إيران، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطًا متراكمة بفعل العقوبات والقيود الاقتصادية والحصار البحري والحرب، بالتزامن مع استمرار التضخم واختلالات الموازنة والنظام المصرفي. كما تتقاطع هذه الصورة مع تحذيرات اقتصادية أخرى من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.
الحصار البحري يوقف صادرات النفط الإيراني فيما تتدفق ملايين البراميل الخليجية
“الفقراء الأثرياء”.. أصول موجودة وسيولة مفقودة
يقول سعدوندي إن التحول التدريجي نحو الفقر ظاهرة يمكن رصدها في اقتصادات مختلفة حول العالم، مستشهدًا بتجارب مثل فنزويلا والأرجنتين، حيث لا يحدث التدهور الاقتصادي بالضرورة بصورة مفاجئة، بل قد يتراكم تدريجيًا ويمتد إلى شرائح كانت تُعد في السابق من الطبقة المتوسطة أو فوق المتوسطة.
ومن أبرز مظاهر هذا الوضع في إيران ما يصفه سعدوندي بـ”الفقراء الأثرياء”، وهم أشخاص يعيشون في مناطق جيدة من شمال طهران، ويمتلكون عقارات أو سيارات ذات قيمة مرتفعة، لكنهم لا يملكون التدفق النقدي الكافي لتغطية نفقاتهم اليومية.
ويشير إلى أن جزءًا من هذه الفئة يتكون من موظفين بأجور ثابتة أو متقاعدين، إذ لا تعني ملكية منزل أو سيارة بالضرورة وجود دخل نقدي كافٍ. ومع استمرار ارتفاع الأسعار، تتسع الفجوة بين قيمة الأصول التي تملكها الأسرة وبين قدرتها الفعلية على الإنفاق.
ولا تقتصر الظاهرة، بحسب سعدوندي، على الفئات الفقيرة أو الطبقة الوسطى، بل بدأت تمتد إلى شرائح كانت تُصنف ضمن الطبقة فوق المتوسطة، مما يعكس اتساع نطاق الضغوط الاقتصادية داخل المجتمع الإيراني.
الحرب والعقوبات والتضخم.. ضغوط متراكمة على الأسر
يربط سعدوندي هذا المسار بمجموعة من العوامل، في مقدمتها الحرب والعقوبات والقيود الاقتصادية والحصار، لكنه يضع التضخم الناتج عن الاختلالات المتراكمة في الموازنة والنظام المصرفي في صلب المشكلة.
ويقول إن الإصلاحات المطلوبة لمعالجة هذه الاختلالات لم تُنفذ بالقدر الكافي، في وقت وصلت فيه حالة عدم اليقين الاقتصادي إلى مستويات مرتفعة، مما يجعل مستقبل النشاط الاقتصادي أكثر غموضًا ويدفع الأسر والشركات إلى تقليص الإنفاق والاستثمار والاحتفاظ بالسيولة كلما أمكن.
وفي هذا السياق، وفيما يتصل بتداعيات الضغوط الاقتصادية على القدرة الشرائية للأسر، قال كامران ندري، أستاذ الاقتصاد والتحليل الاقتصادي، إن ارتفاع الأسعار يضغط بصورة مباشرة على قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم، وإن المشكلة لا تتعلق بمجرد توفر السلع في المتاجر، وإنما بقدرة الأسر على شرائها. وقد تناول ندري هذه المسألة في أكثر من حديث، من بينها مقابلات مع “اقتصاد نيوز” و”اقتصاد 24″، حيث ربط بين التضخم وتراجع القدرة الشرائية والضغوط المتزايدة على الأسر.
ويشير ندري في هذا الإطار إلى أن الدخول لا تواكب الارتفاع المستمر في الأسعار، مما يدفع الأسر تدريجيًا إلى تقليص نفقاتها أو إعادة ترتيب أولوياتها، فيما يؤدي استمرار التضخم إلى تآكل القوة الشرائية الحقيقية.
كما حذر ندري، في حديثه عن تداعيات محاصرة التجارة البحرية، من أن تنفيذ محاصرة بحرية كاملة سيؤثر في نحو 70% من التجارة الإيرانية مع العالم، التي تشمل الصادرات والواردات، فيما قد يؤدي نقل هذه المبادلات إلى الطرق البرية والسكك الحديدية إلى رفع تكاليف التجارة بما يصل إلى أربعة أضعاف.
وأوضح في مقابلة مع “اقتصاد24” أن مثل هذا السيناريو يمكن أن يفرض صدمة سعرية كبيرة على الاقتصاد الإيراني.
انخفاض الاستهلاك ومخاطر انكماش الاقتصاد
وحول حجم هذه التحولات، يقول سعدوندي إنه لا يملك في الوقت الراهن إحصاءات رسمية يمكن الاستناد إليها بصورة نهائية، لكنه يرى أن البيانات المستقبلية قد تكشف عن تراجع في الإنتاج، وارتفاع في عدم المساواة، وزيادة في معامل جيني، إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
ويشير إلى أن المشكلة لا تقتصر على انخفاض الدخل، بل تمتد إلى صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية. ووفقًا للبيانات والمعلومات التي يقول إنه تلقاها، تراجع استهلاك البروتين بصورة حادة، وهو ما يرى أنه يمكن أن ينعكس على القدرة على التعلم والقدرات المعرفية ومستويات الطاقة، وبالتالي على النتائج الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل.
