الملاريا تنهش السودانيين… ملايين الإصابات وتحذيرات من أدوية مغشوشة
لم تعد الملاريا في السودان مجرد مرض موسمي يشتد مع الأمطار وينحسر بانحسارها، إذ عادت لتفرض نفسها بقوة في وقت يواجه فيه القطاع الصحي واحدة من أصعب مراحله، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب.
وتشير وزارة الصحة السودانية إلى زيادة حالات الإصابة في ولايات الخرطوم والنيل الأبيض والجزيرة مقارنة بالعامين السابقين، وسط تراجع قدرة النظام الصحي على الاستجابة.
وسجل السودان أكثر من 2.7 مليون إصابة بالملاريا، وفق تصريحات ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان في فبراير (شباط) الماضي، في مؤشر على حجم العبء الذي يواجهه بلد أنهكته الحرب والنزوح وتراجع الخدمات الصحية.
وأدت الحرب إلى خروج مرافق صحية عن الخدمة، وتعطيل جانب من برامج مكافحة النواقل، فيما أسهمت الأمطار والمياه الراكدة وتراكم النفايات في توفير بيئة ملائمة لتكاثر البعوض. وتقول منظمة الصحة العالمية إن 37 في المئة من المرافق الصحية في السودان لا تزال خارج الخدمة.

موجة تتسع
ومع اتساع الإصابات، دفعت وزارة الصحة الاتحادية نحو تكثيف التدخلات في أكثر المناطق تأثراً، خصوصاً في عدد من محليات الخرطوم، مع خطط لتوسيع عمليات المكافحة والتنسيق مع الهلال الأحمر السوداني، بالتزامن مع تدخلات لمكافحة النواقل في ولايات أخرى، بينها النيل الأزرق، حيث تتداخل الملاريا مع أمراض أخرى تنقلها البعوضة في ظروف صحية وبيئية معقدة.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق بانتشار المرض وحده، وإنما بما إذا كانت قدرة العلاج نفسه على مواجهته أصبحت موضع اختبار.
«صُدمت»… مأمون حميدة أمام موجة المرض
ويحذر البروفيسور مأمون حميدة، وزير الصحة السابق بولاية الخرطوم، من «تحولات خطيرة» في نمط انتشار الملاريا بعد الحرب، داعياً إلى مراجعة استراتيجيات المكافحة وتشديد الرقابة على الأدوية.
ويروي حميدة أنه دخل مستشفى «علياء 2» بعد إصابته بملاريا شديدة، وظلت الأعراض مستمرة رغم تناوله العلاج، قبل أن تتطور حالته إلى مضاعفات في الرئة. وخلال وجوده في المستشفى، شاهد عدداً كبيراً من مرضى الملاريا، ونقل عن طبيب قوله إن بعض الأدوية «لم تعد فعالة».
ولا يعني عدم استجابة المريض للعلاج بالضرورة أن الدواء مغشوش أو أن فعاليته تراجعت على نطاق واسع؛ فقد يرتبط الأمر بمقاومة الطفيلي للدواء، أو التشخيص، أو الجرعة، أو عدم الالتزام بالعلاج، أو ظروف التخزين.
لكن حميدة يحذر في الوقت نفسه من احتمال وجود أدوية مغشوشة أو غير مطابقة للمواصفات، ويدعو إلى تشديد الرقابة على عمليات الاستيراد والتخزين وضمان جودة الأدوية المتداولة.

«المريض يتناول العلاج ولا يشفى»
وتضيف الصيدلانية نجلاء نورين بعداً آخر للمشكلة، إذ تقول ل«العربية.نت» إنها صادفت أدوية للملاريا تعتقد أنها مغشوشة أو غير مطابقة للمواصفات.
وتستعيد نورين مشهداً لافتاً شاهدته في إحدى وسائل المواصلات، عندما كان شاب يحمل أكياساً بلاستيكية شفافة تحتوي على حقن «أرتميثر» وأقراص وحقن «أرتيسونات»، وقد وضعها على المقعد المجاور له تحت تأثير الحرارة، بينما كان يتلقى اتصالات هاتفية بشأن طلبات وتسليمات.
