«القاهرة والرياض» أمن واحد في زمن الأزمات
في الوقت الذي تتكاثر فيه الأزمات حول المنطقة، جاء لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ليبعث برسالة أكثر قوة من كل البيانات: عندما يتعلق الأمر بأمن المنطقة واستقرارها مصر والسعودية في خندق واحد.
لم يكن اللقاء مجرد مصافحة بين قائدين، ولا صورة بروتوكولية تضاف إلى أرشيف العلاقات العربية، وإنما كان مشهداً سياسياً يحمل دلالات واضحة لكل من يحاول قراءة العلاقة بين القاهرة والرياض من خلال الشائعات أو الحسابات الضيقة، ولكن الحقيقة التي يعلمها الجميع، وعلى مدار التاريخ، أن العلاقات المصرية السعودية واحدة من أكثر العلاقات العربية رسوخاً، ليس فقط بسبب التاريخ والجغرافيا، وإنما بسبب المصالح المشتركة والروابط الشعبية والاقتصادية والسياسية العميقة.
وحينما تقول القاهرة إن أمن الرياض أمنها.. فهذه ليست مجاملة دبلوماسية، وعندما تؤكد القاهرة أن أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري، فالأمر يتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية، ليعكس حقيقة راسخة في حسابات الأمن القومي المصري والعربي.
وفي هذا السياق، تبرز عبارة الرئيس عبدالفتاح السيسي «مسافة السكة» باعتبارها تعبيراً واضحاً عن استعداد مصر للوقوف إلى جانب أشقائها العرب إذا تعرَّض أمنهم لخطر مباشر، وهي العبارة التي تلخص موقفاً مصرياً ثابتاً تجاه أمن دول الخليج ومساندتها في مواجهة ما قد يهدد استقرارها.
من هنا تأتي أهمية لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي مع الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي في القاهرة، في توقيت لا يحتاج إلى كثير من الشرح، فالمنطقة تقف فوق صفيح ساخن، والأزمات تتسع من غزة إلى السودان واليمن، ومن البحر الأحمر إلى الخليج، وبينما تتزايد المخاطر التي تهدد أمن المنطقة ومقدرات شعوبها نجد أن القاهرة والرياض تدركان أن ما يحدث في المنطقة لم يعد أزمة هنا أو تهديداً هناك، وإنما أصبح مشهداً إقليمياً متداخلاً، يصعب معه أن تنأي دولة بنفسها عن تداعيات ما يجري حولها.
ولهذا فإن الرسالة المصرية السعودية جاءت واضحة: أمن البلدين ليس ملفاً منفصلاً، ومصالحهما ليست متعارضة، وما يهدد استقرار أحدهما يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الآخر.
والأهم أن هذه الرؤية لا تولد اليوم، لكن المرحلة الحالية تفرض على هذه العلاقة مستوي جديداً من التنسيق، فالمنطقة لم تعد تحتمل الحسابات المنفردة، حيث إن الأمن في البحر الأحمر يرتبط بأمن قناة السويس والتجارة العالمية، وأمن الخليج يرتبط بأمن الطاقة والاقتصاد العالمي، واستقرار اليمن ينعكس على حركة الملاحة، بينما تبقي القضية الفلسطينية في قلب المشهد العربي والدولي.
ومن هنا جاء التوافق المصري السعودي بشأن ضرورة الحفاظ على أمن الملاحة البحرية وحرية حركة التجارة، إلى جانب دعم أمن واستقرار الدول العربية ووحدتها وسلامة أراضيها.. وفي القلب من ذلك كله تأتي فلسطين، فالقاهرة والرياض تتحركان في مساحة واحدة عندما يتعلق الأمر بضرورة وقف التصعيد، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، والدفع نحو تسوية عادلة للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية.
وهنا لا يمكن تجاهل أهمية أن تكون القاهرة والرياض على الموقف نفسه، فلكل دولة منهما ثقلها، وعندما يتقاطع هذا الثقل في ملف بحجم القضية الفلسطينية، تصبح الرسالة العربية أكثر وضوحاً أمام المجتمع الدولي.
أما السودان، فهو ملف آخر يكشف حجم التشابك بين الأمن المصري والسعودي. فالسودان ليس مجرد دولة شقيقة تربطها علاقات تاريخية بالقاهرة والرياض، وإنما دولة عربية وأفريقية ذات أهمية استراتيجية، وأي تهديد لوحدتها واستقرارها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها، لكن السياسة وحدها لا تكفي، فالمرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة اقتصاد أيضاً.
العلاقات المصرية السعودية تملك من الإمكانات ما يسمح بتحويل التفاهم السياسي إلى شراكة اقتصادية أوسع، وزيادة الاستثمارات والتبادل التجاري، والتعاون في الصناعة والطاقة والنقل والسياحة والأمن الغذائي، وغيرها من المجالات.
وهنا ربما تكون الرسالة الأهم في لقاء السيسي وبن سلمان أن قوة العلاقات السياسية ينبغي أن تنعكس بصورة أكبر على حياة المواطن وعلى الاقتصاد وفرص العمل والاستثمار.
فالعلاقات بين الدول لا تقاس فقط بعدد الزيارات والبيانات المشتركة، وإنما بما تنتجه هذه العلاقات من مصالح حقيقية للشعوب، ولقد تغيرت المنطقة كثيراً خلال السنوات الماضية، وتبدلت التحالفات وتعددت مراكز النفوذ، لكن هناك ثوابت لا يمكن تجاهلها.
ومن أهم هذه الثوابت أن القاهرة والرياض تمثلان ركيزتين أساسيتين في منظومة الأمن العربي، وأن التنسيق بينهما في هذه اللحظة ليس رفاهية سياسية، وإنما ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة.
في النهاية، لقاء الرئيس السيسي وولي العهد السعودي لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره لقاءً بين زعيمين، وإنما باعتباره رسالة سياسية وأمنية واقتصادية إلى المنطقة بأكملها، حين تكون المصالح مشتركة يصبح التنسيق ضرورة، وحين يكون الأمن القومي متداخلاً لا يمكن أن تكون هناك حدود مصطنعة بين أمن القاهرة وأمن الرياض.
فأمن الرياض من أمن القاهرة، وقوة القاهرة من قوة محيطها العربي، وهذه ليست مجاملة دبلوماسية، بل حقيقة فرضها التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة.
نقلاً عن “الوطن”
المصدر: العربية – سياسة