كما يحذر من أن استمرار هذه الاتجاهات سيؤدي إلى مزيد من انكماش الاقتصاد. ويشير إلى أن قطاع الخدمات يمثل نحو نصف الاقتصاد، ولذلك فإن تداعيات الحرب والعقوبات لا تقتصر على المصانع والمنشآت الصناعية التي قد تتعرض للأضرار.
ويرى سعدوندي أن الأضرار التي تلحق بالصناعة يمكن الحد من آثارها من خلال سياسات تعويضية مناسبة، لكن التداعيات تصبح أكثر خطورة عندما تؤدي السياسات الاقتصادية نفسها إلى مضاعفة آثار العقوبات والقيود المفروضة على الاقتصاد.
تآكل قدرة الأسر على تحمل الصدمات
ويرى سعدوندي أن قدرة الأسر الإيرانية على تحمل الصدمات تراجعت بصورة كبيرة، وأن هذا الهامش مرشح لمزيد من الانكماش مع ظهور صدمات اقتصادية جديدة.
ويحذر من أن الفقر لا يملك سقفًا نهائيًا، وأن استمرار تدهور الظروف المعيشية من دون استجابة حكومية مناسبة يمكن أن يحول أزمة القدرة على الإنفاق إلى أزمة أوسع نطاقًا.
كما ينتقد ما يعتبره ضعف فهم المسؤولين لطبيعة الفقر الجديد، مشيرًا إلى أن بعض المسؤولين ربما فقدوا، على مدى عقود، الاتصال الحقيقي بالمجتمع ومشكلاته اليومية. ووفقًا لرؤيته، أدى ابتعاد الحكومة عن المجتمع وعن الخبراء والنخب الاقتصادية إلى تراجع قدرتها على الاستفادة من المشورة المتخصصة في الوقت المناسب.
وفي هذا السياق، يرى أن التركيز على توزيع القسائم الغذائية يعكس، من وجهة نظره، فهمًا غير كافٍ لطبيعة المشكلة، لأن بعض منتجي الغذاء والمزارعين أنفسهم يعانون من الفقر، ولا يعني ذلك بالضرورة أنهم يحتاجون إلى القسائم.
أما ندري، فقد تناول مسألة القسائم الغذائية من زاوية مختلفة، إذ قال إن استمرار التضخم يجعل قيمة القسائم عرضة للتآكل، وإن الدعم لا يحافظ على أثره الحقيقي ما لم يجرِ تعديل قيمته بما يتناسب مع ارتفاع الأسعار.
ووفق تصريحات نقلتها وسائل إعلام إيرانية عنه، فإن أمام الحكومة خيارين أساسيين: السيطرة على التضخم أو تعويض انخفاض القوة الشرائية للأسر من خلال زيادة الدخول أو أدوات الدعم، ومنها القسائم الغذائية.
ويعتبر سعدوندي أن التحويلات النقدية المباشرة تمثل وسيلة أكثر فاعلية لتعويض الأسر عن الصدمات، خصوصًا أن البنية اللازمة لمثل هذه التحويلات موجودة أصلاً وكان يمكن استخدامها بصورة أوسع.
لكن المشكلة، بحسبه، تكمن في أن الحكومة قطعت نفسها عن المجتمع وعن الخبراء الذين كان بإمكانهم تقديم حلول عملية لمواجهة التدهور الاقتصادي.
“الفقر الجديد” يتجاوز امتلاك الأصول
تكشف ظاهرة “الفقراء الأثرياء” أن قياس الفقر في إيران لم يعد مرتبطًا فقط بامتلاك الأسرة منزلاً أو سيارة أو وظيفة، بل أصبح مرتبطًا بقدرتها الفعلية على تحويل هذه الأصول والدخول إلى قدرة مستمرة على الإنفاق.
فقد تمتلك الأسرة عقارًا جيدًا، وتعيش في منطقة ميسورة، وتمتلك سيارة مرتفعة القيمة، لكنها تجد نفسها عاجزة عن تحمل تكاليف العلاج أو إصلاح السيارة أو التعليم أو حتى النفقات اليومية. وهنا يصبح الأصل موجودًا، لكن قيمته لا تتحول بالضرورة إلى أمان اقتصادي أو قدرة نقدية كافية.
ومع استمرار الحرب والعقوبات والقيود الاقتصادية وارتفاع التضخم، يمكن أن تتسع هذه الفجوة بين قيمة الأصول والقدرة الفعلية على الإنفاق، لتدفع شرائح جديدة من المجتمع إلى مستويات معيشية أدنى، حتى من دون أن تفقد ممتلكاتها بصورة مباشرة.
وتطرح هذه التطورات سؤالاً أوسع حول قدرة الاقتصاد الإيراني على الحفاظ على الطبقة الوسطى والهامش الاقتصادي للأسر، في وقت تتعرض فيه الدخول والمدخرات والقوة الشرائية لضغوط متزامنة.
وبحسب تحذير سعدوندي، فإن استمرار هذا المسار من دون إصلاحات اقتصادية واستجابة أكثر فاعلية للصدمات قد يؤدي إلى مزيد من انكماش الاقتصاد واتساع الفقر وعدم المساواة.
المصدر: العربية – اقتصاد