وتحذر من أن الحرارة وظروف التخزين السيئة قد تؤثر في المادة الفعالة وتقلل من كفاءة الدواء، مشيرة إلى أن المريض العادي لا يستطيع التمييز بالعين بين الدواء الأصلي والمغشوش.
وتقول إن من أكثر الشكاوى التي يواجهها الممارسون تكراراً: «المريض يتناول علاج الملاريا ولا يشفى». لكنها لا تنسب هذه الحالات تلقائياً إلى الأدوية المغشوشة، إذ يمكن أن تكون مقاومة الطفيلي أو سوء الاستخدام أو عوامل أخرى من أسباب عدم الاستجابة.
وهنا تتجاوز القضية حدود الصيدلية والمستشفى إلى سؤال أكثر حساسية: هل المشكلة في المرض الذي يتغير، أم في العلاج الذي يفقد فاعليته، أم في منظومة صحية لم تعد قادرة على ضمان التشخيص والدواء والتخزين والمراقبة؟
القضارف تبحث عن إجابة
في ولاية القضارف، انتقل السؤال من شهادات المرضى والممارسين إلى الاختبار العلمي، فقد بدأ فريق اتحادي دراسة لقياس فعالية أدوية الملاريا المستخدمة في خطي العلاج الأول والثاني للملاريا البسيطة، في خطوة قد تقدم إجابة أكثر حسماً عن مدى قدرة البروتوكولات العلاجية الحالية على مواجهة المرض.
وقال رئيس الفريق إن الدراسة تُجرى كل ثلاث سنوات، وكانت آخر دراسة في عام 2023، وستُنفذ في موقعين بالولاية من خلال جمع البيانات والعينات من الحالات، بمشاركة الكوادر الصحية في المراكز والمستشفيات المختارة، ولمدة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر.
وتهدف الدراسة إلى تقييم فعالية البروتوكول العلاجي والأدوية المستخدمة، وصولاً إلى تحديث البروتوكول واتخاذ القرارات العلاجية المبنية على الأدلة.
وتتجاوز أهمية هذه الخطوة حدود القضارف؛ فإذا كشفت النتائج عن تراجع في فعالية أحد الأدوية، فقد تفرض إعادة النظر في البروتوكولات العلاجية وسياسات مكافحة الملاريا على نطاق أوسع، في وقت يتعرض فيه النظام الصحي السوداني لضغوط غير مسبوقة.
وتزداد أهمية الدراسة في القضارف، الولاية الزراعية الشاسعة، حيث تتقاطع الأمطار والمياه والظروف المناخية وحركة السكان مع بيئة مواتية للأمراض المنقولة بالبعوض، لتضع فعالية الدواء نفسها في قلب معركة لا تبدأ في المستشفى ولا تنتهي عند الصيدلية.
المرض داخل الحرب
تكتسب الخطوة أهمية أكبر في بلد أضعفت الحرب فيه سلسلة كاملة تبدأ بالوقاية ومكافحة البعوض، مروراً بالتشخيص، وصولاً إلى توفير الدواء وتخزينه ومراقبة جودته.
وهكذا تتجمع في السودان حرب ونزوح وأمطار ومياه راكدة ومرافق صحية متضررة، فيما يحتاج المرضى إلى علاج سريع وفعال.
وفي القضارف، قد تقدم العينات التي يجري جمعها خلال الأشهر المقبلة إجابة عن سؤال يتجاوز حدود الولاية: هل لا تزال أدوية الملاريا المتاحة قادرة على مجاراة المرض؟
فالمعركة لم تعد فقط مع البعوض الذي ينقل الطفيلي، وإنما أيضاً مع كل حلقة تسبق وصول المريض إلى العلاج، ومع احتمال أن يكون السلاح الذي يعتمد عليه في هذه المعركة بحاجة هو الآخر إلى اختبار.
وفي بلد أنهكته الحرب، تبدو الملاريا كأنها حرب أخرى بلا هدنة؛ عدو صغير الحجم، لكنه قادر على استنزاف نظام صحي يكافح أصلاً للبقاء.
المصدر: العربية